الرئيسية / صفحات مميزة / وهم وحدة المعارضة السورية

وهم وحدة المعارضة السورية


عمار ديوب

طلب الشعب الثائر في سوريا، من المعارضة إنجاز وحدتها، حتى إنّه سمّى أحد أيام الجمعة بذلك، ولم تحققها له… وبقيت حكاية الوحدة مدار تجاذب مستمر بين أطراف المعارضة. حدّد لها آخر تاريخ، في 16/5/ 2012 وفشل، وستفشل كل المواعيد اللاحقة! كلامي عن كونه مجرد تجاذب حديث، وأضيف متشنج، لأنّه يتجاهل حقيقة معروفة: أن المجلس الوطني، لا يمتلك رؤية للثورة السورية، ويمتلك فقط قيادة دائمة الحركة من دولة إلى أخرى، بقصد وحيد، هو تأمين تمثيل سياسيّ ووحيد وشرعي له، على حساب بقية الأطراف المعارضة، وطلب الدعم لاقتلاع النظام من جذوره، مع وعود مستقبلية تفيد بوقوف نظام «المجلس» ــ بعد المساعدة بإسقاط النظام الحالي ــ إلى جانب تلك الدول، في مواجهة الروس والإيرانيين. هكذا يظهر أنّ موقفه، يفتقر إلى أيّة دراية سياسية، ويظهر ذلك من خلال متابعة عمله بتكتيك سياسي رديء مبنيّ على موقف سياسيّ عاجز، وقائل باستحالة إسقاط النظام بالقوى الذاتية للثورة، فتصير السياسة تكتيكاً عقيماً أقرب إلى التفكير العقيدي، قائماً على أنّ الثورة لا تُسقط النظام، بل سيسقط عبر التدخل الخارجي «العسكري» فقط (معياره في ذلك المعارضة العراقية والمجلس الليبي). وبالتالي رؤيته القائمة على هذه «السياسة»، وبغياب أيّة مؤشرات إلى ذلك التدخل، كما تشير كل التصريحات الأوروبية والأميركية، تفضي إلى أنّ المجلس الوطني في طريقه إلى التلاشي، وحظوظه بالنجاح قليلة، ولنقل سيكون هناك تراجع كبير في التفاف الناس من حوله. ضمن هذا التحليل، ليس لدى القوى المتنفذة في المجلس والمتبنية لما ذكرناه، أيّة أفكار عن وحدة المعارضة إلا عبر توسيع المجلس، بل وترفضها، وأكثر ما يمكن أن تلعب به، هو إعطاء وعود عن المساهمة فيها، بقصد منع الأطراف الأخرى من إنجاز شيء شبيه بوحدة ما؛ التي بدورها لن تستطيع إحرازها، حتى ولو توصلت إلى وحدة ما بين مجموعة من القوى السياسية، التي تعبر عن ذاتها فقط، ومقطوعة الجذور عن الثورة، وهذا ليس بسبب قمع النظام، بل بسبب عدم مطابقة قضايا الثورة أو الاقتراب منها. لا تشذّ هيئة التنسيق عن المجلس في فهم السياسة «كتكتيك قاصر»، فهي كذلك لا تتخيل أنّ الشعب بثورته هو الأساس في نجاحها؛ فالهيئة تضع كل رهاناتها، كما يبدو، لدى الروس، بعدما كانت تضعها سابقاً عبر الحوار مع السلطة، وفي أحسن القراءات المنحازة إليها، ينحصر حلّها وفق الطريق اليمني المرفوض من قوى الثورة هناك، ومرفوض في سوريا كذلك، رغم أنّ الروس يرفضون حتى هذا الحل وكذلك الإيرانيين. نقطة الضعف المركزية لدى الهيئة في أنّها لا تمتلك أساساً رؤية للثورة أكثر من أنّ الحل السياسي هو الحل، الذي يساوي بعرفها الحوار (وكأنّ أحداً من أطراف المعارضة يرفض هذا الحل، في لحظة ما!). فما يغيب عن هذا التفكير، أنّ الحل السياسي كخيار، يتطلب شروطاً لإجرائه أو لوضعه على طاولة البحث، أقلّها أن يُوقف النظام مسلسل إصلاحاته، التي كانت آخرها «انتخابات مجلس الشعب، لقائمة الوحدة الوطنية، الجبهة الوطنية التقدمية سابقاً!» والالتفات إلى ذلك الحل، وإشهاره كخيار له. هذا النظام لم يهتم بخطة كوفي عنان نفسها، سوى من زاوية إفشالها، لكن بعد الموافقة عليها، وبالتالي ليس من ضغط روسي ولا بمقدور خطة كوفي عنان، إجباره على الحلّ السياسي، المطروح منذ بداية الثورة. تركيز الهيئة على هذا المعطى، يمنعها من تجاوز السياسي، وأقصد التكتيكي، ويبقيها في إطار الكلام المرسل عن الاستثنائية الإعجازية لخطة كوفي عنان كبداية للحلّ، وعن دور الروس كضمانة لذلك، ويجعلها في غربة عن تأييد الثورة والانشغال بها، للإسهام في حل المشكلات التي تعترضها وتوسيع المشاركة فيها، والاكتفاء بتكرار مهلك، يشبه «النق»، عن أنّ سوريا ستدخل حرباً أهليّةً. ويبدو أن الفكرة الأخيرة صار لها سوق دولية؛ فهذا ما قالته الهيئة وآخرون منذ الأشهر الأولى للثورة، وهو إمعانٌ في الفهم القاصر للثورة، وبالتالي تصطف الهيئة في ما يخص وحدة المعارضة خلف دور الروس وكوفي عنان في فهم الثورة كأزمة تتطلب حلاً يسمح بتغيير ما في النظام. إذن، هناك انفصام في الرؤى القاصرة عن فهم الثورة، وكلا الطرفين الأساسيين في المعارضة، يتخيّل أنّ رؤيته هي الأصح، وتكمن مصيبتنا في أنّ الرؤيتين بائستان في كل ما يخص الثورة. ويُكمل النظام تلك الرؤية، بأنّه هو كذلك، ورغم كل بطشه، لا يعي قوة الثورة وأسبابها، وأن استمرارها كلّ هذا الزمن، وأنّ دخول حلب القويّ أخيراً، مؤشر شديد التنبيه إلى ضرورة بحثه عن حلّ سياسيّ، أو انتظار سقوطه لاحقاً! رغبة بعض الأطراف المعارضة والمتذبذبة في عقد وحدة المعارضة، بينها وبين الجهتين الأساسيتين، لا تسمح بوجودها، ولا سيما أنّ الجامعة العربية، الداعية إلى ذلك، هي مجرد مؤسسة بائسة لا قيمة فعلية لها، بالرغم من استناد كوفي عنان في خطته الفاشلة إليها. هذا يعني، انتفاء أيّ إمكان لحصول وحدة المعارضة، في دنيا الحق. وبالتالي، لن تكون المواعيد الجديدة لإنجازها، سوى تاريخ جديد لفشل المعارضة والجامعة العربية، حتى لو رغبت الجامعة ودول نافذة في التأثير على المعارضة بتحقيقها. يقع على الثورة السورية بهيئاتها وتشكيلاتها المتعدّدة والمتشكّلة بفعل نضالها المستمر، إنجاز قيادتها السياسية، والتخلص من تلك المعارضة، ومن الاستقطاب لمصلحة بعضها بعضاً؛ فكما رفعت شعار إسقاط النظام، تستطيع رفع شعار إسقاط المعارضة؛ التي أصبحت بسياساتها المشروحة أعلاه عقبةً إضافيةً لإنجاحها. بالتالي، على قيادات الثورة، الاعتماد على النفس، في صياغة رؤيتها عن سوريا المستقبلية. هذا ما يلحظ في كثير من الانتقادات التي يوجهها إعلاميو الثورة من الداخل، وكذلك يلحظ في شعارات الثورة، التي ينصت إليها السوريين برهافة دقيقة. الأمل معقود هنا. غير ذلك، هو مجرد كلام في واقع دوليّ شديد الطرش.

يجب أن تنصب رؤية الثورة على عدّة قضايا مع السعي إلى تحقيقها: نظام سياسيّ علمانيّ ديموقراطيّ لمصلحة كافة السوريين، مؤمنين وعلمانيين وغيرهم؛ ونظام اقتصاديّ يعتمد على صناعة متقدمة وزراعة ممكننة، وتأمين فرص عمل لكافة العاطلين من العمل وتأمين دخول للعاطلين من العمل، وفق نظام ضريبي، ينهي حالة العوز والإفقار الشديد، وبما يحفظ للأفراد كرامتهم وحياتهم، من أيّة انتهاكات، وهو ما لن يتحقق دون حقوق واسعة للمفقرين، ومنصوص عليها في الدستور القادم. وكذلك لا ننسى استعادة الأراضي المحتلة الخاصة بسوريا، ودعم كافة القضايا العربية، ولا سيما استعادة فلسطين بكافة الطرق. هذه القضايا، هي ما تستند إليها الثورة السورية بعمقها؛ فقد صار من العقم السياسي، القول وفق ما ترتئي، بعض التيارات السياسية، بالديموقراطية كبديل عن الاستبداد، وغيرها بوطنية جوفاء دون حقوق للمواطنين، وثالثة بحقوق للمفقرين. هذه القضايا، هي كلّ متكامل، وبتحققها ستكون الثورة على السكة الصحيحة، وستعبّر بالفعل عن الأكثرية المفقرة من السوريين، ولمصلحة كافة السوريين من كافة الطبقات الاجتماعية. إنّ بناء دولة حديثة لا يتحقق دونها؛ ففي سوريا، كل ما يجري ذاهب نحو تأسيس تلك الدولة، أو ذاهب نحو تعقيدات سياسية واقتصادية ووطنية وطائفية، ستفضي ولو بعد حين إلى ما ذكرناه.

* كاتب سوري

الأخبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

  سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم/ برهان غليون بعد أسبوعٍ عاصفٍ في السماء السورية، ...