صفحات سورية

الخطاب – المهزلة حول الطائفية المستترة إلى خطاب سياسي معلن للدولة السورية

 


كتب محيي الدين اللاذقاني – وجه الرئيس السوري يستحق القراءة أكثر من خطابه و قبل أن نلقي نظرة على الوجه المصفر رغم الماكياج لا بد من الإعتراف بأننا ندين بالشكر للرئيس السوري بعد ” الخطاب – المهزلة ” لعدة أسباب أولها وأهمها أنه لم يجهض ثورة الشعب السوري بعرض برنامج إصلاحي مرتبط بجدول زمني لن ينفذ منه شيئا ككل برامجه ووعوده منذ أتى مشكوكا بشرعيته وقدرته على القيادة لكن ذلك البرنامج لو جرى طرحه في سياق حملات التضليل التي أشتهر بها أزلامه ،وإعلامه كان سيكفي ليقول المدافعون عنه : لماذا تستعجلون أعطوا الرجل فرصة .

الخطاب – المهزلة حول الطائفية المستترة إلى خطاب سياسي معلن للدولة السورية

ويستحق بشار الاسد الشكر ايضا لكشف اكاذيب نائبه ومستشارته ، وجوقته الكاملة التي بشرت على مدار ثلاثة أيام بإصلاحات كبيرة سيعلن عنها فلما ” نطق بدري” لم يجد الشعب السوري غير شذرات من – حزمة الخميس – كما سماها وكلها غير جاهزة فمسوداتها عند القيادة القطرية منذ سنوات سبع عجاف ، وقبلها ثلاث هي السنوات الكاملة لحكمه التي أفقرت الشعب السوري وجعلت مستوى معيشته على غرار النيجر ومالي أما مستوى حرياته السياسية ففي مرحلة متأخرة عن تصنيف كوريا الشمالية .

هل يستحق صاحب ” الخطاب – المهزلة ” المزيد من الشكر ..؟ برأيي نعم لأنه نفى علنا حجة الذي يدافعون عنه منذ جاء بالقول أنه يريد الاصلاح لكن من حوله يعيقونه، ويضعون العصي في دواليب برامجه الإصلاحية وهاهو يعترف في ” الخطاب – المهزلة ” أنهم جميعا يشجعونه ويدفعونه للإصلاح دفعا ، واذا كانت الحصيلة مع كل هذا الدفع على مستوى الحريات السياسية ليست أعلى من الصفر إلا بقليل فكيف كانت ستكون لو كانوا يعطلونه قصدا كما كانت تدافع عنه مستشارته وجوقتها …؟

والآن الى الوجه الرئاسي المصفر والعيون المذعورة التي خرج بها الرئيس السوري على شعبه وهي وحدها تفسر لماذا سكت دهرا ونطق كفرا ، فخروج الرجل إنما جاء لإلقاء الجملتين الأخيرتين المتضمنتين تهديد كل من يتظاهر ضده بالشارع أو بالكلام بالضلوع في إثارة الفتنة ، وهما الجملتان اللتان صاغهما من يمسك بزمام الأمور في كواليس الرئاسة منذ إندلاع إنتفاضة درعا المباركة ، أما ما سبق التهديد من الحديث عن رجال ملثمين يطرقون الأبواب ويحرضون الحارات ويطلقون الرصاص ويختفون فليس أكثر من هلوسات سمعها الشعب قبله من مستشارته وأكتفى الرئيس بإضافة خلطة تشويق وإثارة على المشاهد من أفلام الرعب التي يشاهدها .

وعلى ذكر أفلام الرعب لابد من الإشارة إلى أن حملة التخويف التي يقودها النظام السوري ضد شعبه في هذه المرحلة لم يسبق لها مثيل بالرغم من كل سيناريوهات الرعب التي مرت على سورية في عهد حافظ الأسد وأبنه وقد صدق من قارن حملة إرهاب النظام لشعبه بالعهد النازي أوليس هتلر هو القائل في كتاب كفاحي : إذا أردت السيطرة على الناس ، أخبرهم أنهم معرضون للخطر وأمنهم تحت التهديد ثم شكك في وطنية معارضيك ”

هكذا تتم صناعة الفتن بإخافة الناس وتهديدهم بأمنهم ومعاشهم وإسكاتهم بالقوة مهما كانت مطالبهم عادلة وإذا كان بشار الاسد قد سارع الى إخافة شعبه وتهديده بالفتنة الطائفية فهذه علامة إنهيار داخلي لا علامة قوة لاننا كنا نظن إنه لن يلعب هذه ” الورقة الطائفية الخسيسة ” إلا في مرحلة متقدمة من الصراع فإذا به يخرجها من الجولة الأولى وهذه النقلة المتسرعة إما أن يكون خلفها غباء كبير ونقص في الرؤية أو تكون نصيحة من خبراء أستراتيجيين تقليديين من الفئة التي لا تفهم غير لغة العنف و تعتقد إن على النظام أن يجرب سلاحه الثقيل منذ بداية المعركة فإن لم يحصل على نتيجة يعطي نفسه الوقت لتراجع تكتيكي يعيد فيه حساباته أمام قوة خصومه .

ومع التأكيد على أنه لاخوف على سورية من فتنة طائفية وإن الوعي السياسي والمدني فيها كفيل بإفشال أي توجه طائفي على الصعيد الشعبي لابد من الإعتراف إن هذه الورقة التي رمى بها بشار الأسد باكرا تخيف كثيرين من الذين يعرفون إن هذا النظام أتى منذ البداية بأجندة طائفية مستترة وأستمر يحكم بفعل تهديده الضمني بها وبهذا المعنى التاريخي فالتهديد بها ليس جديدا إنما الجديد عند بشار وطاقمه الحديث عنها علنا ولعل الذين عاشوا أحداث الثمانينات الدموية أيام والده يذكرون أن حافظ الأسد خاض عمليا حربا طائفية لكنه لم يجعلها أبدا جزءا معلنا من خطابه السياسي وهنا الفرق بين الجيل المؤسس لإمارات الغلبة كما هي في المفهوم الخلدوني أيام ملوك الطوائف وذاك الجيل أذكى وأقوى وبين الجيل الوارث الذي يضيع على أيامه الملك ويتفكك البنيان التقليدي لمؤسسة الحكم كما أرساها المؤسسون .

لقد برهن بشار الأسد في ” الخطاب – المهزلة ” على أنه لا يمتلك الإرادة السياسية للإصلاح والتغيير ، وكان في اليوم الذي سبقه للتظاهرة المؤيدة قد أثبت أنه لا يمتلك حساسية من أي نوع ولا يكترث لمشاعر الشعب ، فمظاهرات التأييد في أيام تشييع قتلاه كانت إنتصارا خاوي من المعنى كخطابه ولا شئ يمكن تشبيهها به غير الرقص السادي فوق جثث الشهداء فهذا الرئيس الذي أمر بإطلاق الرصاص الحي ثم أنكر مسؤليته وألقاها على أشباح مجهولين يقول لأهل الشهداء الذين سماهم “ضحايا ” مكذبا مستشارته ونائبه مرة أخرى حول أعتبارهم شهداء ، يقول لأهل شهداء درعا وحمص واللاذقية والصنمين : كل هؤلاء الذين خرجوا يؤيدونني في قتل أبنائكم .

ومن سوء حظه الرئيس السوري فإن مظاهرة تأييده خرجت في يوم أمر فيه جاره الملك الأردني بمنع مظاهرات التأييد لمعرفته بأنها مضحكة وإن أي دولة تستطيع اخراج طلابها وعمالها وموظفيها في اوقات الدوام الرسمي ليهتفوا تحت أي شعار ، ولأي رجل ، فمظاهرات التأييد لوكانت تنفع في هكذا ظروف لنفعت حسني مبارك ، أو زين العابدين بن علي ، أو علي صالح ، أو القذافي ، والقائمة العربية طويلة وستطول أكثر .

إن أول من يستحق المثول أمام المحاكم بتهمة إثارة النعرات والفتن الطائفية هو الرئيس السوري نفسه الذي حول الطائفية من الباطنية الى العلنية ومن أسلوب مستتر مارسه والده مغلفا بشعارات قومية ألى خطاب رسمي معلن للدولة السورية تتبناه أعلى المؤسسات في هرميتها وهي مؤسسة الرئاسة التي يمثلها، ومعه يستحق المساءلة الأخلاقية والسياسية كل أؤلئك المصفقين لذلك الخطاب في مجلس ظنناه للشعب الذي يفترض أنهم يمثلونه فإذا بهم بدل تمثيل آلام شعبهم وتجسيد تطلعاته نحو الكرامة والحرية يتراقصون نفاقا إلى درجة أخجلتنا بين الأمم ، فالشعب السوري العريق بحضارته وثقافته يستحق ممثلين لا يتصرفون كالمهرجين ويستحق رئيسا إصلاحيا شجاعا منتخبا من الشعب في أنتخابات حرة نزيهة لا وارثا أتى صدفة ويرحل قريبا تحت ضغط سلمي من شعب نبيل تحمل ما لا يطاق حتى لا ينحدر إلى المستنقع الطائفي الذي حوله ” الخطاب – المهزلة ” في هذه المرحلة إلى عنوان رئيسي للسياسة الرسمية السورية .

 

الخميس 31 مارس 2011

د . محيي الدين اللاذقاني

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى