الرئيسية / صفحات الرأي / المُثقَّف و”البَهْلَـوَان”/ صلاح بوسريف

المُثقَّف و”البَهْلَـوَان”/ صلاح بوسريف

 

 

المُثقَّف، كان عبر تاريخِ وُجُودِه، ذلك الإنسانُ النَّبِيل، صاحب الرأيّ الحُرّ والفكر التَّنْويرِيّ، الذي يرغَبُ في التَّغْيير وفي ابْتِداع الأفكار، وهو بطبيعتِه شخصٌ يَمِيلُ إلى الإصلاح، رغم أنَّ في مفهوم الإصلاح اخْتِلاف بين المُثَقَّفِين أنفسِهِم، فثمَّة مَنْ يعود به إلى «الأصول»، أي إلى الماضي، مهما كانت المسافَة التي تَفْصِل هذا الماضي عن الحاضر، وما يَحْمِلُه هذا المفهوم، في هذا السِّياق، من دلالاتٍ، يراه البعض «سَلَفِيَة»، أي فِكْراً لا علاقةَ له بالحاضر، أو بما ينبغي يكون عليه هذا الحاضِر من تجديد في الفِكْر وفي النَّظَر. وثمَّةَ من له أُفقٌ آخر، هو أُفُق المستقبل، الزَّمَنُ بالنسبة له، سَيْرٌ إلى الأمام، انْطِلاقٌ، وتَقَدُّم، أو هو خَطْوٌ وتَجاوُزٌ، وصيرورةٌ، هي نفْسُها صيرُورَةُ نَهْر هيراقليط، الذي لا يمكن أن نَسْبَح فيه مَرَّتَيْنِ. لكن، مهما تَكُن طبيعةُ هذا الاخْتِلاف، فالمُثقَّف كان في الحَالَتَيْن، له مَوْقِف، لا يتنازَل عن رأيه، يُواجِه، ويُجادِل، ويَجْهَر بهذا الرأي والموقف، أينما كان، وحَيْثُما حَلَّ، لا شَيْءَ يثْنِيه عن فَضْح ما يجري حَوْلَه من تَشْويه وابْتِذالٍ، ومن تلاعُبٍ بالأفْكار والمواقِف، عند المُثَقَّفِين، قبل غيرهم من حُكَّامٍ ومسؤولِينَ وأصحاب قَرارٍ. فالمُثَقَّف لم يَكُن تابِعاً، ولا ظِلاًّ، أو بَهْلَواناً يَلْعَبُ على الحِبالِ، يَقْلِبُ رَأْيَه، ويُلَوِّنُهُ بحسب انْقِلابِ وتَلَوُّن المَواقِع، لا المَواقف، ولا هُو طَالِب غَنائم، ولِصّ مالٍ عامّ.

ما كان يُوَجِّه المُثَقَّف الحُرَّ، النّبِيلَ، هو فِكْرُه، الذي هو حاصِل بَحْثِه، وكتاباتِه التي هي انْعِكاسٌ، في جوهرها، لشخصية هذا المثقَّف، الذي لا يعيش على حَبْلَيْنِ، ومَوْقِفَيْن، أو لَهُ وُجُوهٌ وأقْنِعَة وألْوان، يُغَيِّرُها، مثلما يُغَيِر قُمْصانَه. وهذا المُثَقَّف، هو الذي كان، عبر التاريخ، يتعرَّضُ لِكُلِّ أشكال القَهْر والمَنْعِ والحِصار، أو المُضايَقاتِ التي كانتْ تَمْنَعُ عَنْه شروط الحياة، بما يَرْتَضِيه هو، لا بما ترتَضِيهِ له السُّلْطَة، ولا مَنْ يتكلَّمُون بِلِسانِها، أو يتَبَنَّوْنَ مواقِفَها، من «المُثَقَّفِين»، أو مَنْ هُم في عِداد المُثَقَّفِين. وهذا المُثَقَّف النَّبيل، الحُرّ، كان دائِماً، مُعَرَّضاً للإغراءات، ولِكُلِّ أشكال الحِيَل للخُروج من مواقِفِه، وقَلْبِ مِعْطَفِه، بما يجعلُ منه شَخْصاً بلا رأيٍ، وبلا مَوْقِفٍ، لَهُ كُلُّ الوُجُوهِ، ولا وَجْهَ لَه.

لَعلَّ خَطَر «المُثقَّف»، وأعني به المثقَّف الذي يُجِيد الرَّقْصَ على الحِبالِ، هو أنْ يَخْرُجَ من ذاتِه، ومن لِباسِه، ويُصْبِح صَيْداً في يَدِ البَهْلَوانِ.

ــ فمن يكون البَهْلَوانُ هذا، الذي يَسْتَمِيلُ المُثقَّف ويَسْتَعْمِلُه، أو يتلاعَبُ به، ويَضَعُه رَهْنَ إشارَتِه، مَتَى شاءَ، وكيفما شاءَ؟

البَهْلَوَانُ، هو شَخْصٌ يَدَّعِي أنَّه مُثقَّف، حامِل شواهِد، وخِرِّيج جامعةٍ، يُرافِق مُثَقَّفِين، أو هكذا يتصَوَّرُهُم، يكْتُب كلاماً، ينشُرُه هُنا وهُناك، يَحْصُل على عضوية بعض المؤسَّسَات الثَّقافية التي باتَتْ تَبْحث عمَّنْ يُخْرِجُها من البَوارِ الَّذي تعيشُ فيه، وقد يَسْتَعْمِل بعض دَهائِه، حتَّى لا أقُولَ ذَكاءَهُ، لأنَّه ليس بهذا المَعْنَى، ولَنْ يكونَ. يصبح «مُناضِلاً» في هذا أحد أحزاب اليسار، أو اليمين، التي لا يُمْكِن تمييز اليسار في مواقِفِها من اليمين، ويكون بهذه الخُطْوَة قد قَطَع مراحِل جِدّ مُتَقَدِّمَة في سُلَّم العلاقاتِ العامَّة، التي هِيَ ما يَبْنِي عليه وُجُودَه، لأنَّه في الأصْل، شَخْصٌ بدون أفق، ولا مَشْرُوع، وبدون رُؤيَةٍ، لأنَّ قُمْصانَه التي يرتديها، كثيرة الرُّقَع والألْوان، وَوَجْهُه الذي يُبْدِيه، لَيْس هو وَجْهُه الذي يُخْفِيه، أو بالأحرى، وُجُوههُ التي يُخْفِيها، ويَسْتَعْمِلُها بحسب الحاجة، أو بما يقْتَضِيه المقام.

والبَهْلَوانُ، هو جِسْمٌ بألوانٍ كثيرةٍ، مُتناقِضَة، لا رأْسَ لَه، أو أنَّ الرَّأْسَ عندَه، هو آلَةٌ يَقُودُها الهَوَى، ولا قَرار لَهُ، فقراراتُه هي ماءٌ يَتَموَّجُ بِحَسَبِ اتِّجاه الرِّيح، ولعلَّ دَهاءَهُ كامِنٌ في هذا المِفْصَلِ بالذَّات، أي في قُدْرَتِه على مَعْرِفَة اتِّجاه الرِّيح، ليس بما يُفَكِّرُهُ، بل بما باتَ يَعْرِفُه بِحُكْم العادَةِ، مثل الفلاَّحِين في البوادي، الذين يَعْرِفُون أحوال الطَّقْس، بدون حاجةٍ لِمَنْ يُخْبِرُهُم بها، أو يضبطها بآلات القياس العلمية. فهو، بهذا المعنى خَبيرٌ، مُناوِرٌ، يُعْطِي القَلِيل، ليأْخُذَ الكثير، ويعرف مَتَى تُجْنَى الغَنائِم والثِّمار.

ما يَحْدُثُ، أنَّ هذا البَهْلَوانَ، بِكُلّ هذا السَّخَف الذي يَبْنِي به وُجُودَه، يُصْبِح، بِحُكْم طبيعَتِه، هو مَنْ يقودُ بعض المُثَقَّفِين، ويَجُرُّهُم خَلْفَهُ كَقَطِيعٍ، يَسْتَعْمِل أفْواهَهُم ليأْكُل بها كُل الطُّعُوم الكَرِيهَةِ، يُسايِرِهُم في ما يبدُو لَهُم مَكاسِبَ، في ما هو يَنْظُر إلى غَنائم السُّلْطَة، وإلى ما قَدْ يَجْنِيه من الحِزْب، ومن المُؤسَّسَة، التي باتَتْ في يَدِه مثل العَجِين، يَفْعَل بها ما يُرِيد، لأنَّه باتَ لَهُ جَيْشٌ ينُوبُ عنه في الكلام، وفي افْتِعال الحُروب، وفي الرَّدِّ، وفي تَبْرِير ما يُقْدِمُ عليه من حماقَاتٍ، أو بالأحْرَى، باتَ عندَه بَهْلَواناتٌ صِغارٌ، يَتَكلَّمُون بِلُغَتِه، وينوبون عَنْه في غيابِه، ويَسْتَعْمِلُون أساليبِه نفسها، رَغْبَةً منهم في البَقاء في ظِلِّه، وفي ما يُغْدِقُه عليهم من غنائم وثِمار.

فالمُثَقَّف، في مثل هذا الوضع، يَتَوارَى، يَحْتَجِب، ويَخْتَفِي، لا يعودُ لَهُ صَوْتٌ، ولا صُورَة، ولا رأي، يُصْبِح رَهِينَةً في يَدِ البهْلَوان الكبير، الَّذِي يكون قد نَشَر الفَسَادَ، وروائِحَ الفَساد في يَدِ كُلِّ تابِعِيه، بما يجعلُهُم لا ينقلِبُون عليه، أو يخرجُون من ظِلِّه، صارِخِين في وَجْهِه، طامِعِين في احْتِلال سمائه، التي منها يُصْدِر أوامِرَهُ. لا مَكان هُنا للمثقف الحُرّ، صاحب الفكر والنَّظَر، المُثَقَّف النَّافِر، «المُتَنَطِّعُ»، الحَرُونُ، الذي لا تأْكُلُه غنيمَةٌ ولا جاهٌ، المُثَقَّف الذي يقبل العيشَ في الهامش، ويقبل بِشَظَف الحياة، حتَّى لا يَسْقُطَ في فِخاخ الكراسي، ولا في كمائِنِ السُّلَطِ، لأنَّه يملك ما يكفي من مناعَةٍ لِصَدِّ العَواصِف الجَارِفَة.

قليلُون هؤلاء، مَعْدُودون على رُؤُوس الأصابع، صامِدُونَ حيث هُم، يملكون ما يكفي من الشَّجاعَة لقول لا، لِكُلِّ ما تطلع منه روائح الفَساد، والغنيمة. لا يتحمَّلُون الأقْنِعَة، لأنّ لَهُم وجُوههُم التي لا يَضَعُون عليه مساحق، ولا ألوانَ، فهي وُجوه بطبيعتها، مُسْتَبْشِرَةٌ، إذا كان ما يَدْعُو للاسْبْشار، مُتَأَمِّلَة، إذا كان ما يدعُو للأمَل، وغاضِبَة، قَلِقَة، إذا ما رأتْ أنَّ البِلادَ تَسِير في مَجْرًى لَنْ يقودَها إلاَّ إلى الخرابِ، أو قَلْبِ القِيَم والمواقف، أي حين يَصير المُفْسِدُ مُصْلِحاً، والمُصْلِحُ مُفْسِداً، وحين يَصِيرُ العالِمُ جاهِلاً، والجاهِل عالِماً، أو حِين يَصيرُ البَهْلَوانُ مُثَقَّفاً، والمُثَقَّفُ بَهٌلَوناً، أو تابِعاً للبهْلَوان، مثل ظِلِّه، رغم أنَّ البَهْلَون، هو في نهاية المَطَبِّ، ظِلٌّ لغيره، مِمَّن يَسْتَعْمِلُونَه، كَعَصاً بها يَهُشُّون على أغْنامِهِم، أو ما يبتكرونه مِنْ قُطعانٍ، لا تَبحَثُ سوى عن الماء والكَلأ.

كاتب مغربي

القدس العربي

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

22 − 19 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...