صفحات الناس

سجن صيدنايا السوري: إعدام بطيء لـ15 ألف معتقل/ رامي سويد

 

 

تشتهر مدينة صيدنايا في ريف دمشق الشمالي، بأمور كثيرة، غير أن سجنها العسكري، يُعدّ الأكثر شهرة من بين كل معالمها. في هذا السجن تقوم قوات النظام باستحداث أنواع تعذيب جديدة، بغية الإمعان في طمس ما تبقّى من إنسانية لدى معتقليها. فقد أصدرت قوات النظام، المتمثلة بقيادة فرع “المخابرات العامة رقم 251” قبل أيام، قراراً يقضي بمنع الزيارات منعاً باتاً عن سجناء السجن، أحد أكبر السجون التابعة للنظام السوري، والذي يتسع بمبنييه القديم والجديد لنحو 15 ألف معتقل.

وقام المسؤولون عن مكتب “منح إذن الزيارة” في فرع “المخابرات العامة”، الموجود في منطقة الخطيب في شارع بغداد، وسط دمشق، بطرد المراجعين من أهالي سجناء سجن صيدنايا في الفترة الأخيرة، من دون إعطاء أي موعد أو توضيح عن التاريخ الذي سيتم السماح فيه لذوي المعتقلين زيارة أبنائهم في السجن. وجاء هذا الإجراء بعد أشهر من سماح المسؤولين عن السجن لبعض أهالي المعتقلين، بزيارة أبنائهم بعد قبض رشى مالية منهم، على ألا تتعدّى مدة الزيارة الدقيقتين أو الثلاث فقط، يكون خلالها المعتقل معصوب العينين.

وكانت قيادة الاستخبارات العامة التابعة لقوات النظام السوري، المعروفة باسم “فرع الخطيب” أو “الفرع 251” أو “الفرع الداخلي”، تسلّمت الإشراف على سجن صيدنايا العسكري، بعد مقتل قائد الشرطة العسكرية التابعة لقوات النظام اللواء طلعت محفوض، الذي كان يشغل في الوقت عينه منصب مدير سجن صيدنايا العسكري، إثر كمين لقوات المعارضة السورية في منطقة تل منين، في ريف دمشق في شهر أيار/مايو الماضي.

وكانت أوضاع المعتقلين تردّت في الفترة اللاحقة لاستلام فرع “المخابرات العامة” الإشراف على السجن بشكل كبير، وتحدث شهود عيان من المعتقلين المفرج عنهم، عن إجراءات اتُخذت بحقهم، بعد تغيّر إدارة السجن في الأشهر الأخيرة، وتميّزت بالقسوة الشديدة، التي تجاوزت ما عهدوه من معاملة في الفترة السابقة.

ويتعرّض المعتقلون الموجودون في المبنى القديم، الذي يُطلق عليه اسم “المبنى الأحمر” نسبة للونه، لعمليات تعذيب شبه يومية، بالإضافة إلى عملية تجويع دائمة، بحسب ما أفاد حسان الحمود، المعتقل الذي تمّ الإفراج عنه أخيراً، لـ”العربي الجديد”.

ويضيف الحمود، أن “السجن قسمان: المبنى القديم أو الأحمر، والمبنى الجديد أو الأبيض، وجميع المعتقلين في السجن الأحمر هم من المدنيين، الذين اعتقلتهم قوات النظام على خلفية مشاركتهم بالثورة، وتم عرضهم بعد اعترافهم في فروع الاستخبارات تحت التعذيب بما نُسب إليهم على محاكم عسكرية ميدانية، أصدرت أحكاماً قاسية بحقهم، وصلت إلى سجنهم لمدة 15 عاماً، في ما يشبه المحاكمات الصورية. كما أن هناك المئات من المعتقلين غير المحكومين في هذا القسم أيضاً”.

ويتابع “أما القسم الجديد أو الأبيض فهو مبنى مستقل يوجد فيه نحو ستة آلاف سجين من العسكريين، الذين عُرضوا على المحاكم العسكرية، وتم الحكم عليهم بالسجن نتيجة ارتكابهم مخالفات عسكرية، كالفرار أو محاولة الانشقاق أو عدم تنفيذ الأوامر العسكرية أو غيرها”.

ويصف الحمود التعذيب الذي يتعرض له المعتقلون وهو “كناية عن مختلف أنماط التعذيب الجسدي والإذلال المعنوي اليومي، ويتعرض نزلاء السجن الأحمر لعمليات الضرب بمختلف الأدوات الصلبة والمرنة، والتعليق الذي يُعرف باسم الشبح، وهو عبارة عن تعليق المعتقل من يديه لفترة طويلة، والصعق بالكهرباء، والحرق بالزيت المغلي أو السجائر”.

ولا يتوقف الحمود هنا، بل يشير إلى أن “التجويع من عمليات التعذيب الدائمة في السجن، فيحصل المعتقل على رغيف خبز واحد كل يوم، مع حبة بطاطا أو بندورة، كما يُمنع من التوجه إلى الحمامات أكثر من مرة واحدة في اليوم فقط. كما ينال البرد القارس من المعتقلين، الذين يُترك كثير منهم عُراة، ومن دون أغطية لفترة طويلة في السجن”.

في السياق، ذكرت “الرابطة السورية للدفاع عن حقوق الإنسان”، في تقرير خاص عن أوضاع المعتقلين في السجن، الذين بلغ عددهم بحسب تقديراتها نحو 14 ألف سجين، يقبع ثمانية آلاف منهم في السجن الأحمر، والباقون في السجن الأبيض.

ويشير تقرير الرابطة، إلى حرمان المعتقلين في السجن من الحصول على الطبابة، بالإضافة إلى تعريضهم للبرد الشديد والتجويع الدائم، وإيداع المئات منهم في زنازين انفرادية، تصل مساحة الواحد منها إلى نحو المتر المربّع لأشهر طويلة.

وأدى كل ذلك إلى إصابة معظم المعتقلين في السجن، بمختلف أنواع الأمراض السارية والمعدية، كالسل والانفلونزا والتيفوئيد، والالتهابات الجلدية الناتجة عن عدم تنظيف الجروح، التي يُصابون بها أثناء عمليات التعذيب، وتفاقم حالة بعضهم، إلى حدّ تعرّضهم لمرض “الغرغرينا” الذي يُلزم الأطباء بتر العضو المصاب.

وتجري في السجن محاكمات دورية كل يوم ثلاثاء، تقيمها محكمة ميدان عسكرية، بحسب تقرير “الرابطة”. وتُصدر المحكمة الأحكام على المعتقلين المُدانين بالمشاركة بالنشاطات المدنية أو العسكرية المناهضة للنظام السوري بالإعدام، الذي يتم في العادة كل يومي إثنين وخميس في ساحة قريبة من السجن، وبمعدل 40 سجيناً أسبوعياً، ويتم رمي جثثهم في مكان مجهول لاحقاً.

ويقع سجن صيدنايا العسكري، على بعد 30 كيلومتراً، شمال العاصمة السورية دمشق، في منطقة جبلية بين مدينتي صيدنايا والتل في ريف دمشق، ويتألف من مبنى رئيسي من ثلاثة طوابق، يُقسم كل طابق إلى ثلاثة أقسام، في كل قسم 20 مهجعاً جماعياً.

ويحتوي الطابق الأرضي على مائة زنزانة منفردة، ويتوسط الأجنحة الثلاثة برج مرتفع، ويتبعه مبنى، يُسمّى “مبنى القيادة”، وتوجد فيه مكاتب الضباط المسؤولين عن السجن. أما المبنى الجديد فهو مبنى مستقلّ، مستطيل الشكل، مؤلف من أربعة طوابق، وأصغر من المبنى الرئيسي القديم.

وشهد السجن عصياناً جماعياً من السجناء، نتيجة اقتحامه من قوات تابعة للشرطة العسكرية في شهر يوليو/تموز من عام 2008 الأمر الذي أدى لمواجهات استمرت أياماً بين السجناء وقوات النظام في السجن، بعد تمكن السجناء من السيطرة على المبنى الرئيسي في السجن بالكامل.

وقد تحدث دياب سرية، وهو معارض سوري، كان أحد المعتقلين في السجن في تلك الفترة، عن تمكن المعتقلين من السيطرة على جميع أجنحة السجن، قبل أن يتمكنوا من الخروج والسيطرة على سيارات تابعة للشرطة العسكرية، لتطلق الشرطة العسكرية النار عليهم، فسقط 12 قتيلاً منهم على الأقلّ، قبل أن يسقط خمسة آخرون بعد أقل من ساعتين.

وسيطر المعتقلون على السجن بالكامل، بعد أسرهم لأكثر من ألف عنصر من عناصر قوات حفظ النظام والشرطة العسكرية المسؤولة عن السجن، قبل أن ينتهي العصيان بعد 12 يوماً، بعد مفاوضات بين اللواء طلعت محفوض ولجنة تمثل السجناء.

دمشق

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى