صفحات العالم

الأزمة السورية… خطة أميركية بديلة

 

فانس سرشك

عما قريب سيغادر «كيرى» الولايات المتحدة في أول زيارة له عبر البحار بصفته الجديدة كوزير للخارجية الأميركية. وسيكون محور التركيز الرئيس لهذه الزيارة- كما صرح شخصياً- الصراع الدائر في سوريا.

في الحقيقة ليس هناك أزمة تستحق اهتمام كبير الدبلوماسيين الأميركيين في الوقت الراهن، أكثر من الأزمة السورية. ولا شك أن “كيري” يستحق الإشادة لكونه لم يتردد في الانخراط مباشرة في تفاصيل الصراع المحتدم في هذا البلد.

في إطار التمهيد لزيارته، أشار “كيري”، إلى أن مفتاح إنهاء نزيف الدم في سوريا يتمثل في تغيير “حسابات” الأسد- وهو تعبير كرره أكثر من مرة خلال الأسابيع الأخيرة- وأن الطريق لذلك ربما يمر عبر موسكو.

والواقع أن ذلك يعيد شبح المخاوف، من أن تكون إدارة أوباما- بدلًا من قيامها بصياغة توجه جديد بشأن سياستها حيال سوريا- مهيئة، مرة أخرى، كما تدل شواهد عديدة، على تكرار أخطاء الماضي.

أول تلك الأخطاء، بناء آمال غير واقعية على الروس، على الرغم من أن تلك الإدارة، لو كانت قد تعلمت بالفعل شيئاً من تجارب العامين الماضيين، فإن ذلك الشيء هو أنه من غير المرجح بالنسبة للكريملن تقديم يد العون في تدبير عملية خروج للأسد من المشهد.

لا يرجع هذا لصفقات السلاح الروسية لنظام الأسد، ولا لتسهيلاتها البحرية في سوريا، ولا لقصور الانخراط الأميركي مع موسكو، وإنما يرجع بدلًا من ذلك كله، لحقيقة أن الكريملن يعتقد اعتقاداً جازماً أن لديه مصلحة مؤكدة في إحباط عملية أخرى مخططة ومنفذة أميركياً لتغيير الأنظمة، خصوصاً أنه يرى أن التدخلات الأميركية لتغيير الأنظمة بدءاً من صربيا وحتى ليبيا تمثل تهديداً للاستقرار الدولي من ناحية، كما أنها يمكن أن تشكل سابقة يمكن أن تستغل ضده يوماً ما.

الأكثر أهمية، هو أن الروس لديهم ثقة أقل مما لدى الأميركيين في قدرتهم هم شخصياً على ممارسة تأثير على دمشق. فحتى لو مارست موسكو ضغطاً على الأسد، فإنه ليس من الواضح – بل أبعد ما يكون عن الوضوح في الحقيقة- أن ذلك الضغط سيدفع الأسد للتفكير في الرحيل في الوقت الذي فشلت فيه نكسات دبلوماسية وعسكرية، لا يمكن حصرها، تعرض لها النظام في تحقيق هذا الشيء ، بما في ذلك فقدانه لحلفائه الأتراك والثلث الشمالي من بلاده برمته للمتمردين. يقودنا هذا للمشكلة الثانية- الأعمق- فيما يتعلق بالصيغة التي استخدمها “كيرى”. راهنت الاستراتيجية الأميركية طويلًا على الأمل القائل بأن إقناع الأسد ورجاله الأكثر سوءاً بالرحيل، سيمهد الطريق لتسوية عبر التفاوض، بين المعارضة السورية الموحدة من جهة، وبقايا النظام السابق من جهة ثانية، مما يجنب سوريا سقوطاً مماثلًا لما حدث في العراق.

ولكن هذه الفكرة الخاصة بـ”الانتقال السياسي السلمي” باتت عرضة للمساءلة على نحو متزايد. فبدلًا من تغيير نظام من دون انهيار دولة، فإن العكس تماماً هو الذي يتكشف أمامنا في سوريا الآن، ويتمثل في بروز دولة فاشلة يواصل فيها نظام الأسد- المتقلص الحجم والمدعوم من بعض القوى- القتال بلا هوادة بعد أن أصبح أكثر طائفية، وقمعاً، وأوثق اصطفافاً، مع إيران و”حزب الله”.

ليس من المرجح أن يكون نظام بهذه المواصفات على استعداد للتفاوض بشأن نهايته- سواء ظل الأسد قائداً له أم لا- وإنما الاحتمال الأكثر ترجيحاً، هو أن يواصل القتال، حتى لو كان ذلك يعني التخلي عن دمشق، وتأسيس دولة علوية منعزلة مطلة على شواطئ البحر المتوسط محمية بالأسلحة الكيماوية والميليشيات المدعومة من قبل الحرس الثوري الإيراني.

في الوقت نفسه، وعلى الجانب الآخر من الصراع، يواصل المتطرفون المرتبطون بـ”القاعدة” الحصول على نفوذ من خلال توفير الدعم لمسلحي المعارضة – الذي يخفق الغرب في توفيره- وهو عامل يساهم بدوره في تقليص فرصة التوصل لتسوية عبر المفاوضات.

تستطيع واشنطن، مع ذلك، الاحتفاظ بأملها في حدوث تغير في الموقف الروسي، وفي رحيل الأسد، وفي التوصل إلى صفقة تؤدي إلى المحافظة على الدولة السورية؛ بيد أننا لا نستطيع الركون لذلك.

يجب في تقديري أن يكون لنا خطة “ب” أو خطة بديلة تماماً مثلما أن الأسد والإيرانيين لديهم هم أيضاً خطتهم البديلة.

العنصر الأول في هذه الخطة أو الاستراتيجية هو وجود قيادة جسورة من واشنطن، وليس من موسكو وعلى وجه التحديد فيما يتعلق باستخدام القوة العسكرية، مثل الضربات الجوية لتحييد القوة الجوية لنظام الأسد، وحماية المدنيين في المناطق المحررة، وإبراز حقيقة أن قضية الأسد ميؤوس منها.

العنصر الثاني: نحن بحاجة للقبول بالاحتمال القائل إن التسوية عبر المفاوضات لن تكون قابلة للتحقق، والبدء على الفور بعد ذلك في العمل من أجل التخفيف من العواقب الرهيبة التي يمكن أن تنتج عن سقوط الدولة في سوريا.

يقودنا هذا لمسألة دعم الولايات المتحدة للمعارضة السورية. يشار في هذا السياق إلى أن المؤيدين لتسليح المعارضة السورية، قد اعتمدوا في ذلك التأييد على الحجة القائلة بأن تسليح المعارضة سيساعد على تغيير كفة الميزان ضد الأسد، وتمكين المعتدلين، وبناء قدرة على الضغط- للولايات المتحدة- يمكن استخدامها مع المعارضة.

وأي أمل لدينا في أن يتم ملء الفراغ الذي ينشأ عقب سقوط الأسد من قبل معارضة عسكرية موحدة، قادرة على المحافظة على قدر من النظام، بدلاً من أن يتم ذلك من قبل خليط مهووس من الميليشيات العرقية والطائفية التي لن يكون لدينا أي نفوذ عليها، يتطلب منا ليس فقط ضخ الأسلحة لجماعات المقاومة المسلحة سراً، وإنما القيام بجهد شفاف، واسع كبير، ومدعوم من قبلنا لتدريب الجيش السوري، وتزويده بالسلاح، وتقديم التدريب والمشورة له.

هذا التغير في الاستراتيجية يمكن أن يتناقض مع غرائز إدارة أوباما، التي تميل إلى تجنب عمليات بناء الأمم، والتدخل العسكري، وتفضيل خيار تفويض الآخرين بتولي زمام القيادة. وإذا ما كان “كيري” يأمل حقاً في إنقاذ سوريا، فإن القائد الذي يحتاج إلى جعله يقوم بتغيير حساباته ليس بوتين، ولا الأسد، وإنما رئيس الولايات المتحدة الأميركية.

فانس سرشك

زميل الشؤون الدولية بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

جريدة الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى