جولان حاجيصفحات الثقافة

الزناة


جولان حاجي

أسرِعْ. الآخرون يتقدّمون.

أسرِعْ، فالأمس مثل الغد ليس إلا توبيخاً.

لمسوكَ كأنك ميتٌ أو عدوّ

ودغدغوا بالريشة نفسها آذانَ القاصرات.

دُمِّرتِ الحياة، المأوى الأخير،

ثم اختلى كلُّ خائف بشظية سمّاها حياتَه

وتكوّمت الألفاظ قمامةً إثرَ زوبعة:

كان الزمن هادئاً كالعشب

صفير الببّغاء وراء ستارة الأرملة،

صبيّ طائرتُهُ يعسوبٌ مربوط بخيط،

وردةٌ تيبس على الغصن

اللون أوّل الراحلين،

الرائحة آخر ما يبقى.

شُمّ: ثمة ما يتعفّن.

كنّا نتلمّس الأقفال الأصغر من الطمأنينة

ونلمح بريق الجواب

في عين الميت المعلَّق إلى الجدار

فنغضي عن شهواتنا.

كلُّ عين يدٌ تخدّرنا بالخوف

تسألنا:

أين هي اللذّات؟

كيف كتمتُما صرخات الحبّ

تحت صور الموتى؟

¶¶¶

سيتآخى عشّاقُكِ.

سيكتب الغرباء حياتكِ:

إنها عقوبة حياتي.

انظري أفعى الصيادلة

تلتفّ وتبصق سمّها في اخضرار الكأس.

أبقى وعيناكِ تستعجلان انصرافي،

يدٌ تستبقيني

وأخرى كجناحٍ مقطوع تنهرني.

أنتزع عينيَّ

كبيضتين مقشَّرتين لطائر ميت داخل رأسي

لأضع مكانهما عينيك

حين نرى كم نحن وحيدان

إذا تلامس رأسانا مثل جرّتين فارغتين.

لن أتكلم

وكلّ كلمة تُلصِق بي

شيئاً أجهله، صفةً أكرهها، ظلاًّ يلاحقني…

فمن سيواري الذعر والخزي

تحت كلمة لن أنطقها؟

وهل ستحْيي لمسةٌ ما قتلَتْهُ لمسةٌ أخرى؟

نسينا لِمَ فتحنا الشبابيك فأوصدناها.

توقّفت الموسيقى ولم ننتبه.

تبخّرت ولم أشرَبْكِ.

دافئاً لا يزال، رقيقاً،

المصباحُ الذي أطفأتِهِ للتوّ،

وتلك الابتسامة توارت بين الردفين

كعين جنّيّ بعد زلزال.

¶¶¶

معدنُ حياتنا الضحكُ والأسى.

لا تقول القصص كيف أبهرَ الشرّ ألسنتَنا

أو تحت كلّ قناع

قلمٌ لا يكفّ عن تدوين الألم.

هذه اللحظات ميتات تراودنا

تبقّع الطلاءَ بلهاث مهرّجين

بأحاديث الزهو والحسرات

أو تنير العتمة بشتائم مَن لا يعرفنا.

وفي الأثناء يتغضّن الفم وتذوي الوجنتان

يترمّد الشعر وتشيب العانات.

تقدّمنا في السنّ:

هذا ما اقترفناه وعرفناه جيّداً.

لم نصرخ ولم نسافر بعيداً.

لم نحتجّ ولم نتذمّر.

كان السجن مفتوحاً على الدوام.

كنّا نتكلّم في غرف ليست لنا،

هامسين لتبتعد الكارثة،

وأجسادنا تتفكّك مثل خطواتِنا

والنوافذ مغلقة

لأن النور أقسى من اليقظة

والقتلة يترصّدون

والوشاة على الأدراج.

¶¶¶

أفكاري أبْردُ من يديكِ

أقسى من حلمة أفاقت بين أسنان غريب.

نفخة ستبعثرني بين الظلال

حيث تومض النذور والعلامات

ويهرم المؤرَّقون

وتبرد الأطباق كوجوهٍ تنسانا.

يثرثر الموت

حين تعبر يدي المائدةَ كعربة بطيئة من القشّ

ثم يبتعد عنا، غاضباً مثلنا،

ويترك هذا المنديل

وقصاصةً تحمل اسمكِ

كيلا تضيعي إذا خرجتِ.

¶¶¶

الحائط الذي ظننّاه بحراً بعيداً

سال أمامنا في مدينة أخرى.

بكتابكِ المستعار

أخفيتِ وجهي عن الموت، وأومأتِ:

خذني.

لي من الثلج حفنةٌ أقلّ من لقمة المشنوقين.

للمحارة حجراتٌ لا تحصى سيملأها الرمل،

فبأيِّها نلوذ؟

اسمعيني، أنا خائف،

تمثالٌ مقلوب نُقِشَ في جبهته “متْ”.

وهذا غباري يعلو هاتفاً كالأبكم في أذنيكِ

هذا غباري يختم الرسالة، شافياً جنون فمكِ.

لا تهلعي.

اسمعي الصوت يرفو جرحاً

ثم يبلع الإبرة.

اسمعي العجلات تمرّ.

النباحَ. الوشوشات. حفيف الصنوبرات.

الأبواقَ. الألم. الهديل.

لن أكترث بعبور الكلمة.

سأستريح كقصاصة في جيبي تحمل اسمكِ،

وبيننا ملاكٌ أعمى يُغضِبه الفجر

بيديه وهبتنِي هذه الأحجية،

هذا التلاشي.

¶¶¶

كذبتُ حين جلستُ

وخطَطتُ ما أنكره: النهاية.

لي ما للسكران أو القتيل:

عينان ذاهلتان لا تريان

كيف أدمى الرقص قدميكِ

حتى نعس الطريق تحت جوربيكِ الممزَّقين؛

كيف أخجلتكِ المرآةُ في قفصٍ فارغ على الكرسيّ،

فنمتِ كالخبز،

وبأيدٍ بِيضٍ كالصبر

قلّب أجدادنا صفحات نومكِ وأسكتوكِ؛

كيف وثقَتْ بكِ الغيمة

لأنكِ جسد في الضباب يتبع ظلَّه الطويل،

كلمة الضباب التي تُقلق العين.

هنا، حيث غرقتُ مضاءً بلعابكِ

وجذور النقود ممزَّقةٌ في قبضتي،

تسرقين جسدكِ وتعُدّين أنفاسه،

وحين تدير عنكبوتٌ عجلة الحرير،

خفيةً في شقوق البياض،

أنتِ السمكة، مخمورةً بالهواء،

تقبّله على الطريق إلى الشبكة.

هنا أنام كثيراً،

أحملق بمجرّات السقف كفلكيّ أعمى،

وجيزاً كلفافتي التي أحرقَتْ كتابكِ المستعار؛

أتخمّر مثلكِ

ثمرةً جُرِّحَتْ بأظفار مراهقين

ترجّلوا عن درّاجاتهم وقهقهوا ومَضوا،

وإذا أُكِلتِ، تفّاحةً أخيرة في صندوق بائع جوّال،

قدماي ستعيدان بقاياي إلى حيث غرقتُ

حيث عبق المستحمّات يغلّف الأرجاء

وينهب النسّاخون كلمات الموتى

فلا تدّعين شيئاً لكِ.

سأعود براحتين خاويتين

وحذاءٍ ثَقَبَ الجمر نعليه

لتلاقيني خطواتي التي أحبّتْ وانتظرتْ.

سأعود وأواصل العودة

ريثما ألمح نصلَ عشبةٍ لمعَتْ في نسيم التلال

وأنسى أختاً سكبتْ في جحر الأفعى حليباً

وفلقَت مشطها بسارية المزار.

لن يلتصق بالشوكة هواءُ الحالمين

إذا أُكِلْتُ،

ستلعق القطط بقايا الشواء عن أسياخ عظامي

ويترنّح الدخان مسرنماً مثلي،

فالرحلة انتهتْ قبل أن تبدأ:

كانت نيرانٌ على التلال

والحافلة تخرق الضباب

كطلقة تغوص في فرو حيوان نائم.

الرحلة انتهتْ قبل أن تنتهي

وما جنيتُ الإيماءاتُ، خفيفةً مبهمة

حاجبٌ يرتفع كندبة تتعافى

رقرقاتٌ في قعر بئر أو جوف حقيبة

دموعٌ تجوهرتْ في ظلام مهبل وأضاءتْ.

¶¶¶

ساهرين

مثل حجرين نائمين

تحت قمر الصيف، ممرّضتِنا العمياء،

أنقذنا أن الكلمات لا تُرى

ولا أحد يسمعنا،

لا النائمات كغبار العتبة

ولا المتأخّرون عن شؤم النهايات

ولا القادمون إلينا من دون أن يصلوا.

بين هذه الجدران

فمي الساكتُ معكِ يعارك غيابكِ،

نهداكِ يضيئان أصابع الضيف

وشَعرُكِ المرسَل يشاجر شعرَكِ القصير.

بين هذه الجدران

تطفو الكلمة عبر صمت الخوف

مثل ورقة تسقط بلا سبب:

هي ضجّةُ اللاأحد،

هِبةٌ للاأحد،

الكلمة تبحثُ عنكِ في فمِك.

النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى