صفحات العالم

العلة ليست في القوانين

 


مع اشتداد ضغط المطالبين بالتغيير في الشارع، لم يجد الرئيس السوري بشار الاسد سوى الوعد بالغاء العمل بقانون الطوارئ وانجاز بعض التعديلات الدستورية كمخرج وحيد للازمة، فاما ان يقبل المحتجون بما يشرعه المشترعون الذين لا يعملون الا في زمن الازمات وتحت الضغط، واما ان يواجهوا عواقب الأسوأ. لكن المشكلة في سوريا، كما المشكلة في تونس ومصر والجزائر واليمن ودول عربية أخرى، لم تكن يوما مشكلة قوانين ودستور وتشريعات، بل المشكلة كانت ولا تزال في وجود أجهزة امنية سياسية اشبه بالمحافل السرية، تتصرف دائماً خارج القانون وخارج الدستور وتحاسِب الجميع، لكنها لا تحاسَب.

فحتى لو طبقت هذه الدول أفضل التشريعات في العالم، فان ذلك لن يؤدي الى تغيير في واقع الديموقراطية والحياة السياسية قبل ازاحة تلك الاجهزة.والاجهزة المشكو منها اطلق عليها في مصر اسم “مباحث أمن الدولة” وقد تضخمت الى ان ابتلعت الدولة، وكان اسمها في تونس “الحرس الخاص” و”الشرطة السرية”، واسمها في اليمن “الامن السياسي”، واسماؤها في سوريا كثيرة ومتنوعة (وهنا مكمن مشكلة أكبر من نوع آخر).

وتحولت في كل هذه الدول جهاز أمن النظام لا أمن الشعب أو الدولة، وسخرت كل امكاناتها فقط للتنكيل بمعارضي النظام والتجسس عليهم. وتغلب “الامن السياسي” على “الامن الجنائي” فانتج كوارث وويلات.

وأدى تغليب “الامن السياسي” الى جرف الحياة السياسية تماماً وتصحيرها، وتحكم في المناصب الكبرى والصغرى في كل مؤسسات الدولة وحتى في المصالح الخاصة، الامر الذي أوجد حالا من الفساد بكل وجوهه. كما ان تجاهل “الامن الجنائي” لحساب “الامن السياسي” ادى الى انتشار مظاهر الانحلال الاجتماعي والفساد الاخلاقي.

المشكلة في سوريا ليست مشكلة طائفية. واذا كانت ثمة مشكلة كهذه فهي في المرتبة الثالثة، ذلك ان الغبن الطائفي يمكن تداركه بالامن الاجتماعي والمساواة في فرص العمل المتكافئة والعيش الكريم.

المشكلة اولا في من يتصرف من خارج القانون ومن فوقه، وثانيا في الفساد الناجم عن هذا السلوك والذي من شأنه ان يخل بالتوازن الاجتماعي.

وهكذا، فان الشجاعة لا تقتضي فقط الاقرار بوجود فساد وفاسدين وتعهد محاسبتهم، بل العودة الى أصل المشكلة ومعالجتها من جذورها، باخضاع الجميع لسيادة القانون اذا كان ذلك لا يزال ممكنا.

وعندها يمكن ان نرى نوعاً جديدا من الثورات العربية، وهو الثورة من فوق.

 

*نقلاً عن “النهار” اللبنانية

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى