راشد عيسىصفحات الثقافة

فن الغرافيتي في سوريا: الشعب يريد امتلاك الجدار

 

راشد عيسى

قد يستغرب كثير من الثوار السوريين اليوم أن الشرارة التي أشعلت ثورتهم تنتمي إلى ذلك النوع من الفن المسمى فن الغرافيتي، ونعني بها تلك الكتابات والخربشات التي كتبها أطفال درعا عشية الخامس عشر من آذار 2011 على حيطان تلك المدينة المهملة. “فن يدخل إلى بلادنا بعد ستين عاماً من ولادته فيشعل ثورة”، كما يقول الفنان التشكيلي تمام عزام.

الحديث عن الغرافيتي إذاً (الكتابة والرسم على الجدران) في سوريا هو حديث عن الثورة، التي تكمل اليوم آخر فصولها. يقول الفنان ياسر صافي “مررت منذ فترة ليست بعيدة بمدينة دير الزور، الغرافيتي يملأ كل جزء منها، السيارات، الكراسي، المقاعد، حتى البشر”. ويفسر صافي “كلما اشتد الخناق على الشارع ازداد الاحتجاج بهذه الطريقة”. ويعود صافي إلى بدايات هذا الفن في بلادنا “كنت تراها في المراحيض، كتابات سياسية أو غيرها”.

ويجد صافي في الجدران السورية خصوصية “ان هناك محواً مقصوداً من النظام، ما أدى إلى خلق جدار جديد، مشهد جديد. عملية المحو أكدت العبارة، دفعت بالمتلقي العابر إلى صياغة عبارته هو”.

ويضيف صافي “صار هناك مدن كاملة مشوهة بسبب ما حدث، بسبب الكتابة والمحو”. ويشير إلى العلاقة المختلفة في بلادنا بين رجل الأمن والرجل البخاخ في سوريا فـ “أنت لا تسمع عن رسام قتل في الغرب بسبب رسم على الجدران. لذلك أنت تجد الكتابة هناك متأنية ومسترخية، بينما في سوريا فيها مغامرة، ارسم واهرب”.

يتذكر صافي جدار مقبرة في بلدة داريا الذي نراه في صورتين، بثتا على موقع اليوتيوب. في الأولى جدار مقبرة طويل رسم عليه علم الثورة، وفي الثانية جرافات النظام تهدم الجدار من أساسه. الثورة، الحرب، تبدو برمتها كأنها حرب امتلاك الجدار، كأننا سنهتف بعد قليل بأن “الشعب يريد امتلاك الجدار”، كأن من يحوز الجدار يحوز معه كل شيء، الحرية، والكرامة، والدولة الجديدة.

أما عن الاختلاف حول من يعتبر أن الغرافيتي يقتصر على الرسم فقط ومن يعتبر الكتابة كذلك غرافيتي فيقول صافي “ما يهم هو الأثر، الكتابة، الرسم، وحتى المحو”.

الغرافيتي الحر

الفنانة التشكيلية عتاب حريب قالت “لا وجود لدينا لفن الغرافيتي، بمعنى الغرافيتي الحرّ الأميركي في الرسم على جدران المدينة بحرية وحرفية لفنانين، أو ربما لهواة ومراهقين. نحن جدراننا للنعوات وللتنبيه بعدم التبول ورمي الزبالة، والسبب المنع الأمني والثقافة الشعبية والتخوف من طرح الأفكار المرسومة والمكتوبة والتحريضية”.

وأضافت حريب “هناك تجارب خجولة وفاشلة من طلائع البعث، مدجنة ومفتعلة ولا تقترب من الطفولة. ربما في الآونة الاخيرة كان هناك بعض التجارب التي تدهن باللون الأسود في اليوم التالي مع الاسف”. وقالت الفنانة “أنا عندي تجربة بطرح مشروع تلوين الجدران والرسم في المناطق العشوائية، وقد رفض المشروع من الجهات الرسمية بدون تبرير”.

لكن للفنانة التشكيلية إيمان حاصباني رأيا آخر حيث تقول “الغرافيتي موجود في أي مكان يوجد فيه البشر. لكنه يحمل ثقافة وصورة المكان الذي يكون فيه”.

وتضيف حاصباني “لنتذكر أول شرارة للثورة السورية، والتي بدأت من درعا مع كتابة أطفال درعا على الجدران “الشعب يريد اسقاط النظام”، وكلّنا نعلم ماذا حلّ بالأطفال وأهالي الأطفال، وكيف توالت الأحداث. إذاً الثورة تبدأ من هنا. وهذا لم يقتصر على سوريا، بل بكل دول الثورات العربية”. وتوضح “مع قمع النظام للحراك السلمي، وبحث السوريين عن أشكال من الاعتصامات والتعبير عن الرأي والحرية والمطالب الشعبية، صرنا نجد الغرافيتي على الجدران في كل مكان نذهب إليه، فأصبح الغرافيتي المتنفس الأكثر للتعبير عن الحرية”. وتضيف إيمان “أكثر مكان كنت أمرّ فيه طوال هاتين السنتين هو بلدة التل، مكان يعبر تماماَ عما أتحدث عنه”.

وقالت حاصباني “النظام أيضاً لجأ إلى الطريقة نفسها بالكتابة على الجدران ليوصل الوجه الآخر من الرسالة “الأسد أو نحرق البلد”، “الأسد أو لا أحد”..”.

وعن خصوصية الغرافيتي السوري قالت حاصباني “بالتأكيد هناك خصوصة للغرافيتي السوري. السوري يكتب على الجدران لإيصال رسالة وهو يكتب على عجل من دون الاكتراث لشكل الحرف أو اللون، أو التقنيات”.

وفي ما إذا كان الغرافيتي السوري قد ألهمها في علمها الفني قالت حاصباني “أنا متاكدة من أننا بعد إسقاط النظام سنشتغل جميعنا غرافيتي. كل الفنون التي تحدث في الشارع السوري بالتأكيد تلهمني، فما بالك بالغرافيتي الذي هو واحد من الفنون المحرضة للثورة والأقرب للشارع والناس والرسالة الأسرع وصولاً”.

وختمت حاصباني تقول “إلى الآن لم أفكر باستخدام الغرافيتي في عملي، لكنني أتمنى أن أنزل إلى الشارع”.

الفنان تمام عزام قال ان “الفنون التي ظهرت في سوريا تتصل بفن الشارع أكثر منها بفن الغرافيتي، إلا بحالات الرجل البخاج”.

وأوضح عزام “بالرجوع إلى ظهور هذا الفن منتصف القرن الماضي وعلاقته بالأزمات الاجتماعية والسياسية، فهو أن ترسم أو تكتب اعتراضك من دون إذن من أحد، وبالعكس فهو يعتمد على إزعاج الآخر، وهذا ما حرك النظام منذ البداية لمنع بيع البخاخات إلا على الهوية”.

وقال عزام “بينما يعتقد بعض الناشطين الفيسبوكيين أنهم يصنعون ما يسمى بالغرافيتي، يلف الرجل البخاخ رأسه بالكوفية ويخاطر بحياته (وقتل العديد منهم) ليعتلي الجسور ويكتب “سوريا حرة”، ويضع اللبنة الأولى لهذا الفن في سوريا بعد ظهوره في نيويورك بستين عاماً”.

وأضاف “أما ما انتشر في سراقب مثلا وغيرها من المناطق المحررة فهو ينتمي إلى فن الشارع والجداريات العملاقة”.

وختم عزام “أعتقد أن الشكل الجديد من الفنون سيدخل بشكل اكبر في المشهد السوري”.

أما حكاية الرجل البخاخ في سوريا فارتبطت بأذهان كثير من السوريين بالدراما أكثر منها بالواقع، حين قدمت حلقة من المسلسل الكوميدي “بقعة ضوء” تحمل هذا العنوان، الحلقة كتبها عدنان زراعي، وهو كاتب سيناريو وممثل معتقل منذ شهور لدى أجهزة الأمن، وأخرجها سامر برقاوي، وتحكي عن رجل بخاخ كيف دوّخ المدينة بشعاراته على الحيطان، وبات لغزاً محيراً لها. إلى أن اندلعت الثورة فصار لدى السوريين العديد من “الرجل البخاخ”، وهم ملثمون، قدموا بفيديوهات منثورة على موقع اليوتيوب، قتل بعضهم، واعتقل بعضهم الآخر، وما زلنا نشهد إلى اليوم ولادة بخاخين، البعض منهم نساء، شكلوا جميعاً ملمحاً لا ينسى من ملامح الثورة.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى