صفحات الثقافة

الرسام السوري والفنان الرقمي تمام عزام: حين لا يأتي العالم إلى سوريا تذهب سوريا إلى العالم

 

أقصى درجات الإبداع تلتقي بأقصى درجات الدمار. “أنا السوري” معرض أقامه الرسام والفنان الرقمي السوري تمّام عزّام في بداية عام 2014 في بيروت ولندن، مستمرا في تقديم أعماله عن سوريا إلى صيف العام ذاته في معارض فنية عالمية مختلفة في أمريكا الشمالية وآسيا وأوروبا. مارتينا صبرا التقته في بيروت وتعرّف موقع قنطرة على فنّه.

اعتقد الكثيرون حينها أن شخصًا قد قام حقًا برسم مشهد القبلة الاستفزازي على واجهة مبنى في سوريا. لكن هذه الصورة كانت في الواقع صورة مركَّبة من أعمال الفنان السوري تمّام عزّام. ولوحة “غرافيتي الحرية” جزء من مشروعه الطويل الأمد “المتحف السوري”.

اختص الفنَّان تمام عزام، المولود في عام 1980، بالرسم أثناء دراسته الفنون الجميلة في دمشق. ويقول الفنان الذي يبدو متواضعًا: “لقد جرّبت في الأعوام الأخيرة الكثير من التقنيات الجديدة. وجرّبت العمل بموضوعات من بينها موضوعات مكتشفة. ولكنني لا أزال أفضِّل العمل كالسابق بالإكريليك أو الألوان الزيتية والقماش”.

لقد أدَّت الثورة السورية إلى تغيير حياة الفنَّان تمام عزام وأعماله تغييرًا تامًا. فبعد بضعة أسابيع قليلة فقط من بدء الثورة السورية في ربيع عام 2011 تم استدعاؤه إلى الخدمة الإجبارية في الجيش السوري. وفي فترة استدعائه إلى الجيش كان تمام يعيش ويعمل في دمشق.

اللجوء إلى المهجر

“كان من الواضح لي على الفور أنَّني لن أذهب إلى الجيش”، يقول تمام عزام، الذي تعود أصول أسرته إلى مدينة السويداء في جنوب غرب سوريا وينتمي إلى الطائفة الدرزية.

“لم أكن أريد الاضطرار إلى إطلاق الرصاص على أبناء وطني”. وهكذا سافر تمام عزام إلى دبي واستقر مؤقتًا هناك. وعن ذلك يقول: “لم يكن هذا سهلاً. فجأة لم يعد يوجد لديّ مرسم، ولا أية مواد عمل، لم يعد يوجد لدي أي شيء. ولكنني أردت الاستمرار في عملي الفنِّي. ولذلك استخدمت المواد التي كانت متاحة لي: جهاز الكمبيوتر والصور الرقمية”.

ومنذ انتقاله إلى دبي ينتج الفنَّان تمام عزام العديد من أعمال الكولاج والرسومات الرقمية، التي خلقت له في وقت قصير جدًا شهرة دولية تجاوزت حدود العالم العربي. إذ أثارت، على وجه الخصوص مجموعة أعماله الفنِّية الرقمية التي نشأت منذ عام 2012 تحت عنوان “المتحف السوري”، الكثير من الاهتمام العالمي.

والموضوع المتكرِّر في هذه الأعمال صور لمبانٍ سكنية مدمَّرة في سوريا؛ أماكن كانت تقدِّم في السابق الأمن والدفء والمودة، بيد أنَّها باتت مدمَّرة بجدران وغرف مفتوحة ومتصدّعة، وبإمكان أي شخص رؤية ما في داخلها.

يركِّب تمام عزام في صور الخراب والدمار ذات اللون الرمادي المائل إلى الأسود أجزاءً ملوَّنة غنية بالتناقض يستعيرها من لوحات ذات شهرة عالمية. حيث نشاهد في أحد أعماله أشخاص لوحة الفنَّان ماتيس المشهورين بلونهم البرتقالي المائل إلى الحمرة وهم يرقصون في شكل بيضوي فوق أكوام من الأنقاض، وكذلك جميلات بحر الجنوب للفرنسي بول غوغان يجلسن في مخيم للاجئين وينظرن أمامهن وهنّ غارقات في التفكير، وابتسامة الموناليزا في وسط كابوس من الخراب والدمار.

فهل تلتقي أقصى درجات الإبداع بأقصى درجات الدمار؟ – “ربما”، مثلما يقول تمام عزام ويضيف: “هذا يعتمد على نظرتكم”. إذ إنَّ الفنَّان يسعى إلى إظهار الحقائق مثلما يراها وليس إلى تفسيرها. ويقول: “أجل، أنا سوري، ولكنني لست ناطقًا بلسان أحد أو بوقاً لأحد. أنا أتحدَّث كفنَّان عن نفسي. أريد إثارة المشاهدين وحملهم على طرح الأسئلة: ربما تكون هذه الواجهة الملونة موجودة حقًا في مكان ما؟ وماذا كانت سوريا في الواقع قبل هذه الحرب؟ يجب علينا ألا ننسى الكنوز الثقافية العظيمة التي تمتلكها سوريا، وقد تم تدمير بعضها أو بات وجودها مهدّدًا”.

“لم أكن أريد الاضطرار إلى إطلاق الرصاص على أبناء وطني”، كما يقول تمام عزام. وهكذا سافر إلى دبي واستقر مؤقتًا هناك. وعن ذلك يقول: “لم يكن هذا سهلاً. فجأة لم يعد يوجد لديّ مرسم، ولا أية مواد عمل، لم يعد يوجد لدي أي شيء. ولكنني أردت الاستمرار في عملي الفنِّي. ولذلك استخدمت المواد التي كانت متاحة لي: جهاز الكمبيوتر والصور الرقمية”.

لقد وجد الفنَّان تمام عزام مع عائلته في دبي حتى الآن على الأقل مكانًا آمنًا للعيش والعمل. ولكن حالة الدمار ومعاناة الملايين من الناس لا تزال حاضرة في سوريا، وبالتالي لا يزال لديه أيضًا شعور بالعجز المطلق. يقول تمام عزام: “لقد أصبحت كفنَّان معروفًا على مستوى دولي من خلال الثورة السورية. كما أنَّ العلاقات بين الفنَّانين الغربيين والعرب على العموم تحسنت كثيرًا من خلال ما يعرف باسم الربيع العربي، والآن صارت تتم ملاحظتنا”.

ويضيف: “لكننا في آخر المطاف عاجزون كفنَّانين. حسنًا أنا أنتج عملاً وأدلي برأي فنِّي، بيد أنَّ هذا لا يغير أي شيء بالنسبة للناس في سوريا”. ويقول عن نفسه إنَّه يشعر أحيانًا وكأنَّه مصاب بالشلل: “كيف يمكننا الاهتمام بالفنّ بينما يُقتل في سوريا في يوم واحد فقط أكثر من 200 شخص؟ يجب علينا كفنَّانين أن نتحدى الواقع، ولكن نظرًا إلى الأحداث الراهنة والأوضاع السياسية فإنَّ الفنّ في الحقيقة لا يملك أية فرصة”. ولكن مع ذلك فهو يريد أن يتخذ موقفًا، وفق توضيح تمام عزام.

يظهر في سلسلة أخرى من الصور المركبة، التي تعدّ جزءاً من “المتحف السوري” أيضًا، مبنى سوري مُقتلع من محيطه ومعزول ومدمّر بفعل القصف – تحمله في الهواء باقة عملاقة من البالونات الملوّنة. وهذه الكتلة التي مزقها الرصاص تحوم بصورة حالمة غائبة وفي الوقت نفسه خطيرة – مرة من فوق البرلمان في لندن، ومرة أخرى من فوق برجي نيويورك اللذين تم تدميرهما في عام 2001.

“اليأس هو الحقيقة الوحيدة”

حول هذا العمل يقول تمام عزام: “حين لا يأتي العالم إلى سوريا، ولا ينظر إلى سوريا، فسوريا هي التي تذهب إلى العالم. لم يعد يوجد لدى الكثيرين من أهالي سوريا مكان يمكنهم العودة إليه. إذ لم تتعرَّض ديارهم سابقاً وحدها للخراب؛ بل إنَّ الموقع الجغرافي لم يعد موجودًا أيصًا. ولم يعد له وجود إلاَّ في الخيال”.

تعتبر أعمال الفنَّان تمام عزام متعددة الجوانب ومبهمة. وإذا نظرنا إليها عن كثب، فسنلاحظ أنَّ مراكز السلطة الدولية هي الأخرى معرَّضة لخطر الزوال. ويقول تمام عزام: “لقد ضيَّعت القوى العظمى الفرصة تلو الأخرى لوقف القتل في سوريا. لذلك فهي تعاني من أزمة أخلاقية عميقة”.

سألت الفنَّان تمام عزام حول رأيه في إمكانية إعادة إعمار سوريا. هز رأسه وأجابني أنَّه لا يرى في الوقت الراهن أية نهاية للقتال أو أي سبب يبعث على التفاؤل أو الثقة. وقال إنَّ “اليأس هو الحقيقة الوحيدة”.

“أنا السوري” – معرض أُقيم في بداية عام 2014 في لندن وفي لبنان كمشروع معرض مستقل. وإلى صيف عام 2014 يعرض تمام عزام أعمالًا فردية من هذا المشروع ضمن إطار معارض في أمريكا الشمالية وآسيا وأوروبا. وبعد أن فرغ من تجهيز مرسم جديد في دبي، يريد الفنَّان تمام عزام أن يتفرَّغ في المستقبل للرسم من جديد.

مارتينا صبرا

ترجمة: رائد الباش

تحرير: علي المخلافي

حقوق النشر: قنطرة 2014

صور ومعلومات أخرى في معرض الأيام

http://www.ayyamgallery.com/artists/list

يمكن الاطلاع على المزيد حول تمام عزام وكذلك حول الفنّ والثقافة السوريَّيْن الملتزمَيْن في موقع الإنترنت متعدد اللغات: “الذاكرة الإبداعية للثورة السورية”. يتم دعم هذا المشروع من قبل مؤسَّسة فريدريش إيبرت الألمانية ومن المعهد الثقافي الفرنسي في بيروت.

www.creativememory.org

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى