صفحات العالم

«إنجازات» بشار الأسد التي «تتكلم عن نفسها»: دلال البرزي

الصورة عمرها بضعة أيام. يظهر فيها بشار الأسد مصافحاً جندياً من الجيش. وذلك في زيارة له الى بلدة داريا المنكوبة، بمناسبة عيد الجيش السوري. خلف الصورة عمارة نصف مدمّرة. على يمينها بقايا دمار قديم وسيارة محترقة. وعلى يسارها عمارة مدمرة أيضاً وحولها كتل من الحجارة المتناثرة. الأرض التي يقف عليها بشار أصبحت ترابية. اختفى الإسفلت عنها. وحولها وعليها كومات من التراب والحجارة نبتَ فوقهم عشب بري آخذ باليباس. فيما لا بشر غير بشار والجندي السعيد بمصافحته أمام الكاميرا. لا بشر ولا حركة لمخلوق. ربما كلاب تائهة وقطط تبحث عن طعامها في الجثث المنسية… أو هكذا تكاد الصورة تنطق به. فداريا بلدة مهجورة، لا إنس فيها ولا جن… كان بوسع صاحب العدسة ان يغذّي صورته بتوسيع إطارها، أو بإسكانها بالـ« الجماهير المؤيدة… العاشقة للرئيس«… ولكن عينه البصيرة بدت وكأنها واعية لأخطار هذا التوسيع، فحصرت أضرار الصورة بأن ضيّقت إطارها بالقدر الممكن. فيما لم تستطع شيئاً بالنسبة للبشر. لم يتمكن منظمو الصورة من جمع العدد اللازم من هذه «الجماهير»؛ الزيارة ربما أتت على غفلة، في ظل الأجندة المزدحمة للـ«الرئيس»، أو إن المصوّر لم يكن نبيهاً بما يكفي…

المهم انه أمام هذه الأطلال، كان على الأسد أن يقول كلمة، أن يعطي معنى للمشهد الذي يتوسطه. فماذا قال؟ قال حرفياً: «ان الإنجازات على الأرض تتكلم عن نفسها»، مضيفاً، من دون خفر، انه «واثق من النصر».

ان أي شخص سوي سوف يقول لك بأن بشار هذا «يخرّف»، أو يهذي، أو يكذب، أو يلفق أو يمزح أو يعبث بمعاني كلمات مثل «الإنجازات» أو «على الأرض» أو «النصر». فالصورة تنطق بعكس ما يقوله بطلها. هل يعني بالـ»إنجازات» كل هذا الخراب؟ هل يعني «على الارض»، بأن هذا الخراب وهذه المدينة الشبحية هما مبشّران بالـ»إنتصار»؟ على أساس انه سوف يدخل التاريخ، أو «غينيس»، وهو وقواته، بأرقام «قياسية« من القتل والخطف والتعذيب والسرقة والتدمير للعمار… الخ؟ أم ان معناه العبثي الظاهر يبطن معنى آخر، مخفي، أعمق، تريد الصورة أن تنكره، من دون أن تنجح في حجبه تماماً؟

صحافي حاذق أراد، من غير قصد ربما، أن يوضح لنا معنى هذه «الانجازات» و»الإنتصارات»، فنقل إلينا معلومة مهمة من «مصادره». وهي تقول بأن «الأمنيين« لاحظوا أخيراً عمليات «رصد إسرائيلية وأطلسية لتحركات الأسد«. ما دفع «المولجين بأمن الرئيس السوري ومستشاريهم (غير السوريين في بعض المرات) الى فرض خطط تقضي بعدم التحرّك في عدد من الأماكن الحساسة«. لكن هذا لم يمنع الأسد من «إزعاج» الأمنيين في بعض التحركات ومخالفة نصائحهم»؛ ومن بين هذه التحركات، او بالأحرى من بين هذه «المخالفات» التي طُلب من الإعلام تغطيتها بالصورة، تلك الزيارة التي»أنجزها» الرئيس في داريا. فكانت الصورة وكان التصريح، الذي لا يظهر شيئاً، حسب هذا التفسير، قدر إظهاره للـ»الانجازات». هل فهمنا؟ هل أدركنا معنى الإنجاز الجوهري الذي حققه الأسد بأنه شرب حليب السباع، فـ»تجرأ» على نصائح مستشاريه السوريين وغير السوريين بالتجوّل في البلاد التي يعشقه أهلها؟ هل فهمنا؟…

ولكن ما عليك من هذه الدعاوي الباعثة على السخرية… وأدخل في الجد: لن تبحث كثيراً، لو أردتَ أن تجد ما يفيد «سوء التفاهم» هذا بيننا وبين معاني هذه الصورة. أنظر قريباً منك، وترى «إنتصاراً» مماثلاً و»إنجازات» شبيهة، في تلك التي تكبدناها في تموز 2006، عندما وقف حسن نصر الله على دمار حربها، وأعلن عن «إنتصاره التاريخي الإلهي الإستراتيجي» على اسرائيل. صحيح ان هذا الإعلان أعدّت له عقول إعلامية «ذكية» إستطاعت ان تفعل فعلها أكثر مما تمكن منه مصوّر بشار، بل كل جهازه الاعلامي، «الرسمي». ولكن بعد حين قليل، بانت ترجمة هذا النصر على الأرض، من انه نصر على اللبنانيين وغلبة على شؤونهم. وتنكّر فجّ لكل الخسائر الكبيرة التي مني بها لبنان واللبنانيون من جرائها، وكأن القتلى والدمار والخراب وتصدع لبنان نفسه…. ثمن «رخيص» لهذا الإنتصار. يقبض الحزب مقابله أغلى ما يشتهيه: الحفاظ على زينته، سلاحه: «فدى صبّاتَك… يا….!».

من غير العجيب ان يتحول بعد ذلك سلاح «الانتصار على العدو» الى سلاح الدفاع عن نظام بشار الأسد. فكلاهما يضمر المعنى نفسه للـ»الإنتصار«: الحليف والرديف لا يبصران تلال الخراب والفراغ اللذين يتسبب بهما هذا الإنتصار. لا يريان ذلك. انهم الآن بصدد شيء واحد، هو «إنقاذ» النظام من السقوط. الهدف ليس إنقاذ البلاد، بل النظام. من أجله ترخص كل الاشياء. كما كان في السابق، عندما كان يسأل النظام عن معنى «نجاحاته»، كان يهمس في الآذان، بأنه، بصرف النظر عن القمع والفساد والتعطل ونهب البلاد، فان نظامه «ناجح» والدليل على ذلك انه «باقٍ«. النجاح هو البقاء في السلطة، البقاء بالإمساك بمصائر الخليقة. كل ما عدا ذلك هراء.

اذن، عندما يتكلم النظام وحلفاؤه الممانعون عن إنجازات على الإرض وعن إنتصارات، لمجرد انهم قضوا على الحجر والبشر في المناطق التي «حرروها» بأطنان القنابل والبراميل والصواريخ… فعليك ان تتصور الباقي: الإعلان النهائي عن النصر الأسدي، إذا حانت ساعته، سوف يكون على بلاد مدماة، يترك بعضها للأموات ويأخذ قطعة منها يتحصن بدورعه البشرية من الذين سوف يستمر فوق رأسهم حكمه الخالد؛ وهذا واحد من «السيناريوات»…

وسوف يصدح بعد ذلك بأنه إنما «أنجز» و»انتصر». كما قال في داريا، كما سبق وقال في بابا عمرو. ولكن على ماذا؟

بالمقابل، مقابل هذا التهافت الواضح لمعنى الإنتصار عند بشار الأسد، ماذا في جعبة الثوار من تصور لمعنى انتصارهم؟

أول ما بدر عن هذه المعارضة، هو انها، مثل عدوها بشار، كانت تستعجله بلهفة عارمة: بعد شهرين أو ثلاث، سوف تنتصر… بعد هذه الواقعة العسكرية أو تلك، سوف يرحل بشار…

أجندة قوى المعارضة أيضا فيها إنتصار مستعجل، وتكبيرات الهية على كل ضربة صاروخ. عندما تصدرت صورة بشار وتصريحه أخبار البلاد، كانت هذه المعارضة تبدو أكثر تعقلا، ربما بسبب تراجعها على الارض. فـ»النجاحات العسكرية المبهرة» التي حققها بشار بيّنت، مع غيره من المؤشرات، كم ان القتال سوف يطول. فأخذت المعارضة نفسا طويلا، ومدت أفقها نحو الأبعد… ولكن هل تعتبر هذه المعارضة المعنى الأخير المستخَلص من تجارب المعارضة في ادارة المناطق المحررة؟ وهو يشي، حتى هذه اللحظة، بشيء من القرابة مع المعنى الأسدي للانتصار؟ أي التحكّم أكثر من الادارة، الهيمنة أكثر من الحرية المنشودة، والخراب والقتل والترهيب، كديكور مقبول لإعلان «الإنتصارات على الأرض«…

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى