صفحات العالم

جبهة نصرالله في مواجهة جبهة النصرة/ د. مازن شندب

ما حصل في الرويس منذ ايام موضوع يستأهل التوقف عنده، بالطبع نتحدث عن الانفجار الضخم الذي استهدف منطقة سكنية، تعتبر معقلا ديمغرافيا لحزب الله والطائفة الشيعية، أودى بحياة العشرات من القتلى والجرحى. ومما لا شك فيه ان الموضوع سيكون مثار جدل وتحليل من قبل المحللين والقارئين وسائر الدوائر السياسية والامنية في لبنان وخارج لبنان، بل والمنطقة والعالم. ومما لا شك فيه ايضا ان مختلف القوى والتيارات السياسية في لبنان والمنطقة ستستثمر في هذا الانفجار، لتؤكد وجهة نظرها السياسية، خصوصا تلك المناهضة لحزب الله او المتصارعة معه سياسيا. ففي لبنان، من الطبيعي ان تنطلق قوى الرابع عشر من اذار من هذا التفجير، لتؤكد رؤيتها القائلة بأن سلوكيات حزب الله وممارساته وخياراته وخطواته، هي التي دفعت الامور لتصل الى حد التفجير لا الانفجار، لاسيما خياراته السورية التي يجد فيها فريق لبناني واسع خروجا عن منطق المقاومة، بل خروجا عن متطلباتها، فمنطق المقاومة شيء ومتطلبات المقاومة شيء اخر، وفق منطق حزب الله والسيد حسن نصر الله، الذي كان صريحا وواضحا بما فيه الكفاية، عندما أعاد دخوله معركة القصير الى مقتضيات حماية ظهر المقاومة بعدما وجد ان حماية الخاصرة الزينبية في دمشق هو مناورة لا ترتقي الى مستوى المنطق الاستراتيجي الذي يريده. وفي المنطقة العربية والاسلامية الشرق أوسطية، فإن الدول التي تعتبر ما قام به حزب الله مغامرات غير محسوبة، ستجد، لا شك، في عملية الرويس، موطأ قدم جديد لرؤيتها السياسية المتناقضة مع رؤية حزب الله.

وعلى الرغم من ان هناك فصيلا اسلاميا تبنى عملية الرويس، وعلى الرغم من ان مصلحة حزب الله تقتضي توجيه الاتهام الى اسرائيل، وهو اتهام قد يأخذ اكثر من شكل، حسب التوظف السياسي والعسكري الذي يتطلع اليه حزب الله، فيتدرج من البيان الاعلامي السياسي الى البيان الاعلاني العسكري، ورغم قيام فرضية تورط اسرائيل بتفجير الرويس، لمصلحتها الاكيدة والحتمية في ذلك ولأكثر من سبب، الا ان القراءة السياسية والعلمية لتفجير الرويس والتفجير الذي سبقه قبل اسابيع قليلة، هي الاهم، لأنه أيا يكون القائم او المتورط او المرتكب لتفجير الرويس الدموي بشدة، فذلك لا يغير كثيرا من المراد والاهداف المرجو تحقيقها من انفجار كهذا.

بداية، يجب التسليم بأن انفجار الرويس هو عمل ارهابي بامتياز، على اعتبار ان كل خصائص ومقومات وسمات الفعل الارهابي متوفرة فيه. فهو عمل وان كان متوقعا الا انه فجائي، وهو جريمة استهدفت منطقة سكنية، وضحاياها من قتلى وجرحى هم من المدنيين. فهو عمل ارهابي لانه لم يستهدف مقرا عسكريا تابعا لحزب الله، ولم يستهدف دورية عسكرية تابعة لحزب الله. وهو عمل ارهابي لان احدا من خصوم حزب الله او الواقفين وراء العملية لم يقل ان القرار في هذا التفجير اتجه نحو استهداف السيد حسن نصر الله ففشلت العملية وحصل الانفجار حيثما حصل، وهي خصائص وسمات اعترف بها السيد نصر الله، عندما قال في مهرجان السادس عشر من اب/اغسطس، ‘ان ما جرى بالامس كان استهدافا للناس، لم يكن عملية اغتيال، لم يكن هناك كادر من حزب الله مستهدف، ولا مقر مستهدف لحزب الله، انما من ارتكب المجزرة في الضاحية كان يريد ان يلحق اكبر قدر ممكن من الاصابات في صفوف الناس′.

اذن وضع السيد نصر الله اصبعه على عين الحقيقة عندما حدد الهدف التكتيكي للانفجار، ألا وهو تحقيق اصابات في صفوف الناس، فناس المقاومة هم المستهدفون، كما قصد السيد نصر الله القول، لكنه أعاد هذا الاستهداف الى وقفات ناس المقاومة بوجه العدو الاسرائيلي، فهذه المجزرة، يقول امين عام حزب الله ‘تأتي في سياق هذه المعركة الكبيرة المفتوحة منذ عشرات السنين، وهذه من ادوات وتفاصيل هذه المعركة، ما دام هناك فريق يقاوم ويرفض الاستسلام للارادة الصهيونية والامريكية، فمن الطبيعي ان يتحمل هذا الفريق وبيئته الحاضنة’.

لم يكن السيد نصر الله مبالغا في هذا التكييف لما حصل، ولم يكن مبالغا في اجرامية الصهاينة، لكن الذي اعتدنا عليه مع الصهاينة هو التدمير والقصف والاجرام الذي تقوم بها القوات الاسرائيلية، فحتى عمليات التفجير التي قامت بها بحق المقاومة، كانت تستهدف شخصيات لحزب الله وليس البنية المجتمعية لحزب الله، بمعزل عن حزب الله وقادته السياسيين والامنيين والعسكريين، ذلك ان اسرائيل تدرك تمام الادراك ان استهدافها العلني للمناطق الشيعية في غير حالة الحرب، هو استهداف يقوي حزب الله وخطابه ويزيد من الالتصاق بينه وبينه جمهوره، وهو امر يجب انجاز عكسه تماما في هذه المرحلة، ففي هذه المرحلة نجد ان التركيز الاعلامي والسياسي ينصب على زرع فتنة شيعية شيعية، بين الشيعية السياسية والشيعية الشعبية، اذ يجب ان يقال للحضن الشعبي الذي يرتمي فيه حزب الله، ويرمي فيه كل خطواته، بأنك ذاهب الى الهلاك، اذا لم تقم بثني حزب الله عن خطواته الكبرى. واذا ما قرأنا عملية اختطاف الزوار في حلب، واظهار الجزيرة والعربية وفضائيات اخرى صورة القتل الكبير الذي يطال قوات حزب الله في سورية، وعملية بئر العبد ومن ثم عملية الرويس، لتوصلنا الى نتيجة تقول بأن الهدف واحد وهو دفع شيعة حزب الله الى الضغط عليه لتغيير مساراته.

وهذه هي لعبة الارهاب، ومن هنا تنبع خطورتها ومن هنا تتأتى عائداتها.

فلعبة الارهاب انطلاقا من جوهر ماهيته تقوم على ضرب مجموعة، بهدف زرع رعب في الشريحة الكبرى المماثلة لها، بهدف دفع هذه الشريحة الكبرى الى اتخاذ موقف سياسي يسعى اليه الواقف وراء الارهاب او المتطلع الى حدوثه. ولان تحقيق هذا الهدف لا يتحقق بعملية ارهابية واحدة، مهما علا شأن خطورتها تدميريا، فارتكاب المزيد من الارهاب هو بمثابة دق مسمار في جدار مسلح حتى تحدث الثغرة او الثقب.

غير ان إحداث هكذا ثقب في ذلك الحائط يقوم على حتمية تركيز الارهاب في المحل الذي يصيب تلك الشريحة المقصودة، فتوزيعه في جسد الوطن سيجعل الرعب شاملا، وفي الشمول يذوب التخصيص. وهي سمات وعاها السيد نصر الله ايضا، فحاول واشتغل على دفنها لحظة ولادتها، حيث قال السيد في خطاب السادس عشر من اغسطس ‘أمس وضعوها في الضاحية، ولكن غدا اين يمكن ان يضعوا هذه التفجيرات، الاسرائيلي لا يهمه اذا كانت الضاحية او لا والتكفيري كذلك، وهم يقتلون السنة كما يقتلون الشيعة، ويقتلون المسيحيين كما يقتلون المسلمين، ويفجرون المساجد كما الكنائس. مخطئ من يظن ان الجماعات التكفيرية اذا كانت وضعت السيارة المفخخة في الضاحية فلن تضعها في مكان اخر… ومن يظن ان هذا التهديد هو لمنطقة فهو مشتبه’.

لكنه حسن نصر الله الذي مهما ناور وراوغ يأبى الا ان يكون شجاعا، فبعد كل سياقاته الضرورية التي قصد عرضها، نجده يعود الى جمهوره ليقول لهم غمزا من القناة الاسرائيلية، ‘أوجه كلمة للناس خصوصا الذين اصيبوا امس وعائلاتهم، نعرف صبركم وشجاعتكم ووفاءكم والامتحان الاعظم والاكبر كان في تموز، ردة فعل هؤلاء الناس اثناء الحرب وبعدها، يريدون النيل من عزيمتكم ووفائكم لهذه المقاومة ونحن واثقون من وفائكم وهذا الهدف سيفشل’، ليذهب بعد ذلك الى ابعد من ذلك الى الامام غمزا من القناة السنية هذه المرة فيقول ‘ما نخشى منه ايها الناس وهو من اهداف هؤلاء القتلة هم جركم الى ردات فعل غير محسوبة، تؤدي الى الفتنة وخراب البلد’. ويبقى السؤال: هل سينال الارهاب متآمرا مع عوامل اخرى يضعها السيد نصر الله بالحسبان جيدا من حزب الله والمقاومة، أم سينال السيد نصر الله وحزبه من الارهاب والذين يعتبرهم متآمرين معه؟

يبدو ان السيد نصر الله قرر الذهاب بعيدا في الخيار والتحدي، فأحد ردوده على اي تفجير من النوع الرويسي الراسي على جبال قوته، كما يقول ‘انه اذا كان لدينا الف مقاتل في سورية سيصبحون الفين، واذا كان لدينا خمسة الاف مقاتل في سورية سيصبحون عشرة الاف، واذا احتاجت المعركة مع هؤلاء الارهابيين ان اذهب انا وكل حزب الله الى سورية فسنذهب الى سورية’.

‘ كاتب لبناني واستاذ في كلية الحقوق والعلوم السياسية بالجامعة اللبنانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى