الرئيسية / صفحات الحوار / ياسين الحاج صالح: لا عودة إلى بيت الطاعة الأسدي

ياسين الحاج صالح: لا عودة إلى بيت الطاعة الأسدي


أسئلة وحيد تاجا

1 ـ بداية، كيف تقيم وضع وحال الثورة السورية بعد مرور عام على قيامها؟

تقف الثورة اليوم عند منعطف قد يكون الأخطر منذ انطلاقها. مكوناها الاجتماعي والميداني فعالان، لكنهما يتعرضان لاستنزاف شديد تحت وطأة عدوان مستمر منذ عام. لذلك تشتد الميول إلى العسكرة والمقاومة المسلحة، وتجد إطارا جاهزا، وإن لم يكن متماسكا بالقدر المطلوب، هو الجيش السوري الحر. هذا المكون العسكري للثورة يفتقر إلى السلاح الملائم لخوص حرب عصابات فعالة ضد النظام، ولعل تجزأه المحلي يحول دون التنسيق بين كتائبه على المستوى الوطني، ووضع تكتيكات ملائمة للمواجهة تلحق الأذى بالنظام أكثر من الجيش الحر ذاته، وأكثر من الأوساط المحلية التي ينتشر فيها. أما المكون السياسي للثورة فلا يزال ضعيف الأثر على مكوناتها الاجتماعية والميدانية والعسكرية، دون أن يعوض عن ذلك بفاعلية ظاهرة على المستوى الدولي.

2 ـ إذا حاولنا أن ننظر إلى خارطة الوضع السوري من جميع جوانبها، كيف ترى المعارضة اليوم؟ أين أخطأت؟ وأين أصابت؟ وهل يعني تشرذمها أنها ضعيفة، وبالتالي هل إمكانية سحقها ممكنة؟

إن كنا نتكلم على المعارضة التقليدية، فإن مشكلتها تتمثل أساسا في تقادم منظوراتها الفكرية والسياسية، وتباطؤ إيقاعات عملها، وأزمة الثقة العميقة بين أطرافها وخصوماتها التي لا تنتهي، ونموذج الأنا المطلق الشائع بين رموزها ومحازبيها. وبينما تجري ثورة في سورية منذ عام، لم تفجرها المعارضة التقليدية ولا هي تقودها ولا تشارك فيها غالبا ولا تأثير لها عليها، بل الواقع أن الثورة من حركت معارضين تقليديين وأعطتهم اعتبارا ما كانوا ليكتسبوه بحال من دونها، تجد كثيرين من هؤلاء يشترطون على الثورة كي تنضبط ضمن تصوراتهم وتفضيلاتهم، ويحصل أن يكتبوا تقارير ببعض مكوناتها، العسكري بخاصة، لأية جهات دولية تصغي إليهم.

وهناك مخلصون بلا شك ضمن المعارضة التقليدية، لكن كثيرون منهم، وبخاصة في المجلس الوطني، استغنوا باعتناق قضية الثورة عن العمل في الثورة وعلى مستواها، وقلة منهم من أعطوا نموذجا إنسانيا أو سياسيا يوحي بالجدية والاحترام.

على أن من العدل القول إنه لم يكن من السهل أن يكون المرء معارضا طوال عقود، ويبدو الأمر اليوم صعبا كل الصعوبة. ولذلك يمكن تفهم الكثير من نقاط الضعف وتحملها. ما لا يمكن غفرانه هو الرثاثة والأنانية، والوقوع في عشق الذات، بينما ذوات عشرات الألوف من عموم السوريين تباد وتبتر.

أما عن إمكانية سحق المعارضة، فلعلك تعني المعارضة الجديدة المتمثلة في الثورة ذاتها. أشك في أن ينجح النظام في سحقها يوما، وإن استطاع سحق البلد، وهو ماض في هذه الخطة فعلا تحت تأثير وهم استعادة السيطرة الكاملة وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لكنه ربما يضطر قطاعات متسعة منها إلى التحول باتجاه العمل العسكري، على ما هو حاصل فعلا أيضا. ومن شأن مزيد من التصعيد من جهة النظام، وهذا مقطوع بوقوعه، أن يتسبب بتديين المواجهة العسكرية. فإذا اقترن التصعيد بمجازر طائفية على ما وقع في كرم الزيتون في حمص ليلة 11-12/3، كان محتما أن تتسارع الخطى نحو الحرب الأهلية الطائفية. وتقديري بأن هذا النظام المنحط الذي يعول كثيرا على آلته العسكرية سيخسرها في النهاية، وإن ليس قبل التسبب بدمار وطني واسع النطاق.

استنادا إلى المعطيات الراهنة، أظن أن الأزمة الوطنية السورية مرشحة للتمادي، وأن الأوضاع الاقتصادية ستكون عاملا مؤثرا جدا في تطاول الأزمة وتعذر استعادة السيطرة من قبل النظام.

3 ـ من أهم النقاط الخلافية بين أطراف المعارضة دعوات البعض إلى التدخل الأجنبي، وإلى التسلح، كيف تنظر إلى هذه النقاط؟ وهل تراها دعوة الى تجييش المعارضة وإنهاء طابعها السلمي؟

المعارضة في أزمة. ترى النظام ممعنا في قتل الشعب، لا ينضبط بمبدأ وطني أو إنساني أو ديني، ولا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي حيال هذا الوضع، لذلك تعلو في أوساطها أصوات تعول على تدخل خارجي. وكلما وقعت مجزرة جديدة علت هذا الأصوات أكثر. في الأمر تعبير عن اكتمال القطعية مع النظام، لكن فيه غير قليل من الخرق. ففوق أن التدخل الخارجي قضية خلافية، فإنه ليس متوقفا على طلبنا له أو رأينا فيه. ثم إن في الأمر أيضا شعور بالعجز وقلة الحيلة. وهو ما يعود جزئيا على الأقل إلى تواضع مستوى نخبنا السياسة، وعدم قدرت على الابتكار السياسي، أو أقله على استيفاء المسارات المتاحة قبل التعويل على مسارات غير متاحة ولا سيطرة لنا عليها.

أما التسلح فلم يجر لأن أياً كان دعا إلى “تجييش المعارضة وإنهاء طابعها السلمي” على ما يقول السؤال. حدثت انشقاقات في الجيش لأسباب مشرفة وطنيا وإنسانيا، وانضم مدنيون إلى المقاومة المسلحة تحت تأثير التدمير الذي تعرضت إليه بيئاتهم وأسرهم. لذلك لا مسوغ وجيها لتحويل وجود مكون عسكري للثورة إلى قضية خلافية، لأنه تحول اضطراري، ونتيجة لسبب لم يرتفع، بل يزداد وطأة، هو سياسة النظام الإرهابية ضد المجتمع. على أن من الواجب تنظيم المكون العسكري سياسيا وفكريا، ودعمه ماديا ومعنويا. وفي هذا فليتنافس المتنافسون.

4 ـ أيضا برز العديد من النقاط الخلافية حول المسألة الكردية خلال هذه الفترة، ما رأيك؟ وكيف تقيم موقف الأحزاب الكردية ومدى انخراطها في الحراك الجماهيري؟ وهل ترى في دعوة المجلس الوطني الكردي إلى ضرورة إجراء استفتاء في المناطق الكردية بعد سقوط النظام ما يشير إلى نية لدى الأكراد للانفصال؟

هناك الكثير جدا من الملفات تفرض نفسها اليوم وستفرض نفسها أكثر في المستقبل في بلد لم يعرف نقاشا عاما فعليا منذ عقود، ويقف اليوم عند مفترق طرق كبير. من هذه الملفات الملف الكردي.

ويبدو لي أن المشاركة الكردية في الثورة أدنى من الطاقة الاعتراضية الكردية الكامنة، لأسباب تتصل بالانقسام الكردي، لكن أهم من ذلك بحقيقة أن ما يحرك أقلية قومية هو مطالبها القومية أكثر من المطالب الديمقراطية العامة. مع ذلك كانت المشاركة الكردية مهمة منذ البداية ومستمرة، وتشكل بلدة عامودا بخاصة مركز احتجاج نشط لم يتوقف منذ البداية. يدرك الكرد أن قضيتهم الخاصة تتقدم، وأنها ستدخل طورا جديدا في كل حال بعد الثورة. وتقديري أنه يرجح لهم أن يربحوا قليلا أو كثيرا، وليس من الوارد في تقديري أن يخسروا شيئا، الأمر رهن باتساع مشاركتهم.

أما عن الاستفتاء فلم أسمع به, استفتاء على ماذا؟ ويشمل من؟ وفي أية مناطق؟

5 ـ وبالتالي، وفي ظل المواقف الدولية والعربية هل ترى إمكانية تسليح المعارضة واردة فعلا؟ وهل يمكن للجيش الحر حسم الصراع إذا تم تسليحه؟

يصعب التنبؤ بأي شيء. لكن تبدو لي الإمكانية واردة فعلا. وفي مواجهة الشلل الدولي واستمرار النظام في حربه على الثورة، مدعوما من روسيا وإيران وحزب الله، قد يكون تسليح الجيش الحر هو الخيار الأنسب لقوى لا تريد أن تتدخل بنفسها، وتجد نفسها في حرج من ترك نظام إرهابي ينكل بمحكوميه على النحو المعلوم. لكن من شأن هذا أن يفتح باب حرب وكالة مديدة بين قوى إقليمية ودولية على الأرض السورية. أما غاية التسليح الراهنة فليست بالضرورة إسقاط النظام، وإنما إلغاء ميزته العسكرية وتعطيل قدرته على تحقيق نصر حاسم، وإجباره على التفاوض من موقع أضعف.

6 ـ وكيف تقيم حركة الشارع، وهي العنصر الأكثر فاعلية في الحراك الثوري؟ إلى أي مدى يمكن له أن يتابع ويستمر في حركته تلك ضمن ظروف القمع والقتل الوحشي الذي يمارسه النظام؟

الثورة مستمرة بشجاعة وزخم منذ عام، ويبدو لي أن من ثابروا على تحدي النظام عاما، لن يعيدهم شيء إلى بيت الطاعة الأسدي. لكن ليس من العدل توقع أن تتواصل إلا ما لا نهاية دون دعم مادي وسياسي مستمر. ومن الدعم الضروري أيضا الدفع نحو تعديل ميزان القوى على الصعيد العسكري لأن هذا مهم معنويا، ويشغل الذراع العسكرية للنظام عن سحق الحراك الثوري المدني، ثم الالتفات إلى البيئات الاجتماعية للثورة لسحقها أيضا. لقد فرضت علينا حرب مفتوحة متعددة الجبهات والأدوات من قبل عدو غاشم، فإن لم نستطع الفوز فيها فلا ينبغي بحال أن يفوز فيها هذا العدو. في رأيي أن أسوأ الاحتمالات السورية على الإطلاق استمرار هذا النظام. كل شيء آخر أقل سوءا.

7 ـ على الطرف المقابل كيف ترى حال النظام؟ وهل يعني تماسك آلة النظام، السياسية والعسكرية والدبلوماسية حتى الآن أنه لا يزال قويا فعلا وانه قادر على الحسم؟

نقطة قوة النظام هو آلته العسكرية والقمعية. وهو يزجها بقوة في حرب مطلقة يخوضها ضد الثورة والمجتمع السوري عموما. ولا يهمه أثناء هذه الحرب المطلقة ضغوط سياسية أو حقوقية أو دبلوماسية، أو حتى تدهور اقتصادي عام. يهمه فقط أن تكون له الكلمة العليا في هذه المواجهة العسكرية. وهذا ما ينبغي حرمانه منه بكل تأكيد. سيتضعضع على المستوى السياسي فقط إن كسرت ذراعه الحربية الضاربة. وسيكون ذلك بداية الانهيار الشامل. لذلك، نعم، لا يزال النظام قويا على المستوى الذي يحتاجه من أجل الحرب ضد الثورة. وهو يراهن على أنه إذا ربح هذه الحرب الإرهابية فسيتمكن من إعادة بناء قوته في الميادين الأخرى، والخروج من عزلته الحالية.

8 ـ هل يمكن القول أن النظام استطاع فعلا أن يجر المعارضة إلى حرب أهلية وطائفية، وهو الأمر الذي سوف يسهل عليه كثيرا عملية البطش بها؟

لا أرى سليما طرح الأمر على هذه الصورة لا على مستوى التحليل ولا على مستوى العمل. لم تنجر الثورة إلى حرب أهلية وطائفية على ما يقول السؤال، ولا تزال تخوض صراعها ضده كنظام استبدادي، رغم أنه لم يتردد في التعبئة الطائفية والتوتير الطائفي منذ البداية. كان النظام دوما نظام حرب أهلية باردة، يجري تسخينها ويرتسم لها شكل طائفي كلما تمرد المجتمع ضده.

وفي تكوينها الأصلي، المجتمعي والمدني والسلمي، تمثل الثورة الوصفة المثلي للخروج من نظام الحرب الأهلية، لكن النظام أغرقها بالدم والموت، ويبدو أنه لم يعد ثمة من بديل غير مواجهته في ميدانه، ولا بد من الانتصار عليه في ميدانه. إن لم يتحقق ذلك فسيسحقنا نظام الشبيحة عقودا إضافية أخرى.

9 ـ بالنسبة للمواقف العربية، كيف ننظر إلى موقف كل من قطر والسعودية بشكل خاص؟ وإلى أي مدى يمكن الاعتماد على موقفها الداعي لتسليح المعارضة، أو الضغط على روسيا والصين اقتصاديا مثلا؟

على المستوى السياسي المباشر، لا بد من الاستفادة من موقف الدولتين في مواجهة النظام، ومنعه من الانتصار في حربه على الثورة. لكن حتى على هذا المستوى هناك تساؤلات بصدد قدرتهما على التصرف بصورة مستقلة عن حلفائهما الغربيين والأتراك، وتقديم سلاح فعال للمقاومين السوريين. هذا فوق أن السعودية تنظر إلى المسألة السورية من منظور الصراع مع إيران من جهة، والصراع السني الشيعي من جهة ثانية، وليس هذا هو الاصطفاف الأنسب للمصلحة الوطنية السورية لو كنا مختارين. أما قطر فتعمل دوما على تثقيل وزنها الإقليمي، وفي مواجهة السعودية بخاصة، ولهذا رغم تلاقي مواقف الدولتين، فإنهما لا تثقان ببعضهما، ولا تنسقان المواقف والسياسات.

ورأيي أن الكثير يتعلق بالموقف التركي فيما يخص تسليح المعارضة، لأنه ستكون نافذة التسليح وأقرب موقع إلى الجبهة الرئيسية. وتركيا ستطلب مقابلا كي تفعل، وتحتاج إلى غطاء أطلسي، وإلى ضمانات بخصوص الملف الكردي السوري.

أما الضغط الاقتصادي على روسيا والصين من قبل السعودية وقطر ودول الخليج، فليس هناك ما يؤشر عليه بعد. أعلن يوم السبت 11/3 عن تفاهم عربي روسي من خمس نقاط. أشك شخصيا أن يدوم هذا التفاهم أياما.

فوق تعقيدات كثيرة للمسألة السورية، هناك كثير من الغوامض حولها أيضا.

10 ـ أخيرا، ما هي السيناريوهات المتوقعة، في ظل طرح موضوع تقسيم سورية؟ وإعادة رسم خارطة المنطقة ككل؟

لا أعلم أحدا تكلم على تقسيم سورية غير السيد بشار الأسد قبل أسابيع من اليوم. من المحتمل أن الأمر حاضر في ذهنه كخيار محتمل، وخرج على لسانه في شكل إسقاط على مؤامرة خارجية. وتقديري أن من لم يكف يوما عن تغذية أزمة ثقة بين السوريين، ولم يمتنع لحظة عن زج الجيش في مواجهة المجتمع الثائر، ومن سخر الدولة العامة لتحصين حكم الطغمة الخاصة، لا يحتمل أن توجد لديه موانع فكرية وأخلاقية تحول دون الدفع نحو تقسيم البلد إذا كان ذلك ما يناسبه.

لا أعلم كذلك أن أحدا تكلم على “إعادة رسم خارطة المنطقة ككل”. يبدو لي هذه كلام مبالغة، وإن كانت الأزمة السورية أزمة إقليمية وعالمية بالفعل، ومن المحتمل أن تتسبب في حمى إقليمية، وبعض ارتفاع في حرارة العالم. لكن إعادة رسم الخرائط ليس بالأمر الميسور، على ما يعلم الأميركيون قبل الجميع من تجربتهم في العراق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...