صفحات الثقافة

بحثًا عن المؤلف البولاقي لألف ليلة

 

 

-1-

حكاية المطبعة/ هشام أصلان

إن خديوي مصر الحالي محمد علي، فخر الدين والدولة وصاحب المنح العظيمة قد زادت مآثره الجليلة التي لا تعد بإنشاء دار الطباعة العامرة وظهرت للجميع بشكلها البهيج البديع وقد قال الشاعر سعيد إن دار الطباعة هي مصدر الفن الصحيح

عند مدخل الكوبري القديم، توقف سائق التاكسي رافضًا الدخول خوفًا من وحشة ممره المعدني في ذلك الوقت المتأخر من الليل. نعم، هو أقرب للممر منه إلى الكوبري. لذلك أقول: مدخل، وليس مَطلعا. هو جسر يعبر نهر النيل، ليربط بين حيي “روض الفرج” و”رملة بولاق” في مدينة القاهرة، وبين حي إمبابة في مدينة الجيزة. يقولون أيضًا، إنه الرابط الوحيد، في ذلك الوقت، بين محافظات الوجه البحري وبين محافظات الوجه القبلي (صعيد مصر)، عبر قضبان السكك الحديدية المارة في منتصفه. والكوبري له سقف معدني، فوقه دور ثان للمشاة، ومُحلّى بأنصاف دوائر كبيرة، يراها الناظر من بعيد على أهلّة مرصوصة.

لسبب ما، لم يُسمَ كوبري روض الفرج، ولا كوبري بولاق. كان، ولا يزال، اسمه “كوبري إمبابة”. عندما جاءت مراهقتنا، كانت الحكومة شيدت جسرًا حديثًا موازيًا له، يؤدي نفس الغرض تقريبًا بإمكانيات أكبر عبر تفريعات تذهب بك، من إمبابة إلى أكثر من منطقة محيطة بروض الفرج، وأطلقت عليه اسم “كوبري ساحل روض الفرج”، إلا أن أبناء إمبابة لم يطلقوا عليه أبدًا سوى: “الكوبري الجديد”.

المطابع الأميرية

عندما تعبر الكوبري القديم ذاهبًا إلى إمبابة، ستكون، خرجت إجباريًا إلى شارع واسع، جداره الحائط الخلفي للمبنى التاريخي الكبير “الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية”. بينما يحتل هذا الجدار عددًا من ورش تصليح السيارات. كان عمي محسن موظفًا في الهيئة. وعبره تعلم عدد من أبناء أعمامي في مدرستها للطباعة.

لم يأت في ذهني أبدًا، أن “الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية المصرية”، بما لها من علاقة مع العائلة، وبما لمبناها الكبير من شيء في الوجدان حيث تربيت على مشارفه، هي نفسها ما آلت إليه “مطبعة بولاق” التاريخية الشهيرة. لا أعرف لماذا تصورت دائمًا، أن الثانية كانت مجرد مطبعة صغيرة أقيمت في حي بولاق، وردمها التاريخ، وأن شهرتها جاءت، فقط، من كونها كانت أول مطبعة مصرية حديثة، أو ربما بسبب انتشار أشهر مطبوعاتها الذي يحمل اسمها حتى الآن: “ألف ليلة وليلة ـ طبعة بولاق”.

شُيدت المطبعة، وفق مادة مكتبة الإسكندرية، في أول الأمر، في جزء من مساحة الترسانة البحرية، في المنطقة الممتدة على شاطئ النهر. وأبناء إمبابة يعرفون، أيضًا، الترسانة البحرية. شيء من اثنين إذن. لم تقع المطبعة القديمة ذات يوم في حي بولاق الذي سُميت باسمه. أو أن المنطقة التي شيدت عليها في امتداد إمبابة، كانت قديمًا تابعة لحي بولاق.

بعد سنوات، من الذهاب والمجيء اليومي من أمام مبنى المطبعة، سنترك الحي، وستقل الزيارات إلى هناك. وفي تلك الزيارات القليلة، سيبدو المبنى الكبير للمطبعة الأميرية أحد العلامات الكبيرة، التي تستطيع أن تراها من عدة نواحي على كورنيش النيل، ومن فوق عدة جسور قريبة منه أو بعيدة، من تلك التي تعبر النهر. سيتساءل الناظر إلى المبنى، كيف لم يلفت نظره الكيان المعماري المهيب قبل أن يترك الحي. كما سيتساءل عن أي مبرر منطقي، حال دون المبنى وأشكال القبح والتلوث التي أصابت المنطقة الكبيرة المحيطة به.

المرويات التاريخية حول نشأة “مطبعة بولاق” عديدة، وفق مادة بحثية كبيرة، توفرها مكتبة الإسكندرية، عبر موقعها لـ”ذاكرة مصر المعاصرة”، وعبر كتاب كبير بعنوان “مطبعة بولاق”، أعده خالد عزب وأحمد منصور. ظهور الطباعة، بمعناها الحديث، يرجع إلى عهد الحملة الفرنسية “1798 ـ 1801”. عندما زوّد نابليون بونابرت حملته بمطبعة طلب من معاونيه أن يدخلوا عليها الحروف العربية.

يقول جورجي زيدان، وفق الكتاب، إن محمد علي، في مشروعه لإعادة هيكلة الدولة بعد الفوضى التي خلفت حملة بونابرت، كان سمع عن مطبعة الحملة الفرنسية ورأى بعض آثارها، “فجدد تلك الآثار وأحياها في اسمها الجديد: مطبعة بولاق”. بينما يقول آخرون، إن محمد علي وجد حاجة ماسّة إلى وجود مطبعة تخدم المدارس المتعددة التي أنشأها، ومن هنا ظهرت المطبعة الشهيرة.

في تصوري، إن الرأي الأقرب إلى تطور الأحداث بعد ذلك، هو ما قاله باحث يدعى “جيز”، ذكره الكتاب ولم يُعرّفه للأسف، ربما هو أحد المستشرقين. قال إن محمد علي كان متأثرًا بالتقدم في أوروبا، فرأى أن التقدم في مصر لن يأتي إلا عن طريق فن الطباعة، “الشعلة التي نشرت أضواء العلم والمعارف في أوروبا”. يرى هذا الباحث، أن محمد علي كانت لديه رغبة في طباعة الكتب الشرقية القديمة التي عبث بها الزمن، وكاد يدمر ما بقى بينها من مخطوطات.

ونحن، إذا نظرنا إلى أشهر العناوين التي جاءت مختومة بختم المطبعة في ذلك الوقت، سنجد أنها، فعلًا، تنتمي لتوصيف هذا الرأي، “الكتب الشرقية القديمة”، وعلى رأسها طبعًا، “ألف ليلة وليلة ـ طبعة بولاق”. غير أن الأمر الذي ربما سيسبب لك شديد الدهشة، أن الموسوعة التي قدمتها مكتبة الإسكندرية بعنوان “مطبعة بولاق”، وفي الباب الخاص بأشهر ما أصدرته، لم تأت بشيء عن كتاب الليالي.

من تلك الكتب: “كليلة ودمنة”، الطبعة العربية، بقلم عبد الله بن المقفع، 1836. “محاسن الآثار وحقائق الأخبار”، تاريخ الإمبراطورية العثمانية من 1189 إلى 1775، تأليف واصف أفندي. “تاريخ قدماء الفلاسفة”، ترجمه عن الفرنسية بيومي رفاعة أفندي. “صباغة الحرير”، ترجمه عن الفرنسية الراهب روفائيل. “تلخيص الأشكال”، تأليف حسين رفقي الطماني، “كتاب الأغاني” لأبي فرج الأصفهاني. فضلا عن جريدة الوقائع المصرية، الجريدة الرسمية للدولة المصرية، والتي تفاجأت بأنها تصدر حتى اليوم، حيث تُنشر فيها القرارات الرسمية للدولة.

أيضًا، من أهم إصدارات المطبعة في تلك الأيام، كان “القرآن الكريم”، الذي ظل طبعه مُحرمًا، إلى وقت متأخر في فترة حكم محمد علي، بناء على مبررات تتعلق بتعارض مواد الطباعة مع الطهارة، وعدم جواز ضغط الآيات القرآنية بالآلات الحديدية، وخوفاً من احتمال وقوع أخطاء، تتسبب في تحريف الآيات، حتى قرر محمد علي إرسال مخطوط القرآن إلى مطبعة بولاق، وخُصص له جزء من المطبعة، وعرف هذا الجزء باسم “مطبعة المصحف الشريف”.

لا تزال طباعة بعض المطبوعات، إذن، تصدر من المطبعة حتى الآن! مثل “الوقائع المصرية”، إضافة إلى التقاويم السنوية: “الأجندات والنتائج التي للأشهر والأيام والأسابيع، وتواريخ المناسبات والعطلات الرسمية، والتي تطبع منها كميات هائلة مع بداية كل عام”.

الأزهر والمطبعة

يحكي الكتاب، أن محرري المطبعة ومصححيها كانوا من طلبة الأزهر، الذين دُربوا لذلك تدريبًا استغرق ست سنوات، وأن فريق التحرير هذا كان رئيسه الشيخ نصر الهوريني، الذي كان من علماء اللغة والأدب وقتها، والذي أرسله محمد علي إمامًا لإحدى البعثات المصرية إلى فرنسا، فأقام هناك فترة تعلم خلالها الفرنسية، وعندما عاد تولى رئاسة تصحيح مطبعة بولاق، فصحح الكثير من كتب العلم والتاريخ واللغة، منها “المطالع النصرية للمطابع المصرية”، و “في أصول الكتابة”.

وربما هناك خيط ما، بين هذه الحكاية، التي تؤكد علاقة شيوخ الأزهر بالمطبعة، وبين الحكايات التي ذكرت أن جامع كتاب “ألف ليلة وليلة ـ طبعة بولاق”، ومحرره، هو الشيخ قطة العدوي. وهي الطبعة التي أحدثت جدلًا مدويًا منذ سنوات قليلة، عندما طبعتها سلسلة “الذخائر”، التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة، برئاسة تحرير الروائي الراحل جمال الغيطاني. عندما تقدم محامون ببلاغ إلى النائب العام، يُتهم فيها القائمون على نشر الليالي مُصورة عن طبعة بولاق، بخدش الحياء العام.

الثابت، إذن، في عدد من الكتب والمراجع، أن الشيخ قطة العدوي، هو المحقق والمراجع لنص الليالي، الذي نعرفه بطبعة بولاق. المعروف أيضًا، أن هذا النص المُعتمد، خرج إلى العالم يحمل بعض الحكايات ذات النكهة المصرية.

هل هناك، حقًا مؤلف مصري مجهول لليالي المُدخلة على الطبعة القديمة؟ المستشرق الفرنسي جان كلود غارسين يؤكد هذا في كتابه “من أجل قراءة تاريخية لألف ليلة وليلة”،فهل هو قطة العدوي نفسه؟ أم “كاتب” مغمور كان يعمل في المطبعة أراد أن يجاري الحكايات البغدادية ويضيف اليها نكهة مصرية؟ أم أن المسألة حكايات أضافها عدد من الرواة في أوقات مختلفة؟

سنعود الى هذا في حلقة مقبلة، وكذا لمعرفة لماذا لم تُذكر الليالي ضمن أشهر إصدارات المطبعة في موسوعة مكتبة الإسكندرية.

ربما ببعض المشي، والنظر من فوق الكوبري القديم، يمكن أن نفهم، كيف استطاع مبنى المطبعة القابع باستقرار هناك، أن يظل منفردًا بواجهته أمام النهر، مسيطرًا على مؤثرات الزمن، بغض النظر عما يحدث في الشوارع الخلفية، التي يداريها بجسده الكبير.

-2-

رجل من الأزهر/ محمد الخضيري

بقدر ما يجهل اسم مؤلف نسخة بولاق، بالقدر الذي ترسم الكتابات التي عاودت زيارة طبعته الأجواء التي أنتجت فيها نسخة بولاق لألف ليلة وليلة. إنه قدر الكتاب، أن يكون له ألف وجه ووجه… وأن يعود “مؤلفوه” دوماً إلى السرّ.

في كتابه “العين والإبرة”، والذي أفرده لألف ليلة وليلة، يطرح عبد الفتاح كيليطو سؤالاً، يتردد منذ الأزل عن الليالي “من ذا الذي ابتكر الحكايات التي ترويها؟”. فهي في الآن ذاته قائمة منذ زمن يبدو موغلاً في القدم، وممتدة إلى الحاضر. حاضر كل قارئ يمد يده إلى شجرتها فيقطف الثمرة التي يشتهي، لكنه في الآن ذاته عاجز عن إكمالها وقد تصيبه اللعنة فيموت إن هو أتم “حكاياتها”، كما تحكي الأسطورة. يجيب كيليطو: “هذا السؤال لا فائدة منه وغير وجيه إذ يمليه فضول غريب عن كتاب الليالي الذي لا يهتم سوى بعملية الرواية”.

سؤال فضولي، يجد لذته القصوى في تقصي آثار المؤلِّف الحديث للقصة الأشهر في اللغة العربية. كل الحكايات حوله تتوقف عند وصفه بـ”الشيخ القاهري”، الذي دوَّن القصص دون أن يعلن عن ذاته. قد يبدو هذا، في لحظة أولى، تفانياً من “الكاتب”، الذي حرَّر طبعة بولاق، لكن الدراسات، خاصة لمستشرقين استقرأوا تاريخ الكتاب، تستعيد تفاصيل من عملية التأليف في حد ذاتها، للكتاب الذي بين أيدينا، ويشكل أول طبعة لألف ليلة وليلة في التراب العربي.

ضحية الطهرانية؟

طبعة بولاق، لألف ليلة وليلة، أدخلت الحكايات الأشهر لدى العرب إلى التاريخ الحديث. فرغم وجود مخطوطات متفرقة يتحدث عنها أكثر من مؤرخ، لم يكن هناك كتاب مطبوع يضمها. ويبدو أن حركة النشر المزدهرة في مصر في بدايات القرن التاسع عشر عجلت بنشر كتاب من هذه القيمة في المخيال الشعبي. كلف “الشيخ القاهري” إذا بتأليف الكتاب. لكنه لم يكشف عن هويته. بالنسبة إلى جون كلود غارسان، في كتابه “من أجل قراءة تاريخية لألف ليلة وليلة” وهي دراسة نقدية تاريخية لطبعة بولاق. كانت حكايات ألف ليلة وليلة أدباً، يعتبر أقل مكانة من التاريخ والفلسفة والجغرافيا والتاريخ… ولهذا أراد الشيخ القاهري إخفاء هويته لهذا السبب، يقول الباحث. في تلك المرحلة، يضيف غارسان، كان من العادي لدى الكتَّاب ألا يشهروا أسماءهم حينما يألفون كتباً “شعبية”، لا ترقى إلى الآداب والعلوم “الراقية” الخاصة بالنخبة.   لكن غارسان يوضح أيضاً أن هوية الكاتب لربما كانت معلومة بين أوساط أقرانه من “المثقفين” في تلك المرحلة، لأن أسماء المؤلفين كانت متداولة في أوساط المتعلمين. نظرية غارسان تملك صدقية أكبر إن علمنا أن “شيخ بولاق” التزم بالثقافة السائدة في المرحلة بل ألبس حكايات ألف ليلة وليلة لباساً جديداً، يحذف القصص الجنسية والمنتقدة للحكام. فاختار الحكايات “الجيدة” وفق الذائقة العامة، التي صارت تطغى عليها رياح “الطهرانية” التي ابتدأت تستب في الشرق.

وحسب غارسان المستعرب والمؤرخ، والأستاذ السابق في جامعة إيكس أون بروفانس- مارسيليا، الفرنسية، والذي أبحر لعقود في النصوص العربية، تطرح نسخة بولاق العديد من التساؤلات. تساؤلات انطلقت من خلال قراءاته لترجماتها المختلفة. لم يكن من الممكن تصديق التأريخ الذي اقترحه المترجمون للأحداث ولا لنصوص الكتاب. وهو ما دفعه إلى محاولة تأريخ النصوص، من خلال دراسة المعطيات التاريخية التي تقدمها من أجل مقابلتها مع مصادر تاريخية كالمراسلات وكتب التاريخ والجغرافيا إلخ… التي تمكن من الاطلاع على علاقة النص العضوية بالتاريخ وبالتالي تمكّن من الكشف عن سياقاته.

فالنصوص التاريخية، كما يقول غارسان في واحد من حواراته، قد تكشف أن السلطة كانت ممثلة بجهاز ونمط حكم معين، بما أن الفضاءات الجغرافية والمساكن، المذكورة في الكتاب، تظهر لنا هل موافقة للعمران في فترة معينة إلخ. يخلص الكاتب إلى النص، لا يعود إلى الإرث القديم لتراث ألف ليلة وليلة، لكن لنسخ أكثر “حداثة” من نص الليالي.

وهو ما يأتي أيضاً من خلال المعجم المستعمل في رواية حكايات الليالي الألف أيضاً. يقول غارسان، إن المعجم مختلف عما يمكن أن تقدمه النصوص التراثية. انطلاقاً من المعطيات التي استقاها الكاتب يرى أن “الشيخ القاهري”، قدَّم سياقاً تاريخياً معيناً، وبالتالي يمكن القول إن النص الذي قدمه هو نص عرف شكله الأخير في فترة معينة حديثة من التاريخ، ولم يكتب انطلاقاً من النصوص التراثية.

فرانسوا بويون، الباحث الأنثربولوجي، يشير من جانبه في كتابه “ما بعد الاستشراق، الشرق الذي خلقه الشرق”، إلى أن ولادة نسخة بولاق، ما هي إلا صنيعة لكل هذه التحولات السياسية والاجتماعية التي فرضت الانتقال التدريجي من نسخة متحرّرة وشجاعة إلى نسخة “محافظة”. فيقول إن مقدمة الكتاب مقارنة بنسخ أخرى، تدل على هذا “الاختزال الذي طاول الكتاب”. ولربما هذا التشذيب كان أيضاً لانتماء “مؤلف بولاق” إلى المؤسسة الدينية، وعدم قدرته على كسر كل القواعد المتعارف عليها، ما دفعه إلى “تأليف” الكتاب انطلاق من القواعد المرجعية لعصره التي فرضت ذوقاً عاماً محافظاً. بيون يحيل، لإظهار هذا الملمح في الكتاب، إلى مترجم آخر لـ”ألف ليلة وليلة”. يخص الأمر أندري خوام، ذا الأصول السورية الذي ترجم ألف ليلة وليلة إلى الفرنسية في القرن العشرين. خوام، كال الكثير من الانتقادات إلى نسخة الشيخ القاهري. فلا يتردد في الحسم بأن مؤلف نسخة بولاق “كان مراقباً عن قرب من طرف الأزهر، ما جعله يفضل الاعتماد على مراجع حديثة (من القرن الثامن عشر)، المشذبة أصلاً (…) ففي هذه الحقبة، هبت رياح من التقشف الطهراني في العالم الإسلامي: ظاهرة لم يمنحها المؤرخون أحياناً ما يكفي من الاهتمام. وهو ما نحسّه بفظاعة في نسخة بولاق، التي تخفي عن القارئ التقيّ صورة الخليفة الذي يتنكر في زي العامة، ويهدد بالضرب، وحيث لا تسكر الشخصيات بالنبيذ بل تكتفي بشرب عصير الفاكهة…” يقول خوام.

يبدو من خلال الإشارات النادرة، هنا وهناك، أن الشيخ الذي كان في الخمسينيات من عمره كما يرجح غارسان، كان يخضع لسطوة المرحلة، وهو ما قد يحيل إلى أن هويته لم تكن مجهولة تماما إبانها. كان النص محافظاً، خوفاً من ردة فعل المؤسسات الدينية والسلطة، وربما للحفاظ على سمعة الشيخ، المهووس بهذا التراث الذي يعتمد في جزء منه على الطابع الشفاهي للحكايات، لكنه يصقلها في نسخة مكتوبة صارت مرجعية. فطبعة بولاق، كانت المادة الأساسية التي اعتمدها المترجمون من المستشرقين. وفي السياق الفرنسي، تظل ترجمات أنطوان غالون وماردريس (الترجمة الأكثر شهرة لنسخة بولاق) ترجمات مرجعية.

“خونة” طبعة بولاق

لم تكن نسخة الشيخ الأزهري الأكثر وفاء للحكايات القديمة لليالي الألف، لكنها كانت النسخة المطبوعة الأولى في الشرق، ففتحت الكثير من الأبواب، أمام الجمهور الغربي والمستشرقين النهمين إلى الثقافة العربية. جوزيف شارل ماردريس، الفرنسي، من أصول مصرية أرمنية، كان أول من أولى عناية خاصة بنص بولاق. ماردريس الذي كان يصف نفسه بــ”المسلم ولادة والباريسي بالصدفة”، والخبير بالإصدارات المصرية النشيطة حينها وبالثقافة العربية التقليدية رأى في النسخة الحديثة مادة دسمة تصلح للترجمة. فانبرى إلى نقلها للغة موليير. ترجمة جاءت لتكسر ضيق الأفق، والانتحال الذي شاب أشهر ترجمة إلى حينها، وهي ترجمة أنطوان غالون، الذي ادعى أنه يملك نسخة مجهولة من ألف ليلة وليلة في حوزته.

لم يكن غالون وحده من يدعي امتلاك نسخة فريدة من النص. فماردريس الذي تعرَّض لانتقادات عند صدور ترجمته إلى الفرنسية، حاول الدفاع عن نفسه، وعن نسخته بالحديث عن امتلاكه نسخة “محفوظة” من الليالي يقول إنه اعتمدها، هو والشيخ القاهري، في إعادة كتابة الليالي! تنقل دومينيك جوليان، في كتابها “عشاق شهرزاد، تنويعات معاصرة على ألف ليلة وليلة” دفاع ماردريس عن نفسه، وعن نسخته الخاصة. يقول: “لقد اعتمدت خاصة على نسخة عربية تعود إلى نهاية القرن 17. هذا المخطوط هو الأكثر اكتمالاً والذي حفظ بشكل جيد، وهو الذي يعتقد المستشرقون أنه اختفى، لكن لحسن حظي وسعادتي أمتلكه شخصياً. إن هذا المخطوط هو الذي أُنجِزَت من خلاله نسخة بولاق التي انتشرت في كل المشرق”. لا شيء يثبت أو ينفي ادعاءات المترجم، لكن دفاعه، يوحي باعتماده الكبير على نسخة بولاق في إنجاز ترجمته التي انتشرت سريعاً في أوروبا.

إكزوتيكية شرقية

هكذا، وبتشجيع من الشاعر ستيفان مالارمي، جعل ماردريس من نص بولاق العمود الفقري لترجمته وكساها بنصوص من ترجمات إنكليزية ونصوص آسيوية. لكن نسخته لم تخل هي أيضاً من التهويمات والانزياحات بالنص إلى عوالم أخرى، وهو ما يشير إليه فرانسوا بويون، في كتاب آخر هو “معجم المستشرقين”: “المقارنة بين النص، مع الكتاب الأصلي العربي تظهر أن “ألف ليلة وليلة” تتعرض لتحول ملحوظ كما هو الحال مع “الخائنة الجميلة” لغالون. لا يقتصر المترجم على طبعة الليالي، لكنه ينهل من نصوص أخرى خاصة المجموعات القصصية الفرنسية عن الحكايات العربية (آرتان باشا، سبينا بيي) والهندوستانية (غارسان وتاسي). تمت معالجة النصوص الأصلية لإنتاج ألوان براقة إكزوتيكية وإيروسية”. يوحي المستعرب والباحث أن هذا التوجه كان لإثارة فضول ونهم القارئ الباريسي في بدايات القرن العشرين، ونقل صورة الشرق الحسي، التي التصقت بالمنطقة وفق بناء استشراقي معين. لكن هذه النسخة التي تضمنت جلّ نصوص بولاق، دفعتها إلى حياة أخرى. إذ ترجمت نسخة ماردريس إلى لغات أخرى منها الإنكليزية والإسبانية والبولونية في بدايات القرن العشرين. لكنها منحت حياة أخرى لنسخة بولاق إذ كانت الأكثر مقروئية في أوروبا، حسب ما يورده بويون.

هذا المصير يجعل من نسخة بولاق سيفاً ذا حدين. فقد اقتطعت من ألف ليلة جزءاً من معناها، وهي تسلبها روح التمرد والحرية المطلقة لشخصياتها، التي تكسر كل القواعد الأخلاقية والاجتماعية. لكنها في الآن ذاته، كانت نصاً مهما فتح أمام الليالي حياة جديدة. وكأنها المتاهة ذاتها تفتح معبراً جديداً للنص، فتدخله أبواب الأبدية، وتمنحه وجوداً جديداً يذيب وجه المؤلف، ويُبقي وجه الحكاية.

-3-

أهو الشيخ الشرقاوي؟/ هشام أصلان

خرجت الحملة الفرنسية من مصر في 1801، وأخذت معها المطبعة التي أنشأها نابوليون. في ذلك الوقت، كانت القاهرة، التي رسمها علماء الحملة في “وصف مصر”، مكونة من ثلاث مدن تكاد تكون منفصلة عن بعضها بعضاً بمساحات من الزراعة والتلال: بولاق، القاهرة، ومصر القديمة. كانت بولاق هي الأقرب للنهر. وكان مسيو لوبير، كبير مهندسي الطرق في عهد الحملة، مهّد طريق “أبو العلا”، وغُرست الأشجار على جانبيه، ليصل بين بولاق والأزبكية. بعد انتهاء المرحلة الملكية، وبداية الجمهورية مع ثورة يوليو، سيتحول اسم الطريق إلى “26 يوليو”.

بانسحاب الفرنسيين، وعودة القاهرة إلى الحكم العثماني، كانت المدينة مُخرّبة تقوم على أنقاض. ويحكي المؤرخ، الدكتور عبدالرحمن زكي، في كتاب قديم، نادر النُّسخ، بعنوان “القاهرة من جوهر القائد إلى الجبرتي المؤرخ”، إنك “إذا رغبت في الوقوف على صورة للقاهرة في تلك الآونة، فلا ترى إلا أبنية مخربة وأسوارًا وأبوابًا مهدومة، وإذا قادتك قدماك إلى الحسينية، فلا تشاهد غير تلال وأطلال. تلمح الشقاء في كل مكان وميدان”.

كان ذلك قبل أن يستحوذ محمد علي على السلطة، ويبدأ بناء مصر الحديثة، بعد معارك ومؤامرات وخطط تحتاج صفحات أخرى، ليبني ضمن ما بنى: “مطبعة بولاق”. ويتضح مما قرأنا، أن كلمة “بولاق” لم تكن تُعبّر عن المنطقة التي يقع فيها الحي الشهير الآن، بل كانت “ثلث المدينة”. ليس مدهشًا، إذن، أن يكون مبنى المطبعة القديم، الذي حل محله مبنى الترسانة البحرية عند حدود منطقة إمبابة، منسوبًا إلى حي بولاق.

عودة إلى غارسين

ربما كان سيختلف الأمر كثيرًا، لو أن هناك ترجمة عربية لكتاب المستشرق الفرنسي، جان كلود غارسين: “من أجل قراءة تاريخية لألف ليلة وليلة”، الذي أثار الفضول بتأكيده وجود مؤلف مصري أضاف إلى الليالي في طبعتها الأكثر انتشارًا: “طبعة بولاق”. غير أن الاتكاء على بعض القراءات والعروض التي تعاملت مع الكتاب ربما تكون “قشّة” مُساعدة.

قرأت للدكتور أحمد يحيى العامر في موقع مجلة “المقتطف”، وهو باحث سوري كان قريبًا من المستشرق الفرنسي في فترة إعداده الكتاب، أن غارسين “وضع خبرة ثلاثين عامًا أمضاها في دراسة وتحليل النصوص العربية من أجل القيام بدراسة دقيقة لحكايات الكتاب وتحديد تاريخها، واعتمد في ذلك على الإشارات الموجودة في النص العربي، والتي تخص هياكل الحكم، السكن، اللباس، أشكال العبادة… إلخ. وكانت النتيجة المهمة التي توصل إليها بعد تجميع الإشارات النصية، وجود مرحلتين أو أكثر لكتابة نص القصة. هذه النتيجة تؤكد ما ذكره الرحالة الألماني سيتزن، الذي مر بمصر سنة 1809، أن أصل المخطوطات التي اعتمدت عليها طبعة بولاق عام 1935، هي نتاج عمل قام به رجل دين بعد سنة 1750. وعلى الأغلب بين سنة 1760 و 1770، ولم يذكر الرحالة اسم هذا الشيخ. ويصف غارسين طريقة عرض الكتاب قبل صدور نشرة بولاق عام 1835 بقوله: كان الكتاب على شكل مخطوطة ضخمة جداً تقع في أربعة أجزاء منقولة عن مخطوطة غير مؤرخة موجود بعض منها، وكان بعنوان (ألف ليلة وقصص قديمة). القصص في هذا الكتاب كثيرة، ومواضيعها تهتم بالبلاد العربية من فترة قبل الإسلام إلى القرن الثالث عشر، لكن هذه القصص في غالب الأحيان قصيرة، ولا تملأ أكثر من 12 بالمئة من النص المنشور في هذه الطبعة. ويجب الإشارة إلى أن العنوان “ألف ليلة وقصص قديمة” اختصر في ما بعد من الناشر عام 1835 إلى ألف ليلة وليلة”.

الشرقاوي، الشيخ المجهول

بصراحة، في أكثر لحظات الخيال شطحًا، لم أتصور إمكانية الوصول إلى روابط ربما تُكمل، حقًا، ما يقوله غارسين. نعم، هذا حدث، ولكن دعنا نتذكر: لا يقين في شيء. هذه محاولة للعثور على المؤلف القاهري، أو “البولاقي” لألف ليلة، ربما كل هذا يقع تحت مظلة الخيال، ولكنها، على الأقل، حكايات حُلوة، ومعومات مفيدة.

“تضم طبعة بولاق الأولى مجلدين نشرا عام  1835، وتمثل هذه الطبعة النسخة القياسية لمجموعة النصوص المصرية التي تعرف باسم نسخة “زوتنبرج المصرية المنقحة”، التي ترجع إلى مجموعة من المخطوطات يعود تاريخها للقرنين السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر. وتعتمد طبعة بولاق التي أعدها شخص يدعى الشرقاوي على مخطوطة تعود إلى القرن الثامن عشر لم تثبت صحتها. ومن المعروف أن عدة مخطوطات قد أنتجت في القاهرة أثناء هذه الفترة. ويذكر الرحالة الألماني، أولريش زيتسن، في يومياته شيخاً مجهولاً عكف على تحقيق مجموعة الليالي العربية عام 1770”.

كدت أصرخ، حرفيًا، وأنا أقرأ الفقرة السابقة، في “موسوعة الليالي العربية”. أعدت قراءتها مرات. لم أعرف كيف وقعت عيني عليها وسط آلاف الصفحات. “شخص يدعى الشرقاوي”، “شيخًا مجهولًا”.

1770 يعتبر عامًا بعيدًا نسبيًا عن تاريخ صدور طبعة بولاق في 1835، لكنه ليس عصرًا آخر. لا أعرف ماذا لو وضعنا في الاعتبار معايير العصر وصعوبة التحقيق، بل وتأليف ليالٍ جديدة. أيضًا، ليس بالضرورة، ببعض الخيال، أن يكون الشيخ المجهول، أو من يدعى الشرقاوي، قد حضر لحظة صدور الكتاب.

الحكاية أنه بشيء من الحظ والصداقة، خصّني المترجم المصري الكبير، السيد إمام، بنسخة من مخطوط “موسوعة الليالي العربية”، التي ترجمها وكان مفترضًا صدورها منذ فترة، لكنها، كالمعتاد، حبيسة انتظار الدور وإجراءات الروتين الحكومي، داخل أدراج المركز القومي للترجمة في القاهرة.

الموسوعة عبارة عن كتاب من مجلدين كبيرين، أو أكثر، حسب الطباعة. نقله إمام إلى العربية، محتويًا على كل ما يأتي في ذهنك تقريبًا عن “ألف ليلة وليلة”، أو كما قال عنها الغرب قديمًا: “الليالي العربية”. مادة مذهلة، وعدد مهول من الأبحاث والتحقيقات التي تتناول كل كبيرة وصغيرة في ما يخص كتاب الليالي وتاريخه وطبعاته المختلفة، والبلاد التي توقف عندها وأضافت إليه، والأدباء العالميين الذين نهلوا في رواياتهم من التقنيات السردية لليالي أو اشتبكوا معها.

أصل الليالي وفصلها

ما الذى تريد أن تعرفه عن ألف ليلة و ليلة أو “الليالى العربية” كما يطلق عليها الأوروبيون؟ يتساءل السيد إمام في مقدمة ترجمته: “أصلها وفصلها؟ هندية أم فارسية أم عربية؟ مخطوطاتها؟ تواريخ ظهورها؟ مؤلفها أومؤلفوها؟ نساخها أوجامعوها؟ أطوارها؟ حكاياتها الأصلية أو المنتحلة وما جرى عليها من تعديلات وتحويرات، وما تعرضت له من حذوفات وتهذيبات وإضافات على مر العصور والأجيال؟ ترجماتها؟ الأثر الذى خلفته على جمهور المستمعين أو القراء فى كل مكان وزمان، وعلى المبدعين من شعراء وروائيين ورسامين وموسيقيين وكتاب مسرح فى الشرق والغرب على حد سواء؟ بُناها وطرق تأليفها؟ موضوعاتها المتواترة وموتيفاتها المتكررة؟ سياقاتها التاريخية والثقافية والاجتماعية والنصية؟ تعالقها أو تفاعلها مع نصوص أخرى كثيرة لا حصر لها؟ مكانتها وسط المنتج الأدبى العالمى؟ لغتها وأساليب تأليفها؟”.

كل هذه الأسئلة وغيرها تجيب عنها “موسوعة الليالي العربية” التى ألفها وجمع مادتها اثنان من أبرز المتخصصين فى الدراسات العربية و تاريخ الحكي العربي على وجه الخصوص، وفق المترجم، هما أورليش مارزوف وريتشارد فان ليفن. يعمل الأول أستاذاً للدراسات الإسلامية بجامعة جورج أوجست بجوتنجن في ألمانيا وأحد الأعضاء البارزين بلجنة تحرير”موسوعة الخرافات”، بينما يعمل الثانى أستاذاً فى قسم الدراسات الدينية بجامعة أمستردام بهولندا، وتضم أعماله المنشورة الترجمة الهولندية لـ”الليالى العربية” بالإضافة إلى العديد من المقالات حول نفس العمل.

بائع يهودي

الموسوعة، فضلًا عن مئات المقالات المترجمة في مناقشة الليالي، تضم في أحد أجزائها عدداً كبيراً من الصفحات التي تُعرّف بأشهر المصطلحات الخاصة بالكتاب الأسطوري. بين هذه المصطلحات والكلمات، كانت: “القاهرة”. نعم، توقفت الموسوعة عند العاصمة المصرية، بوصفها محطة انتقالية كبيرة في تاريخ ذلك الكتاب المفتوح على الزمن. الصفحات تقول:

“رغم وجود الكثير من الخلافات حول تاريخ الليالي العربية، إلا أن هناك اتفاقاً عاماً على أن القاهرة لعبت دوراً هاماً في التاريخ النصي لمجموعة الليالي. وعلى الرغم من أن بغداد شهدت المرحلة الأولى من تجميع نص الليالي، من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر، فإن مرحلة ثانية بدأت في القاهرة، ربما، من القرن الرابع عشر وحتى القرن السادس عشر. لقد وُجدت إحدى الطبعات الموثقة لليالي في مصر في تاريخ مبكر يرجع إلى القرن التاسع، وأول دليل موثق حول العنوان الدقيق “ألف ليلة وليلة” ظهر في دفتر بائع كتب يهودي في القاهرة حوالى سنة 1150″.

وتنتمي الكثير من الحكايات التي أضيفت للمجموعة القاهرية، وفق موسوعة الليالي، إلى متن الأدب الشعبي المصري في العصر المملوكي. غير أنه، وفي مرحلة لاحقة، ستُجمع طبعات منقحة كاملة لتلبية مطالب الباحثين الأوروبيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

الأمر، أيضًا، لم يتوقف عند مجرد الإشارات التي تتفق بشكل كبير مع ما يؤكده كتاب المستشرق الفرنسي، جان كلود غارسين، بل هناك ما يشبة التأكيد على تلك الإضافات المصرية، في عصر لا يبتعد كثيرًا عن تاريخ صدور طبعة بولاق.

“الشطار” مصرية

“فضلاً عن التاريخ النصي لمجموعة الليالي، يمكن التعرف على الإسهام المصري، أيضاً، فى تلك الحكايات التي تُظهر خلفية مصرية ملحوظة. وهناك اتفاق عام بين الباحثين على أن الحكايات التي يمكن نسبتها إلى مصر تضم حكايات الشطار، مثل: دليلة المحتالة، وعلي الزيبق المصري، وحكايات الجريمة التي جُمعت في الدورات الحكائية: بيبرس وولاة الشرطة الستة عشر، والى بولاق، والى القاهرة، والى مصر القديمة، والولاة الثلاثة قدام الملك الناصر. وبالإضافة إلى حكايات الشطار، ترجع قصص العشق الرومانسية مثل علي شار وزمرد، وعلي نور الدين ومريم الزنارية، بوضوح إلى أصول مصرية، وهو ما ينطبق على الحكايات العجيبة مثل حكايتي معروف الإسكافي وعلاء الدين أبو الشامات”.

لا يفوت الباحث، أن تلك الحكايات لا تظهر فقط الخصائص المميزة والمعروفة على نطاق واسع في الأدب الشعبي المصري، ولكنها تتخذ أيضًا من مدينة القاهرة مسرحًا، وتتضمن أحياناً أوصافًا مفصلة لـ”طبوغرافيا القاهرة”.

هل ذلك المؤلف البولاقي المجهول هو نفسه بائع الكُتب اليهودي، الذي تقول مصادر، “قيد التأكد”، إنه تحول إلى الإسلام في ما بعد؟ أم هو الشيخ الشرقاوي؟ أم هو كبير المُدقّقين بمطبعة بولاق، الشيخ قطة العدوي؟

الأكيد، وقت كتابة هذه السطور، أن عدداً من حكايات ألف ليلة، أُضيف إليها في القاهرة. ذلك أن الأحداث ومرجعيتها الأدبية، والصورة المكانية، من الصعب أن تتوفر لكُتّاب بعيدين. ولكن، دعنا نتذكّر مرة أخرى، نحن بصدد البحث عن المؤلف البولاقي، سنكون سُعداء يتملكنا شعور الإنجاز إذا وجدناه، في حلقة أو حلقات مقبلة. لكن الأصل في الحكاية، هو الرحلة.

مصادر:

ـ”القاهرة، تاريخها وآثارها.. من جوهر القائد إلى الجبرتي المؤلف”، للدكتور عبدالرحمن زكي.

-“المقتطف المصري”: مجلة ربع سنوية تصدرها مؤسسة “دراسات سياسية تاريخية”، وهي شديدة التخصص على ما يبدو، حيث إنها لم تقع أمامي من قبل، إلا بصدفة البحث في أجواء الموضوع.

ـ”موسوعة الليالي العربية”: كتاب قيد النشر منذ 3 سنوات في “المركز القومي للترجمة”، وربما يقدم صدوره خدمة حقيقية للثقافة العربية. غير أنه، حتى وقت كتابة هذه السطور، حبيس انتظار الدور وإجراءات الروتين داخل مؤسسة نشر حكومية، ذلك أنه، للأسف، من صعب نشره في دار نشر خاصة نظرًا لتكلفته، إضافة للأزمة التي تمر بها دور النشر الخاصة بعد تعويم سعر الجنيه أمام الدولار.

ضفة ثالثة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى