صفحات الثقافة

الموت من شدّة الحياة


نديم جرجوره

الدم غزير. الجثث متناثرة في عراء الخيبة والدهشة والتحدّي. الدم وفير. الجثث تُعلن انتصار الإرداة على قمع سلطة حاقدة. لكنه الموت. الموت كثير. البلد برمّته يرزح تحت قسوة الموت. عشق الحياة، المتمثّل بمواجهة التنين القاتل، يُقابله موت كثير. الدم ساخن. الأرض مبتلّة به. الفضاء أيضاً. لكن تاريخاً مُشرِّفاً يُكتب به الآن.

هناك ازدواجية خانقة: لا يُمكن التغاضي عن براعة الاستشهاد السوري وجرأته في مقارعة الوحش. لكن مقارعة الوحش مُكلفة جداً. الطريق إلى الحرية والاستقلال والكرامة والعدالة مليئة بشتى أنواع الشقاء والتحدّيات. الحرية والاستقلال والكرامة والعدالة تستحقّ سلوك طريق كهذه. تستحق موتاً وتعرّضاً لأنماط كثيرة من التعذيب. تستحقّ معاندة ومثابرة وأوجاعاً. لكن الدم لا يتوقّف عن جعل الصورة أشدّ التباساً بين خوف من قوة البطش، ورغبة في خلاص حقيقيّ يُصنع بالدم والجثث والخراب. هذه ازدواجية خانقة: التحرّر من بطش السفّاح نابعٌ من عمق الصدام العنفيّ. السفّاح اعتاد القتل، ثقافة وممارسة وأسلوب عيش. الساعون إلى التحرّر منطلقون من جمال الحياة فيهم. منطلقون إلى جمال الحياة أيضاً. لكنهم يمرّون في الموت، محوّلينه إلى أداة تجعل القول فعلاً.

الدم السوري غال. يُشبه دماء أناس قارعوا تنانين بلادهم وما يئسوا. الجثث السورية غالية. تُشبه جثث أناس قالوا، بعفوية إنسانية صادقة، أن كفى. لكن الدم كثير. والجثث كثيرة. والخراب فظيع. والخارج أقوى نفوذاً وتسلّطاً في داخل مُرشَّح إلى مزيد من الدم والجثث والخراب. أرغبُ في حرية حقيقية لأناس أتقنوا توليد حماسة نموذجية في قلوب وعقول وأرواح: حماسة مواجهة التنين، ومقارعته. أرغبُ في تحقيق عدالة لهم. في صون كراماتهم. هذا أبسط حقّ لهم. هذا حقّ لهم في العيش. لكنّ الطريق مثقلة بجنون قاتل، ومُحمّلة بورع مقتولين. جنون مُدمِّر، وورع قابل لتشييد عمارة جديدة لن يجد القاتل مكاناً له فيها. أحتار أمام أناس يُتقنون ابتكار حماستهم من داخل الخراب. من داخل شدّة الخراب. يصنعون توقهم إلى الفرح من أعماق الشقاء. من أعماق قسوة الشقاء. الدم وفير. هذا مخيف. لكنه قدر. التاريخ قال هذا: الحرية مُحتاجة إلى دم. القاتل محتاج إلى دم. لكن دم الحرية أنقى، يمنحه أناس جعلهم القاتل شهداء.

[[[

أمام هول المشهد، تختفي الكلمات. أمام حماسة مقارعي التنين، تفقد الكلمات كل معنى. المعنى الوحيد كامنٌ في صُوَر أولئك المستمرّين في إقامة حدّ فاصل بين تقوقع وانفتاح. أو بين صمت وفعل. المعنى الوحيد كامنٌ في صُوَر أولئك المثابرين على ممارسة حقّهم في أن يكونوا بشراً ومواطنين. فهؤلاء «محكومون بالأمل». مُدركون لحظة انبثاق الفجر، لأنهم يُبدعون في صنعه. العارفون صناعة الفجر لا يمسّهم وهن أو جنون أو مذلّة.

أمام هول المشهد، تتلوّن الكلمات. سواء طغى الأحمر والأسود عليها، أو شكّل الأبيض حروفها.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى