صفحات العالم

الولايات المتحدة والإصغاء لتركيا

 

إيجامان بيزجي وجيفري ليفين

وسط فوضى تضرب اطنابها في سوريا، واحتجاجات في مصر، ومفاوضات متعثرة بين إسرائيل والفلسطينيين، يواجه وزير الخارجية الأمريكي الجديد، جون كيري، جدول أعمال طويل ذا صلة بمنطقة الشرق الأوسط. وبوسع الوزير كيري هذه الاسبوع إضافة فقرة أخرى إلى جدول أعماله إصلاح علاقات أمريكا التي تشهد توترا متزايدا مع تركيا. فبعد أيام معدودة من التفجير الانتحاري الذي استهدف مبنى السفارة الأمريكية في أنقرة، ألقى السفير الأمريكي في تركيا، فرانسيس ريتشارديوني كلمة سلط فيها الضوء على العديد من أوجه القصور في النظام القضائي التركي، ولا سيما ما يتعلق منها باستخدامات مصطلح الارهاب .

وقال السفير لديكم أعضاء في البرلمان يقبعون وراء قضبان السجون لمدة طويلة، بدون توجيه أية تهمة إليهم، في بعض الأحيان. ولديكم قادة عسكريون… خلف القضبان وكأنهم إرهابيون.. وأساتذة جامعات.. بل حتى الرئيس السابق لمجلس التعليم الأعلى . أضاف السفير لديكم طلبة وراء القضبان قاموا باحتجاجات ذات طابع سلمي ضد زيادة أجور الدراسة. عندما يقدم النظام القضائي مثل هذه النتائج ويخلط بين مثل هؤلاء الناس ويعتبرهم إرهابيين، فإن ذلك يجعل من الصعوبة بمكان على المحاكم الأمريكية والأوربية أن تتكيف مع هذا النظام القضائي .

لقد أحدثت هذه التصريحات دويا كبيرا في تركيا بين الأوساط الإعلامية والحكومية التي تهتم كثيرا بمسألة صورة تركيا. وقد رد الناطق الرسمي باسم الحكومة التركية، حسين شيليك، بطريقة قاسية على كلمة السفير ريتشارديوني خلال مؤتمر صحفي، واستدعي على إثرها السفير الأمريكي إلى وزارة الخارجية التركية حيث طولب بتقديم تفسير لكلامه.

وفي تطور فاجأ المسؤولين الأتراك، أعربت الناطقة بلسان وزارة الخارجية الأمريكية عن دعمها للسفير ريتشارديوني في وجه الانتقادات التركية. ومع الهجوم الانتحاري الأخير، فإن هذين التطورين يشيران إلى أن الرئيس باراك أوباما ووزير الخارجية جون كيري يواجهان الآن علاقة مع تركيا أكثر تعقيدا من أي وقت مضى. ويتعين على الوزير كيري أن يتذكر أنه لدى التعامل مع تركيا، هناك مسألتان على درجة كبيرة من الأهمية، تتعلق الأولى بالجانب الجيوسياسي، أما الثانية فتخص السياسات الداخلية.

في البداية، يتعين على كيري أن يفهم أن غياب الاستقرار في المنطقة يعني بأن تركيا ترغب بأن تطمئن على ضمان دعم سياساتها في منطقة الشرق الأوسط. إن هذا النوع من الطمأنة لا يمكن أن يأتي إلاّ من قوة عالمية عظمى، وإذا ما لم تقدم واشنطن مثل هذا الدعم، فقد يتطلع رجب طيب أردوغان إلى وجهة أخرى، وإلى الصين تحديدا.

ويزداد صناع السياسة الأتراك قلقا، يوما بعد آخر، بشأن الاضطرابات لدى جارتهم الجنوبية، سوريا. فمنذ بدء الاحتجاجات الأهلية في سوريا سنة 2011، قدمت تركيا دعما كبيرا لقوى المعارضة التي يتزعمها جيش سوريا الحر، ومنحت اللجوء لنحو 250 ألف لاجئ سوري. كما واجهت تركيا، هي الأخرى، أحداث عنف حيث سقطت على أراضيها قنابل هاون طائشة، وتم تفجير سيارات مفخخة تسببت بخسارة أرواح أكثر من عشرة مواطنين أتراك، وكانت كلاهما ناتجة عن تداعيات غير مقصودة للازمة في سوريا.

وتمثل هذه التطورات، من جهة أخرى، عبئا دبلوماسيا على كاهل أنقرة، حيث يساهم رد الفعل الحكومي حيال الأزمة في سوريا في تعكير علاقاتها مع القوى الاقليمية الأخرى، كإيران وروسيا.

وتجدر الاشارة أيضا بأن المسألة الكردية المستمرة والتي ما برحت تبحث عن حل تجعل أنقرة تبدو في موقف ضعيف حيال تغيرات سريعة تشهدها بيئة الأمن في منطقة الشرق الأوسط. وتساهم هذه التطورات في خلق أجواء شك متزايدة، وعليه فإن انقرة ترغب في الحصول على مزيد من الدعم من الدول الكبرى كالولايات المتحدة.

وفي سياق سعيها لطمأنة الحلفاء الغربيين، وافقت أنقرة على مقترح يقضي ببناء قاعدة لدرع صاروخي تابعة لحلف شمال الاطلسي ناتو في مالاطية، الواقعة في الاقليم الجنوبي الشرقي من تركيا. بيدّ أن، الخلاف المتواصل بين إسرائيل وتركيا، وتزايد عزلة أنقرة في المنطقة، وغياب الدعم الكافي من جانب واشنطن لسياسة انقرة في منطقة الشرق الأوسط، دفع بتركيا إلى البحث عن شركاء لتحقيق مساعيها في ميدان السياسة الخارجية.

وقد أثار أردوغان إمكانية الاتجاه بسياسته الخارجية صوب الشرق، أي باتجاه عضوية محتملة في منظمة شنغهاي للتعاون. إن جميع حالات الاحباط هذه قد تكون وراء سعي تركيا للعثور على وجهة جديدة، أو على الأقل قد تجعلها تعيد النظر في تحالفات البلاد التقليدية.

على صعيد متصل، يأتي مصدر القلق الآخر الذي يشعر به الوزير كيري بشأن تركيا من داخل تركيا نفسها. لقد تسببت التطورات الأخيرة بارتفاع في حدة المشاعر المعادية للولايات المتحدة. ولم يعد سرا بأن الرأي العام في تركيا يميل إلى النظر نحو التطورات الدولية من خلال زاوية نظريات المؤامرة. وهو الأمر الذي يعد أحد تركات الحرب الباردة، والذي يمثل في الوقت نفسه عادة سيئة، لكنه مشكلة قائمة، إذ يصب الكثير من الأتراك اليوم اللوم على الولايات المتحدة لتسببها بحدوث مشاكل في المنطقة حتى في الحالات التي لا علاقة لها بالنفوذ الأمريكي.

انطلاقا من هذا الواقع، ترى أوساط تركية عديدة بأن الاضطرابات في سوريا ناتجة عن السياسات الأمريكية في المنطقة. وهكذا، كان على حزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء اردوغان شخصيا أن يتكيفا مع المشاعر المعادية لأمريكا من خلال سلسلة من الانتخابات المحلية والرئاسية والبرلمانية بدءا من سنة 2014. وفي هذه الأثناء، فمن غير المرجح أن تبدر إشارات موالية للغرب من جانب أنقرة، على الصعيد الخطابي على أقل تقدير.

أخيرا، تردد خلال الدورة الرئاسية الأولى للرئيس أوباما أن العلاقات التركية ــ الأمريكية كانت في صدد الدخول في عهدها الذهبي. ومع كل هذه الأوضاع غير المستقرة في المنطقة، فان التقريع الذي وجهه السفير ريتشارديوني كان آخر ما يتمنى الأتراك سماعه من دولة تعد نفسها حليفة. في هذا السياق، تهدد السياسات الداخلية والدولية في تقويض شراكة أمنية لدى كلا البلدين. وفي ضوء البيئة السياسية الداخلية التي تعيشها تركيا فان ادامة هذه العلاقات لن يكون أمرا هينا. استنادا إلى ما تقدم، وعوضا عن النأي بنفسيهما جانبا، ينبغي على الوزير كيري والرئيس اوباما شخصيا أن يبذلا جهودا أكبر لضمان الحفاظ على سلامة هذه العلاقات التاريخية الهامة.

صحيفة آسيا تايمس

إيجامان بيزجي، استاذ العلاقات الدولية في جامعة ساكاريا التركية، وجيفري ليفين استاذ العلوم السياسية في جامعة جون هوبكنز الامريكية

ترجمة سناء عبد الله

الزمان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى