صفحات العالم

سورية ليست كوبا والأسد ليس كاسترو

 

عزت صافي *

تعب الأخضر الإبراهيمي من أزمة سورية، لكنه، حتى الآن، لم يعلن يأسه، فهذا الديبلوماسي الجزائري ذو الثقافة الفرنكوفونية، المطعّمة بثقافة أنكلوساكسونية، يعشق المهمات الصعبة التي تبدو مستعصية على الحل. هو يفضلها كذلك، حتى إذا نجح في حلها يكون قد أحرز نصراً، وإلا فسيكون له عذره ليعلن بشجاعة: لقد بذلت كل طاقتي ووقتي… لا فائدة.

ليست سورية العنوان الأول الذي ذهب إليه الإبراهيمي، كانت له مهمات مماثلة في دول آسيوية وعربية، منها لبنان. وقليلاً ما نجح، ليس بسبب من عدم كفاءته أو قلة خبرته، إنما لأن مشاكل تلك الدول كانت ولا تزال من الصنف الذي ليس له حل.

لقد سبق للإبراهيمي أن حذر من أن الأزمة السورية يمكن أن تتحول إلى صوملة، وهو إذ يخفي التفاصيل في تصريحاته وفي أحاديثه الصحافية (وآخرها في «الحياة» منذ أيام) فإنه لا يستطيع أن يخفي الحقائق التي تظهر على شاشات التلفزيونات لحظة بلحظة.

ليس الإبراهيمي مخوّلاً من الأمم المتحدة سلطة اتخاذ القرار لإنهاء أزمة سورية. لكنه كان قد اشترط لقبوله المهمة أن يكون لقبه «ممثل الأمين العام للأمم المتحدة»، وكان له ما أراد. وفي ما بعد شملت صفته تمثيل مجلس الجامعة العربية، وهو بهذه الصفة يحمل، منذ نحو ستة أشهر، كرة النار السورية.

منذ بداية مهمته، بل منذ بداية محنة سورية، كان الإبراهيمي يدرك أن السبب هو في رأس النظام الذي لا يرى في داخل سورية، ولا خارجها، بديلاً منه إلا هو… أنه يراهن على استمرار الحرب ما دام يملك نفقاتها وعتادها من روسيا وإيران، كما يراهن على اليأس من الثورة، حتى إذا ما طالت الحرب تراجع الاهتمام الدولي بأزمة سورية، وضعفت الآمال بانتصار الثورة. لكن ما يجري هو العكس.

ويصدف أحياناً أن تفلت كلمات عابرة في الأحاديث التي يدلي بها الإبراهيمي إلى وسائل الإعلام فيتخذها النظام برهاناً على طول بقائه، ومنها، مثلاً، ما قاله لمحطة «بي. بي. سي» وخلاصته « أن الأزمة في سورية قد تجد حلاً لها في نهاية العام 2013».

سنة ثالثة بعد؟… رؤية مخيفة لا يستطيع الإبراهيمي أن يتصورها. فقد تحملت سورية النظام العسكري الاستبدادي أكثر من اثنتين وأربعين سنة حتى الآن، وخلال هذه العقود تبدل تسعة رؤساء في الولايات المتحدة الأميركية، حتى في روسيا (الحديثة) استقر النظام على مبدأ تداول الرئاسة بين بوتين وميدفيديف.

وكما يبدو فإن الرئيس الروسي بوتين يحاول أن يلعب في سورية الدور الذي لعبه الاتحاد السوفياتي في كوبا. حدث ذلك في مطلع الستينات من القرن الماضي حين حاولت موسكو نصب شبكة صواريخ في ما يسمى «خليج الخنازير» على شاطئ كوبا قبالة السواحل الأميركية، فما كان من الرئيس الأميركي جون كندي إلا أن أنذر القيادة السوفياتية بالاستعداد لإطلاق صواريخه فوراً. وانتهت الأزمة.

لكن سورية ليست كوبا. وبشار الأسد ليس فيديل كاسترو. وحزب البعث ليس الحزب الشيوعي السوفياتي، ولا أجنحة له في المحيط العربي كما كانت للسوفيات أجنحة وأنظمة في دول أوروبا الشرقية. ثم إن الأسد ليس أيقونة أرثوذكسية مقدسة مرفوعة في الصرح البطريركي المسكوني، أو في صدر الكرملين.

روسيا بوتين تحاول منذ نحو سنتين أن تسترد في حرب سورية بعض ما فاتها في ثورة ليبيا، وقد وجدت في هذه الحرب سوقاً مفتوحة أمامها من طهران إلى العراق. إلى سورية… ولبنان… وقد ربحت روسيا، ولا شك، لكنها أخيراً بدأت تتعامل مع الواقع والحقائق بديبلوماسية أقل تعنتاً ومكابرة. فإيران تعاني عجزاً مالياً يستنفد رصيدها الخاص بالإنفاق الحربي، ولا يفيدها أن تصنع طائرة صغيرة للدعاية.

ثم إن سورية باتت تشكل عبئاً ثقيلاً على شعب إيران الذي يعبّأ عسكرياً وجهادياً وهو يرزح تحت البطالة والفقر والكبت فيما بلايين بلاده تذهب بعيداً خارج الحدود تحت بند دعم الصمود والممانعة في وجه إسرائيل.

لكن ملايين الإيرانيين لا تخفى عليها الحقيقة. فالنظام السوري، منذ نصر تشرين العظيم في العام 1973، اكتفى برفع راية «الصمود والتصدي»، وقد مرت أربعون سنة على الممانعة تخللتها اعتداءات إسرائيلية كثيرة على سورية، ولم تواجه بالردع أو التصدي، حتى شاع في الأوساط الشعبية موشح مطلعه «يا ليلُ الصدُّ متّى غده… أقيام الساعة موعده»..؟

وإذ يراجع سيد الكرملين حالة النظام في سورية يتأكد من أن هذا النظام بات، أيضاً، عبئاً كبيراً على روسيا. فلا ميناء طرطوس التجاري يصلح لأن يكون قاعدة استراتيجية في وجه حلف «الناتو»، ولا النظام المحاصَر في قصره قادر على الصمود مدة طويلة. حتى لو طالت مدة صموده فلن يستطيع استعادة سلطته على سورية.

الرئيس بوتين مصاب بنقص التواضع، وإلى جانبه وزير خارجية يبدو أنه آت من زمن الحقبة السوفياتية… فالرفيق السابق سيرغي لافروف يملك الوجه المتجهم، ويملك الهدوء والبساطة ليكرر دائماً كلمة «لا» ضد أي تسوية للأزمة السورية تبدأ برأس النظام. ولعل المرة الوحيدة التي ظهر فيها الوزير لافروف مبتسماً، كانت عندما التقى قبل أيام في ميونيخ نائب الرئيس الأميركي جون بايدن.

إلا أن ابتسامة لافروف تلاشت عندما التقى، في ميونيخ أيضاً، رئيس «الائتلاف الوطني» السوري المعارض الشيخ معاذ الخطيب. ذلك أن الخطيب كان قد امتنع، كما امتنع ممثلو الجبهات المعارضة في الخارج، عن تلبية دعوة لافروف إلى موسكو بسبب موقفها الداعم للأسد، في حين أن نائب الرئيس الأميركي صافح الخطيب أثناء لقائهما كما يصافح سيد البيت الأبيض ضيوفه الكبار، وكأنه يبارك…

ثمة علامات استفهام كثيرة حول لقاءات الشيخ الخطيب وتصريحاته في ميونيخ، وأكثرها يتسم بالإيجابية، وبخاصة إعلان استعداده للتفاوض مع شخصيات من المعارضة السورية في الداخل، تلك التي لها نصيب كبير من تاريخ النضال والتضحية والصبر والعذاب داخل السجون، ولا تزال صامدة، ولم تعدل حرفاً في خطابها الداعي إلى إسقاط النظام.

بالتأكيد، الوضع السوري الراهن لا يبعث على الأمل بخلاص قريب. لكن، بالتأكيد أيضاً، هناك أمل كبير بالتقارب بين واشنطن وموسكو وأوروبا (والصين طبعاً) على صيغة حل حملها الأخضر الإبراهيمي إلى ميونيخ. ولعل ابتسامة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع نائب الرئيس الأميركي تعبر عن جديد تضمره موسكو لمستقبل سورية، خصوصاً أن طهران لم تكن غائبة عن ميونيخ، ولم تكن بعيدة عن السمع، كما أنها ليست مغشوشة بحليفها في دمشق. فهي، بالنتيجة، دولة إقليمية كبيرة لها حسابات لمستقبل نظامها أهم من حساباتها لمستقبل نظام الممانعة في دمشق.

* صحافي لبناني

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى