صفحات الثقافة

سوريا: نعمة اليوتيوب والحاجة إلى الحرية

راشد عيسى
الأفلام التي أنتجتنها «المؤسسة العامة للسينما»، الجهة الإنتاجية السينمائية الوحيدة في البلاد، في العقد الأخير، تكاد، في معظمها، تكون مخجلة، ليس قياساً إلى عيون السينما في العالم شرقه وغربه، بل بالنظر إلى تاريخ السينما السورية نفسها. فرغم المكابدات التي عانتها هذه السينما، من ضغوط رقابية، إلى شحّ في المال المخصص لهذه الصناعة، إلى بنية تقنية مهملة، إلى صالات عرض قليلة وغير لائقة، وصولاً إلى انفضاض الجمهور أصلاً عن السينما، رغم كل ذلك فقد استطاعت سينما ما قبل العقد الأخير، أن تكرس أفلاماً، لا تنسى، ومخرجين لا شك أنهم سيظلون ملهمين لأجيال من السينمائيين الشباب. وأياً كانت الاعتراضات على تلك الأفلام، من قبيل أنها أفلام مهرجانات أو أنها ذاتية تخص مخرجيها، فإنها في النهاية أفلام تستحق التحية.
لقد عمل هؤلاء السينمائيون في بيئة ضاغطة وظالمة لأي مبدع، ومع ذلك لم يكفّوا عن محاربة المؤسسة لانتزاع ما أمكن من أفلام، من فرصة لعمل أفلام، وما أمكن من حرية في القول. النتيجة يمكن تلخيصها بعبارة لكاتب هذه السطور حول فيلم «مرة أخرى» (2009) لجود سعيد، وهو واحد من ألمع السينمائيين الشباب اليوم، عبارة تقول «إذا كانت أفلام السينمائيين السوريين البارزين عانت صراعاً مريراً مع الرقابة،.. فإن هذا الفيلم (فيلم «مرة أخرى») يبدو كأن الرقابة بالذات هي من أنتجه، خصوصاً حين يوظف نفسه للدعاية السياسية». كان الفيلم يتناول تجربة دخول السوريين إلى لبنان، و«المساعدة» التي قدمت انذاك في العام 1982 للبنانيين، لتعاد الكرة، بخصوص المساعدة، مرة أخرى (ومن هنا عنوان الفيلم) في العام 2006 إثر حرب تموز.
لاحقاً، ونعني هذه الأيام بالذات، سيصبح ذا مغزى، أن يحظى جود سعيد بهذه الفرصة، وبفرصة أخرى هي فيلم قيد الإنجاز الآن، في الوقت الذي يجري سحب فرصة فيلم لسينمائي لشاب من جيل سعيد هو نضال حسن، الذي اعتقل مرتين لتضامنه مع ثورة شعبه.
هرمنا
مثل نضال حسن هناك كثر من السينمائيين الشباب ينتظرون دورهم في المؤسسة، وقد يهرمون قبل أن تأتيهم الفرصة المؤاتية، كما حدث مع جيل سابق مهمل من سينمائيي الأجيال السابقة. وبالتأكيد فإن السينما السورية خسرت الكثير من مواهب أبنائها؛ بعضها أدرك مصيره مبكراً فذهب إلى الدراما التلفزيونية، والبعض الآخر واظب على حياته كموظف ينتظر فرصة من سماء المؤسسة، والبعض صنع أفلاماً، كنوع من الاسترزاق.
منذ عامين عرض فيلم تسجيلي صوّره في سبيعنيات القرن الماضي سينمائي شاب بات أحد مخرجي التلفزيون المكرَّرين. وجدت في الفيلم ما يثير الإعجاب، وما يضع الفيلم في مصاف أفلام عمر أميرالاي.فاجأني أن يكون المخرج التلفزيوني غير اللامع الآن، أن يكون ذاك الشاب المليء بالحيوية والطموح والبحث، سألت المخرج ذات مرة: كيف حدث ذلك التحول؟ ما انت عليه اليوم ليس هو النتيجة المنطقية لتلك البداية؟. السؤال جارح بالطبع، والمخرج لم يخف مراراته حين قال: «إنه البلد. البلد وليس أنا».
لا بد إذاً من أن عدداً من السينمائيين الشباب عرف أن المؤسسة ستأخذه في أحسن الأحوال إلى مصير مشابه لمصير مخرج يجد نفسه في آخر العمر مع فيلمين، ثم يجد نفسه يقدم شرحاً مع كل عرض لفيلم، يعتذر فيه عن مشاكل الصوت، والألوان، لأن المعمل، والكاميرات، والميزانية، والرقابة، والمدير، إلى ما هناك من أسباب، هي ما جعل الفيلم يبدو على هذا النحو.
يمكن القول إن مخرجين كثر ولدوا خارج المؤسسة، معتمدين على جهود ذاتية، أو على مؤسسات خاصة، وداعمين دوليين ومراكز ثقافية. هناك بالطبع من أخرج في المؤسسة وخارجها، مثل نضال الدبس الذي أخرج في المؤسسة «تحت السقف» (2005)، ولقناة تلفزيونية فيلم «روداج» (2010)، وهناك من اختار أن ينأى بأفلامه كلياً عن المؤسسة مثل عمار البيك الذي أنجز «حصاد الضوء» (١٩٩٧)، إلى جانب عدد من الأفلام القصيرة. كما أخرج مع هالة العبد الله «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها» (٢٠٠٦). كما أخرج أخيراً «حاضنة الشمس» الذي يتطرق إلى الثورات العربية.
أبو نضارة
من الواضح أن االأجيال الجديدة تتجه اليوم إلى الفيلم التسجيلي، ربما بسبب ظروف أقل كلفة وأقل تعقيداً، عدا عن الرغبة باقتحام منطقة بكر. وهذا لم يتوقف على متخرجي ودارسي السينما، فالكاميرا باتت بين أيدي الجميع، ومن السهل أن يتحول أي فيديو منزلي إلى فيلم تسجيلي. ولقد شجع المخرج الراحل عمر أميرالاي هذا النوع بأفلامه، ومن ثم عبر «افتتاح المعهد العربي للفيلم» في عمان الذي درس فيه بعض السينمائيين السوريين ليقدموا تالياً أفلامهم الخاصة. ليأتي بعد ذلك مهرجان «أيام سينما الواقع دوس بوكس» الذي كان له فضل كبير في التأسيس لجمهور للفيلم الوثائقي، الأمر الذي من شأنه تشجيع الإنتاج السينمائي التسجيلي أيضاً.
لكن هناك تجربة مذهلة لا بد من الإشارة إليها، فهناك مجموعة سينمائية تحمل اسم «أبو نضارة» وتنشر أعمالها على موقع على شبكة الانترنت، وسبق لبعض أفلامها أن شارك في مهرجانات سينمائية مرموقة. حققت المجموعة عدداً من الأفلام التسجيلية القصيرة التي ترصد حياة السوريين في الظل، حياة المهمشين. ومن الواضح لدى مشاهدة أفلام المجموعة أن إنتاجها ممكن من دون الاضطرار إلى موافقات إنتاجية أو رقابية، إذ غالباً ما تكون الكاميرا في أماكن محصورة. ومن عناوين أفلام «أبو نضارة» فيلم يحمل عنوان «نجمة الكواليس»، و«معماري من تحت لتحت»، و«مؤمنون بلا منابر». وفي ظل الثورة السورية حققت المجموعة عن الثورة فيلمين، الأول بعنوان «النهاية» الذي يتحدث عن الشباب السوري الذي يخاطر بحياته ويضع تضحياته أساساً للديموقراطية القادمة. والثاني «طلائع» الذي يتحدث عن «منظمة طلائع البعث» التي تأسست في المدارس الابتدائية السورية على طريقة كوريا الشمالية.
لثام الخوف
اليوم وجد السوريون أنفسهم إزاء تجربة سينمائية مغايرة كلياً، واستطاعت الكاميرا أن تلعب دوراً تاريخياً في الكشف والتوثيق والتحفيز، لا نتحدث هنا عن الأخبار والصور المرسلة عبر كاميرا الجوال وحسب، بل عن أفلام جرى تحقيقها على الأرض، وشارك بعضها في مهرجان افتراضي تحت شعار «السينما في ساحة الحرية»، أطلق عبر صفحة له على الفيسبوك ما أسماه «مهرجان سوريا الحرة السينمائي الأول»، معتبراً إياه بديلاً عن «مهرجان دمشق السينمائي» الذي جرى تعليقه بسبب الظروف التي تمر بها سوريا. ومن بين الأفلام التي عرضت وجرى التصويت عليها فيلم «جحيم الأرض» (8 د) و«الجنس البشري» (7د العام 2009) للمخرج محمد خير دياب. و«انبعاث الأمل» (8 د، 2011) لزينة ارحيم، وفيلم «أطفال الحرية» (8د، 2011) للمخرج روش عبد الفتاح، وفيلم « قصة سورية قصيرة» للمخرجين محمد عمران وداني أبو لوح. واللافت أن من بين هذه الأفلام أعمالا درامية قصيرة يؤديها ممثلون مغمورون، بعضها جريء وغير معتاد في السينما السورية على مستوى حرية التعاطي مع الجسد، وهو أمر غير مألوف في سوريا سوى في عهود ما قبل الاستبداد.
تبشر التجارب السينمائية الكثيرة للأجيال الجديدة بسينما جديدة أيضاً، فهذا الغليان السينمائي يفسر حاجة السينما أولاً، وقبل كل شيء، للتحرر من لثام الخوف، ومن الرقابة والوصاية والمصادرة. لا ننسى بالطبع نعمة اليوتيوب، الموقع الذي يتيح تحميل الأفلام، ويجعلها في متناول الملايين.
سوريا بلد بكر، ليس فقط على مستوى الأفلام التسجيلية، بل كذلك بالنسبة لموضوعات درامية لم يكن التطرق إليها ممكناً من قبل. إن قليلاً من التدقيق يؤكد أن كل معضلات السينما في سوريا لم تكن لتحتاج سوى إلى الحرية، ما من حل آخر لمشكلة لطالما حلل السينمائيون وناقشوا وكرروا منذ عقود من دون جدوى: الحرية.
(دمشق)
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى