برهان غليونحسين عبد العزيزسمير العيطةصفحات مميزةعلي العبداللهعمر قدور

دي ميستورا مرة أخرى –مقالات متنوعة-

دي ميستورا يجرب بدماء السوريين/ علي العبدالله

رغم المحصلة السلبية للمشاورات واللقاءات التي أجراها السيد دي ميستورا طوال الأشهر الأخيرة إلا انه لم يتورع عن طرح خطة عمل “تمهد الطريق لحل سياسي للصراع السوري”.

الخطة ظاهرها عملي يقوم على تشكيل مجموعات عمل متوازية مكونة من سوريين تتعامل مع المحاور الرئيسية لبيان جنيف وتطبيقه على مراحل تبدأ ببحث قضايا: الأمن وحماية الجميع ونقاش آليات التوصل إلى ذلك، بما فيها رفع عمليات الحصار وتأمين وصول المساعدات الطبية وإطلاق المعتقلين، إلى جانب أمور سياسية ودستورية بما في ذلك هيئة حكم انتقالية وانتخابات، كمدخل لوقف العنف والمضي قدما في العملية السياسية، “لا نستطيع أن ندع الوضع في سورية يواصل الانجراف، إننا بحاجة إلى التحرك في الاتجاه الذي يجمع السوريين لوقف العنف وتحديد مسار لا رجعة فيه نحو انتقال سياسي حقيقي”، كما قال في إحاطته أمام مجلس الأمن، وجوهرها، على الضد من ذلك، مجرد وبعيد عن الواقع. فقد لمس من خلال لقاءاته مع ممثلي النظام والمعارضات السورية، السياسية والعسكرية، أن الفجوة بين المواقف واسعة والخيارات المطروحة كثيرة إلى درجة استحالة إيجاد قواسم مشتركة بينها فـ”لا يوجد حتى الآن توافق في الآراء على بيان أو عقد مفاوضات رسمية جديدة بين أطراف الأزمة السورية بشأن كيفية المضي قدما لحلها” وفق ما قال في إحاطته. لقد سمع خلال زيارته الأخيرة إلى دمشق أن خيار النظام هو الحسم العسكري، وسمع قول رأس النظام “إن الحديث عن حل سياسي للازمة السوري أجوف وعديم المعنى”، واستبعاد وزير خارجيته وليد المعلم لـ جنيف3، ناهيك عن عشرات التصورات والمواقف التي سمعها خلال مشاوراته مع شخصيات من المعارضات السياسية والعسكرية والسقوف العالية التي انطوت عليها.

وغياب أرضية مشتركة بين النظام والمعارضة ليس العقبة الوحيدة أمام خطة السيد دي ميستورا بل هناك ما هو أخطر وأكثر تأثيرا: تعدد وتناقض المواقف الإقليمية والدولية حول طبيعة الحل السياسي وعدم وجود توافق على آليات تنفيذية تلبي المصالح المتعارضة، بل وشديدة التعارض، فقد سمع، خلال زيارته إلى طهران، كلاما إيرانيا عن خطة رباعية تشمل “وقفا شاملا للنار على المستوى الوطني، وتأليف حكومة وحدة وطنية تقتصر على ممثلين عن النظام ومعارضة الداخل، والمباشرة في وضع أسس نظام جديد لنقل صلاحيات رئاسية إلى الحكومة، بحيث تصبح هذه الحكومة مع مرور السنوات متمتعة بصلاحيات واسعة، وإعداد انتخابات رئاسية وبرلمانية”. في حين تتبنى روسيا، القلقة من تآكل قدرات الجيش وتهلهله كمؤسسة، كانت ترى فيه بؤرة نفوذها، ومن تراجع النظام عسكريا وإمساك إيران بالقوات الموازية، التي تدربها وتسلحها وتمولها، وإدارتها للعمليات العسكرية، خطة مختلفة قائمة على “انتخابات برلمانية مبكرة يشارك فيها جميع السوريين، بمن فيهم اللاجئون بعد حصولهم على الوثائق اللازمة، تنبثق من هذه الانتخابات حكومة انتقالية تتولى إعادة النظر في الدستور والإشراف على هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية، بمشاركة فاعلين في هذه المؤسسات من دون استبعاد أحد حتى أولئك الملطخة أيديهم، والاتفاق على ضمانات لرئيس النظام، بعد أن باتت مقتنعة بأن لا حل في ســــوريا مع بقائه في السلطة، والحلقة الضيقة المحيطة به”. بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إقناع مصر بتعديل موقفها بالابتعاد عن الموقف الإيراني والتطابق مع الموقف الأميركي السعودي من جهة، وتوثيق التفاهم والتنسيق السعودي التركي للتحرك مع الكتائب التي تدعمهما على الأرض لتشكيل قوة كبيرة ضاغطة تدفع النظام إلى القبول بالحل السياسي من جهة ثانية، وقد بدأت بخطوات عملية من خلال الاتفاق مع تركيا على استخدام قواعدها من قبل الطائرات الأميركية مقابل السماح لها بإقامة منطقة آمنة في المنطقة الفاصلة بين جرابلس وعفرين بطول 140 كم وبعمق نحو 40 كم حتى حدود مدينة حلب، تخرج “داعش” منها وتمنع تمدد وحدات حماية الشعب الكردية إليها، وقرارها بتقديم دعم جوي للمعارضة المعتدلة في حال تعرضها للهجوم حتى من قبل القوات الموالية للنظام. وهذا مع الأخذ بعين الاعتبار الاستحقاقات الداهمة، التي ستشغل دولا كثيرة عن الملف السوري، من اقتراب موسم الانتخابات الرئاسية الأميركية إلى الانتخابات البرلمانية الإيرانية واحتمال ذهاب تركيا إلى انتخابات برلمانية مبكرة وتداعيات عاصفة الحزم.

فإذا كان هدف التصور أن “يبقي الموضوع حيا”، كما قال دي ميستورا في إحاطته، وإعطاء انطباع بان الأمم المتحدة حاضرة في المشهد السوري وقادرة على لعب دور فاعل، بعد أن تجاهلتها الدول الفاعلة، إلا انه تسبب في ردود فعل سلبية لأنه تجاهل جوهر المشكلة وتحاشى الاصطدام بالدول المؤثرة في الصراع بعدم الاقتراب من العقبة الرئيسة: رفض النظام للحل السياسي وتمسكه بالخيار العسكري واستعداده للذهاب إلى النهاية دون اعتبار للنتائج المأساوية التي ستلحق بالبلاد والعباد، بالإضافة إلى تحاشيه الإعلان عن المسؤول عن هدر دم المواطنين وتدمير حياتهم ومستقبل أبنائهم، ما دفع الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة إلى انتقاده في بيان علني قال فيه:” لطالما عبَّر الائتلاف الوطني، بوصفه الممثل الشرعي للشعب السوري، عن التزامه بالحل السياسي وبيان جنيف وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، واستعداده للانخراط في عملية انتقال سياسي فعالة في سورية، بينما رفض النظام ذلك وأعاق جهود الأمم المتحدة على المستويين السياسي والإنساني، وهو الأمر الذي تجاهله المبعوث الخاص، وساوى، في مجافاة للحقيقة؛ بين الطرفين في تبني منطق الحلِّ العسكري، الأمر الذي ينطبق على النظام حصراً وهو يواصل حربه الوحشية على الشعب السوري”. هذا بالإضافة إلى الوقت الذي ستستغرقه الخطة واحتمال عدم وصول اللجان إلى اتفاق، والثمن الذي سيدفعه الشعب السوري في انتظار نتيجة خطة ليست مضمونة النتائج.

المدن

 

 

دي ميستورا والعقدة السوريّة/ حسين عبدالعزيز

يحاول مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سورية ستيفان دي ميستورا، اجتراح حلول للأزمة السورية المغلقة، فبدأ أول عهده بترك المستوى السياسي الذي فشل فشلاً ذريعاً مع خلفه الأخضر الإبراهيمي في مؤتمر «جنيف 2»، والانتقال إلى المستوى الميداني باقتراح وقف إطلاق للنار يبدأ في نقطة معينة (حلب)، ثم تعميمه إلى مناطق أخرى إن أمكن، كمقدّمة من شأنها أن تمهّد الطريق لمناقشة القضايا السياسية لاحقاً.

غير أن فشل المبادرة دفع دي ميستورا إلى تطوير مبادرته بجمع المستويين الميداني والسياسي معاً، وقام لأجل ذلك بجولات مكوكية خلال الأشهر الماضية، شملت عواصم إقليمية ودولية، فضلاً عن لقاءاته المتعددة مع النظام والمعارضة.

يقدم الرجل هذه المرة، مقترحاً يتضمن دعوة الأطراف السورية إلى محادثات متوازية أو متزامنة، عبر مجموعات عمل دولية وإقليمية تبحث مختلف قضايا المرحلة الانتقالية (الأمن، الإرهاب، السياسة)، يقابلها انتقال منظّم للحكم على مراحل بدلاً من مرحلة انتقالية واحدة أثبتت الأحداث فشلها في سوريا وليبيا والعراق.

بيد أن مقترح دي ميستورا سيلاقي مصير مقترحه السابق ومحاولات سابقيه الإبراهيمي وأنان، فالمسألة السورية لا تزال بعد خمس سنوات، محلّ اختلاف إقليمي ودولي عميق لم ينكره الرجل حين أعلن غياب التوافق الدولي حول بيان أو عقد مفاوضات رسمية جديدة بين أطراف الأزمة السورية.

ثم إن النظام السوري ما زال يرفض أي حل سياسي للأزمة، ويجد في محاربة الإرهاب ومخاوف المجتمع الدولي حجّة للهروب من الاستحقاقات السياسية، وليس أدلّ على ذلك ما أعلنه بشار الجعفري بعد انتهاء جلسة مجلس الأمن (محاربة الإرهاب تعتبر ضرورة وأولوية بالنسبة الى سوريـة، وإذا لم يـتم التعامل مع الإرهــاب كما يجب فلن تصبح العمليات والمسارات الأخرى مهمة)، وما أعلنه وليد المعلم قبل ذلك من أن دمـشق تـرفـض الدعـوة الى «جنيف 3» مقـابل دعمه عقــد «مــوسكو 3» الذي يعتمد مخرجات منتدي موسكو 1 و2 (محاربة الإرهاب).

وعليه، سيجد دي ميستورا نفسه في الفخّ الذي وقع فيه الإبراهيمي العام الماضي أثناء مؤتمر «جنيف 2»، حين أصرّ النظام على تطبيق بيان «جنيف 1» وفق تسلسله، أي البدء بمحاربة العنف والانتهاء منه ثم الانتقال إلى المستوى السياسي، وهذا طرح تعجيزي غير قابل للتطبيق، ويعكس رفض النظام أية تسوية قد تؤدي مستقبلاً إلى استبعاده من السلطة.

كما أن التطورات الميدانية التي جرت منذ ديسمبر (كانون الأول)، لصالح المعارضة المسلّحة مع سيطرة الفصائل المسلّحة على وادي الضيف، وما لحقها من تطورات إدلب في الشمال والقنيطرة ودرعا في الجنوب، قد عقّدت الحل السياسي أكثر مما حركته.

المعارضة المسلّحة والائتلاف رفعا من مستوى خطابهما برفضهما أية مرحلة انتقالية لا تستبعد الأسد، في استثمار سياسي للتطورات الميدانية، أما النظام الذي بدأ يعاني من ضعف واضح في المرحلة الأخيرة، فقد اتجه نحو التشدّد أكثر مما سبق، وليس مصادفة أن يتم الإعلان عن لاءاته الأربعة في الوقت الذي يشهد انتكاسات ميدانية واضحة: لا إعادة تشكيل للأجهزة الأمنية، لا إعادة لهيكلية الجيش، لا لأي تنازل من صلاحيات منصب الرئيس، لا تعديل في الدستور الحالي.

يحاول الطرفان تحقيق إنجازات ميدانية على الأرض قبيل الدخول في المفاوضات، وهذا ما يفسّر رفض الأطراف السورية جميعها جهود الأمم المتحدة لعقد «جنيف 3»، وفق ما أعلن دي ميستورا نفسه أمام مجلس الأمن.

والمفارقة الثانية، أن مؤتمرات المعارضة التي جرت في موسكو والقاهرة ودمشق وكازاخستان، لم تكن في صدد البحث عن حلول سياسية، بقدر ما كانت اصطفافات غايتها تثبيت الرؤى والمواقف للأطراف السورية وداعميها الإقليميين والدوليين، استعداداً لفرضها على أية مفاوضات مستقبلية.

لقد كشفت كلمة دي ميستورا أمام مجلس الأمن، فشله في الإتيان بجديد حول سورية، فالرجل لم يطرح حلولاً ولا مقدمات للحل، وإنما حاول تدوير الزوايا وإدخال فاعلين إقليميين في لعبة المفاوضات كانوا حتى الأمس القريب مستبعدين منها، وحتى الجديد الذي جاء به (مجموعة اتصال دولية خاصة بسورية) لن يخرج عن إطار محاولة المجتمع الدولي إدارة الأزمة لا حلّها.

* إعلامي وكاتب سوري

الحياة

 

 

 

 

لا صفقة سورية عاجلة/ عمر قدور

لم تنضج التسوية في سوريا بعد. هذا ما يمكن استنتاجه من تقرير المبعوث الدولي، ومن الاتصالات التي ستكون دول الخليج طرفاً فيها في الدوحة وموسكو، وأيضاً من قيام قوات النظام بهجوم مضاد واسع على أطراف محافظة إدلب المحاذية للساحل السوري مدعومة بحلفائها من الميليشيات الشيعية. رسالة الضعيف التي أرسلها بشار الأسد في خطابه الأخير من المرجح أنها وصلت إلى غاياتها. وصلت إلى حلفائه الذين يراهنون على صموده، على الأقل حتى تحين لحظة الصفقة الكبرى، ووصلت أيضاً إلى القوى الدولية التي سارت منذ بدء الثورة على نهج عدم السماح بسقوط النظام.

إذا استرجعنا حديث الخطوط الحمراء سيّىء الذكر بوسعنا القول أن ثلاثة منها تحكمت بالمسار السوري ولا تزال: إسقاط النظام عسكرياً خط أحمر، الساحل خط أحمر، دمشق خط أحمر. الخط الأحمر الوحيد الذي كان أمام النظام تم تجاوزه “بنجاح” في صفقة الكيماوي، فيما ليس مسموحاً لخصوم النظام وداعميهم تجاوز الخطوط الثلاثة، ولا يبدو أن هناك قدرة لدى الداعمين على معاندة الإدارة الأميركية راسمة تلك الخطوط. إننا بالأحرى أمام معادلة مستغلقة على الحل، فإذا تقدمت قوات النظام كان تقدمها مبرِّراً للإدارة الأميركية كي تدلل على عدم القدرة على إسقاطه، وإذا تقدمت قوات الأطراف الأخرى كان تقدمها مبرراً كي تبادر الإدارة إلى تحذير “أصدقائها” من مغبة انهيار النظام. أي أننا أمام معادلة محكمة لا يستفيد منها سوى النظام في حالتيها، مع عدم توافر القدرة على كسرها سياسياً وميدانياً حتى الآن.

كان ينقص الاتفاق الروسي الأميركي في سوريا التوافق شبه التام على أولوية “مكافحة الإرهاب”، وأن تتناسى الإدارة والغرب عموماً دور نظام الأسد في دعم المنظمات المصنفة إرهابية، وألا تتذكر من تعاطيه المزدوج سوى الجزء المتعلق بتقديمه معلومات للمخابرات الأمريكية عندما يشتد الضغط عليه، أو تكون هناك بوادر انفتاح تجاهه منها. لقد سعى وفد النظام في جنيف2 لتكريس أولوية مكافحة الإرهاب على التغيير، ونجح حلفاؤه الروس في إقناع الأميركيين بتقرير المبعوث الدولي الأخير. وفي حين أن هناك العديد من القوى العسكرية التي تقاتل النظام تُصنف إرهابية وفق القرارات الدولية، أو وفق تصنيف وزارة الخارجية الأميركية والاتحاد الأوروبي، فإن النظام نفسه ليس موضوعاً على اللائحة، وحتى الشخصيات الموضوعة على لائحة العقوبات غير مصنفة بصراحة إرهابية أو مجرمة حرب. ذلك يعني ضمناً أن الأولوية ليست للتغيير، ما يعني عدم استبعاد التحالف مع الأسد نفسه، أو على الأقل عدم اعتبار رحيله شرطاً لنجاح الحرب على الإرهاب، الأمر الذي يصر عليه العديد من الدول الإقليمية والمعارضة السورية.

آلية مسارات التفاوض الجزئية الأربعة التي يقترحها المبعوث الدولي تضمر أيضاً معرفته ألا حل عاجلاً في سوريا، وهي آلية تقترح أولاً تمرير المزيد من الوقت في انتظار أن تنضج الظروف الدولية والإقليمية للصفقة. لكنها من جانب آخر تكشف عن التوجهات المتفق عليها بين الإدارة الأميركية والروسية. فالوقت الذي تحتاجه الأخيرة منهما ليس ضاغطاً على الأولى. الروس يريدون مزيداً من الوقت لإقناع الإدارة الأميركية بحل التناقض الشكلي بين مطالبتها المزعومة برحيل الأسد وإصرارها على الإبقاء على النظام، من منطلق أن تنحي الأسد بأي شكل كان يعني انهيار النظام تلقائياً. أيضاً الحليف الإيراني يريد المزيد من الوقت لاستثمار “بركات” الاتفاق النووي الاقتصادية في مزيد من الدعم لحروبه الإقليمية، مع المراهنة على أن الأميركيين والغرب أسقطوا ضمنياً شرط رحيل الأسد، ولم يبقَ سوى الإقرار العلني بذلك.

وعندما نهمل المعارضة السورية من الاعتبارات السابقة فلأنها الأضعف شأناً، بل الطرف الذي لا يبدو مرئياً من قبل القوى الفاعلة، مثلما لم يعد ينال الاحترام من قبل شريحة متعاظمة من السوريين. وعلى رغم عدم المساواة أصلاً بين المعارضة والثورة إلا أن الأخيرة ومطالبها لم تعد حاضرة في “بازار” التسويات والصفقات المقبلة، فالقوى المتحكمة على الأرض وارتباطاتها الخارجية هي التي ستكون لها الأولوية، وهي التي قد تضع الملف السوري برمته كجزء من بين ملفات عديدة مفتوحة في المنطقة. هنا أيضاً تتعزز مراهنة حلفاء النظام. فإذا كان رحيل الزمرة المتورطة في الدم له الأولوية لدى غالبية السوريين فالأمر قد لا يكون كذلك، أو لا يبقى كذلك، لجهة داعمي الفصائل الكبرى التي تقاتل النظام. ولا ننسى أن داعمي الفصائل الإسلامية فوّتوا فرصة جيدة لدفعها إلى الاعتدال مع انتصاراتها في الشمال، ما حرمهم الاستفادة من الانتصارات، وجعلهم في موقع مَن يثبت مقولة: إما الأسد أو التطرف.

لن تكون هناك صفقة عاجلة تُفرض على القوى الإقليمية الفاعلة لأن القوى الفاعلة إقليمياً ودولياً غير مستعجلة. ولم تحن لحظة جني المكاسب الملائمة لكل منها، مثلما لم تحن لحظة التنازلات المؤلمة (ربما باستثناء الروس الذين يريدون استثمار المخاوف الأميركية من الإرهاب إلى أقصى حد… ولعله نوع من رد الدين فالإدارة الأمريكية سبق لها الاستثمار في الفيتو الروسي لتبرر تقاعسها إزاء المقتلة السورية). وفق المعطيات الحالية، سيتم استنزاف جميع الفرص والأطراف على أمل أن تُستنزف أثناءها “عقدة الأسد”. كلّ طرف لحساباته الخاصة يريد وصول الآخرين إلى قناعة مفادها “أن وجود الأسد أو تنحّيه سيان” بالمقارنة مع التعقيدات الأخرى. يبقى أن إقناع حلفاء الأسد بذلك أسهل من إقناع ملايين السوريين المُغيَّبين الذين لا يقبلون بأقل من تنحيه.

المدن

 

 

 

حاجة سورية إلى مبادرة دولية حقيقية/ برهان غليون

بعد تقديم كوفي عنان، المبعوث الأول للأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية، استقالته منذ حوالي ثلاث سنوات، استقر الرأي على أن السبب الرئيسي في فشل مهمته افتقار بيان جنيف الذي نال موافقة روسيا والولايات المتحدة إلى آلية للتطبيق، فاستصدرت الأمم المتحدة القرار رقم 262/67، بتاريخ 15 مايو/أيار عام 2013، ينص، في الفقرة 28، على تشكيل هيئة حكم تنفيذية كاملة الصلاحيات، تشارك فيها جميع الأطراف، وتتعاون في إطارها لإنجاز ما عجزت مفاوضات كوفي عنان عن إنجازه بسبب انعدام الثقة أو الإرادة. وفي الوقت نفسه، ضمان الانتقال السياسي الآمن مع الاحتفاظ بمؤسسات الدولة، وتعزيز دورها في سورية الجديدة. وقد رحبت المعارضة بالقرار، أولاً، لإدراكها استحالة الحسم العسكري مع تنامي الدعم الدولي لحكومة الأسد. وثانياً، لفداحة الخسائر السورية وحتمية التعاون بين جميع السوريين، من أجل مواجهة المشكلات والتحديات الناجمة عن طول أمد الحرب، والطابع التدميري والانتقامي الذي اتخذته، وما نجم عن ذلك من تدهور هائل وسريع في شروط حياة السوريين وانهيار الاقتصاد، وزيادة عدد اليتامى والمعتقلين والمعوقين والمشردين والجائعين، وانقسام الشعب وتنامي الأحقاد والمآسي الإنسانية. وأخيراً، لمواجهة تطور الإرهاب الداعشي الذي أصبح يسيطر على نصف مساحة البلاد، من دون الحديث عن مسألة إعادة الإعمار وتطبيق العدالة الانتقالية لقطع الطريق على سياسات الانتقام الفردي والشخصي، وترسيخ روح القانون. وبدت فكرة هذه الهيئة، في وقتها، إبداعية، لأنها تربط الانتقال نحو النظام الديمقراطي بتشكيل ما يشبه حكومة وحدة وطنية، تجمع بين طرفي النزاع، وتضمن الخروج بحل متوازن يحفظ المصالح الحيوية لجميع الأطراف، ويطمئنها، ويحظى بتأييدها.

وعلى هذا الأساس، عيّن الأخضر الإبراهمي مبعوثاً جديداً بمهمة أساسية، هي تشكيل هيئة الحكم الانتقالي التي ترتكز عليها العملية السياسية برمتها، بيد أن السبب الذي أفشل محادثات جنيف1، واضطر كوفي عنان لتقديم استقالته، هو نفسه الذي أفشل محادثات جنيف2، ودفع الأخضر الإبراهيمي إلى تقديم استقالة مماثلة، محملاً حكومة الأسد المسؤولية الرئيسية. وكانت الجولات الثلاث لمفاوضات جنيف2 قد أظهرت بالفعل رفض وفد النظام القاطع للانخراط في أي عملية مفاوضات، حتى بعد أن تفاهم المبعوث الدولي مع المعارضة على تعديل جدول الأعمال، وأقر البدء بنقاش مسألة الإرهاب، قبل الانتقال، في اليوم التالي، إلى نقاش تشكيل الهيئة الانتقالية.

“تحتاج سورية وشعبها، اليوم، إلى مبادرة سريعة وقوية لوقف القتل والتشريد والدمار، وإلى تدخل إسعافي دولي ومستعجل، قبل أن يفوت الأوان ونخسر كل شيء، وتخسر المنطقة والعالم الأمل في أي سلام أو استقرار”

كان من المنتظر من المبعوث الجديد، ستيفان دي ميستورا، الذي جاء بعد فشل مبعوثين سابقين، وكلاهما دبلوماسيان من الطراز الرفيع، أن يستفيد من الدرس، ويبدأ من حيث انتهيا، أي بتذليل العقبة الرئيسية التي عطلت مفاوضات الحل السياسي السوري، وهي، من دون أي تردد، رفض نظام الأسد الحديث في أي تغيير، وإصراره على كسب الوقت، مدعوماً بحلفائه الإقليميين والدوليين، للوصول إلى الحسم العسكري، وسحق الثورة والمعارضة. ولم يكن أمام دي ميستورا إلا طريقين لتجنب مصير سابقيه: إقناع طهران أو موسكو الكافلتين لحرب الأسد، بالتعاون الجدي لإكراه الأسد على التفاوض، وهو ما لم يحصل، أو تكريس الوقت والاستفادة من المشاورات الموسعة مع الأطراف السورية وغير السورية، لبناء تصور أفضل عن طبيعة هذه الهيئة ومهامها، وتقديم اقتراح للأمين العام بآلية تشكيلها، قبل عرضه على مجلس الأمن ووضع جميع الدول أمام مسؤولياتها في مواجهة تفاقم الأزمة الإنسانية، واتخاذ الحرب شكل التدمير المنهجي، والطرد المنظم للسكان، وأشكالاً مختلفة من التطهير الديني والعرقي والمذهبي.

لكن دي ميستورا، على الرغم مما أبداه من نيات حسنة، في القسم الأخير من مشاوراته وبعثته، لم يختر أياً من هذين الطريقين، وقرر أن يعيد الكرة إلى ملعب السوريين أنفسهم، ويطلب منهم التفاهم على تفسير بيان جنيف، قبل البدء في أي مفاوضات رسمية، وبدا وكأنه يعتقد، بالفعل، أن جرّ حسن عبد العظيم وخالد خوجة ولؤي حسين، وغيرهم من شخصيات مدنية، إلى جانب بعض عناصر المخابرات وشبيحة نظام الأسد، على طاولة واحدة، كاف لفتح ثغرة في الاستعصاء القائم، وتعبيد الطريق نحو مفاوضات جدية، تنهي حرب الأعوام الخمسة. هذا في الوقت الذي لم يعد يخفى فيه على أحد أن السوريين فقدوا السيطرة على قرارهم والتحكم بمصيرهم، وأصبحوا، في أفضل التقديرات، شركاء في حروب بالوكالة، تتبارى فيها القوى الإقليمية والدولية في استخدام العنف والشناعة والتدمير. وأصبح من الواضح لكل متابع أن من يطلب من السوريين أن يتوصلوا إلى تفاهم واتفاق في ظروف تجاذبات القوى الإقليمية واستثماراتها الهائلة في الحرب السورية كمن يطلب من غرقى في بحر متلاطم الأمواج أن يتقاربوا ويتعانقوا. ولو أيد مجلس الأمن هذه الخطة الجديدة وتبناها، لما كان لذلك سوى معنى واحد، هو تأكيد إصرار المجتمع الدولي على التهرب من مسؤولياته، وترك السوريين ينشوون بنار حقد الآخرين وحروبهم، بعد أن دمر بلادهم حقد حكامهم.

لا يعني ذلك أنه لا فائدة، أو ليس هناك ضرورة، لحوار السوريين حول جميع الموضوعات المطروحة، وإنما يعني أن مثل هذا الحوار لن يكون ممكناً، ولن ينتج أي حل، وستبقى سورية تتخبط في دمائها أكثر، فريسة سائغة للحروب الإقليمية التي تجري على أرضها، وبمباركة الأمم المتحدة وتأييدها، ما لم يقم المجتمع الدولي بواجباته، ويضع حدّاً لحروب الوكالة، أو يتدخل لتحرير السوريين منها.

لا يكفي أن تواسي الأمم المتحدة السوريين بإرسال مبعوث خاص، يشهد على انقسامهم، ويحذرهم من غرقهم. المطلوب من الأمم المتحدة أن تدفع للسوريين الغرقى، أو الذين هم على وشك الغرق، قاربَ نجاة قادر على إنقاذهم، ومسؤولية المبعوث الدولي تقديم تصور لصناعة هذا القارب القادر على التقاطهم وجمعهم بالذات.

تحتاج سورية وشعبها، اليوم، إلى مبادرة سريعة وقوية لوقف القتل والتشريد والدمار، وإلى تدخل إسعافي دولي ومستعجل، قبل أن يفوت الأوان ونخسر كل شيء، وتخسر المنطقة والعالم الأمل في أي سلام أو استقرار. وإلا لن يكون نصيب السوريين من مقترحات دي ميستورا لإخراجهم من المحنة أفضل من نصيب ضيف جحا الذي جلس، ليلة كاملة، ينتظر طهو طعام وضعه مضيفه في قدر علق في السقف، وتحته على الأرض شمعة تكاد تلفظ أنفاسها.

ليس المبعوث الدولي وحده المسؤول عن غياب روح المبادرة والعمل الجدي في موضوع الحرب السورية، فهناك قوى إقليمية وداخلية عديدة تريد ذلك، لأنها تعتقد أن من مصلحتها ترك الأمور لمزيد من الاقتتال والفوضى. كما أن المبعوث الدولي يقع، مثل أوساط دبلوماسية دولية كثيرة، بما فيهم من يدّعي الصداقة للشعب السوري، ضحية ميل جارف لجعل الحرب ضد الإرهاب المحور الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، للسياسة الإقليمية، والسعي إلى دفع جميع القوى المتنازعة للاتحاد من حولها، وفرض هذا الاتحاد ضد الإرهاب أجندة وحيدة للسياسة الدولية والإقليمية والوطنية، بديلاً لجميع الأجندات الأخرى، وفي مقدمها الأجندة الديمقراطية التي كانت المحرك العميق لثورات الربيع العربي، وما تعنيه من إرادة الخلاص من النظم الاستبدادية، وكل ما ارتبط بها من ظلم واضطهاد واغتيال لحريات الأفراد وكرامتهم وسيادة الشعوب، والانتقال نحو نظم تعددية ومدنية تخضع لإرادة الأفراد، وترد على حاجاتهم وتطلعاتهم. وهذا هو موطن التوافق والإجماع بين السياستين، الأميركية والروسية، في الشرق الأوسط، وفي سورية خصوصاً، والكثير من حلفائهما أيضاً. وربما لا تبتعد رؤية نظم عربية عديدة عن هذه الرؤية، ورغبتهم في الانسياق وراءها، خصوصاً وأن لمعظمها مصلحة في أن تتجنب الحديث عن انتقال سياسي، أو إصلاح. ولا يخرج تقرير دي ميستورا عن ذلك.

“من يقف في وجه الحل السياسي للخروج من الحرب الدموية، الدائرة منذ سنوات، هو، بالدرجة الأولى، النظام الذي يرفض التخلي عن الحكم، ومناقشة صيغة متفاوض عليها”

لكن، مهما كان الحال، إن رمي الكرة في ملعب السوريين من جديد، بعد تهميشهم، وإبعادهم عن أي مركز قرار يتعلق بمصيرهم، والتذرع بالحرب على الإرهاب الداعشي، لصرف النظر عن إرهاب الدولة الأسدي، والتستر عليه، بدل التصدي للعقدة الحقيقية التي تحول دون التقدم في طريق الحل، هو برهان إضافي على تخلي المجتمع الدولي، وفي مقدمه الأمم المتحدة، عن مسؤولياته، وتركه الشعب السوري ضحية أطماع الدول وصراعاتها التي دمرت أسس وجوده ووحدته.

لا ينبغي، ولم يعد من المسموح للأمم المتحدة وللدول الكبرى أن تغطي الشمس بغربال. من يقف في وجه الحل السياسي للخروج من الحرب الدموية، الدائرة منذ سنوات، هو، بالدرجة الأولى، النظام الذي يرفض التخلي عن الحكم، ومناقشة صيغة متفاوض عليها، كما نصت قرارات الأمم المتحدة، وقبلت المعارضة برمتها، لوضع أسس الحكم الديمقراطي والتعددي الجديد، الذي لن تقوم لسورية قائمة، بعد الآن، من دونه. وهو، بالدرجة الثانية، طهران التي تريد فرض وصايتها على دمشق، وتحلم بتحويل سورية إلى درة العقد في إمبرطورية تحلم بإنشائها في الشرق الأوسط منذ عقود، كي ما تتحول إلى قوة دولية، تنافس القوى الكبرى في الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها، وتطمح إلى أن تضع نفسها بين كبار الكبار. وهو، بالدرجة الثالثة، تل أبيب التي طالما حلمت بمحو سورية من الخريطة الشرق أوسطية، حتى تضمن دفن ملف القضية الفلسطينية نهائياً، وضم ما تستطيع من أراض عربية وإلحاقها بها.

وما لم تجمع الأمم المتحدة وأصدقاء الشعب السوري المفترضون شجاعتهم، أو ما تبقى لديهم منها، ويعلنوا موقفاً واضحاً مما يجري، ويعملوا على إعادة فرض احترام سيادة الدول، وإرادة الشعوب، فسنخسر سورية والحرب ضد الإرهاب معاً، ولن يبقى لوجود الأمم المتحدة أي صدقية، أو مشروعية.

العربي الجديد

 

 

 

 

دي ميستورا و”خراب البصرة”/ سمير العيطة

لم يكن كثيرون يتوقّعون أن يأتي المبعوث الدوليّ ستيفان دي ميستورا وفريقه بتقريرٍ بهذه الجرأة. ودليل هذه الجرأة الدعم المباشر الذي تلقّاه من الأمين العام للأمم المتحدة أثناء عرضه في مجلس الأمن، «قبل أن يفوت الأوان لإنقاذ ما تبقّى من سوريا». والدليل الآخر هو الوقت الذي يتطلّبه إصدار بيان رئاسيّ من مجلس الأمن يُعطي لهذه المقترحات شرعيّتها الدوليّة، برغم موافقة الأعضاء الخمسة عشر بالإجماع عليه. في الآن ذاته، تسارعت المشاورات بين القوى الكبرى وتلك الإقليميّة لوضع إطارٍ لحلٍّ للصراع، كان أوّلى نتائجها التوافق الأميركي الروسيّ على قرارٍ في مجلس الأمن حول التحقّق من مسؤوليّة استخدام الأسلحة الكيميائيّة والمحاسبة عليه. ما يعني أنّ الإطار لن يكون بحالٍ من الأحوال عودةً إلى الوراء. إلاّ أنّه لا يُنتظَر أن يأتي المخرج الحقيقيّ من الصراع السوريّ، إن أتى، قبل تصويت الكونغرس الأميركي على الاتفاق النوويّ الإيرانيّ وانطلاق آليّات تنفيذه.

انطلاقاً من ذلك، أوضح المبعوث الدوليّ أنّ الظروف لم تنضُج بعد لإجراء مفاوضات «جنيف 3»، خاصّة من خلال الفهم المنتقَص لبيان جنيف أنّه يعني ببساطة نقل السلطة في سوريا نحو المعارضة السياسيّة وتشكيلاتها المعروفة. وكالعادة، شكّل هذا «التأجيل لجنيف 3» مفاجأةً، بل إحباطاً، لتلك التشكيلات، لأنّ الأمور لم تأتِ بحسب توقّعاتها أو آمالها المعقودة. هذه المعارضة عرفت مؤخّراً انقسامات وتجميعات تحضيراً لهذه المفاوضات التي ترى أنّها يجب أن تقودها، شاهرةً خطاباً يعود إلى صيف 2012، أي إلى ما قبل الحرب الشاملة وظهور «داعش» و «النصرة» وشاكلاتهما، وانخراط إيران وتركيا مباشرةً في الصراع السوريّ. وربّما أتت المفاجأة هذه المرّة أيضاً من مخاتلة دولٍ بعينها وأخذها مصالحها وحدها بعين الاعتبار.

إلاّ أنّ هذا التأجيل كان يمكن توقّعه عبر قراءة متأنيّة لخطاب رأس السلطة الأخير، الذي أبعد بيده إمكانيّات التفاوض حول نقل السلطة حتّى في موسكو. وقبل ذلك من خلال اتساع المشاورات التي قام بها فريق المبعوث الدوليّ مع الفعاليّات السوريّة المختلفة وبينها الفصائل المسلّحة ومنظّمات المجتمع المدنيّ السوريّة، لما هو أبعد بكثير من تشكيلات المعارضة المعروفة.

التوضيح الثاني الذي جاء في هذا التقرير هو المطالبة بإنشاء مجموعة عمل دوليّة تخلق توافقاً بين جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن والدول الإقليميّة المنخرِطة في الصراع السوريّ. ما يعني وضع البحث عن هذا التوافق الدوليّ الشامل في الأولويّة حتّى يكون هناك رعاية حقيقيّة للتفاوض بين السوريين ولإعطاء الإطار الإجماليّ للحلّ. وما يعني أيضاً تخطّي مرحلة من تاريخ الصراع السوري تواجدت فيها مجموعة دول تحت تسمية «أصدقاء سوريا» أو «المجموعة الأساسيّة core group» تدعم بعض جهات المعارضة بمواجهة دولٍ أخرى تدعم السلطة ودول أخرى «محايدة». هكذا، أوضح التقرير الأمميّ أنّ الانقسامات الدوليّة السابقة لا يُمكن أن تؤدّي سوى إلى استمرار الصراع نحو هاوية أكبر، ممّا لا يتوافق مع الخطر الذي باتت تشكّله «الطائفيّة والتطرّف» على الجميع.

بالطبع، أتى هذا الاقتراح أساساً نتيجة لتلمّسٍ أميركي – روسيّ مشترك لأطر حلّ الصراع. لكنّ صعوبات كبيرة ستعترضه، سواء من جرّاء اختلافات ما زالت قائمة بين بعض الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، أو انطلاقاً من الإشكاليّات التي تعترض أخذ الفرقاء الإقليميين الفاعلين في الأزمة السوريّة، أي إيران وتركيا والسعودية خاصّةً، إلى طاولة تفاوضٍ واحدة برغم التضارب الكبير في مصالحها وتداخل الصراع في سوريا مع قضايا أخرى ذات أهميّة جوهريّة بالنسبة لها. وما نشهده اليوم من لقاءات دوليّة مكثّفة ومتسارعة يأتي في هذا السياق.

اقترح فريق المبعوث الدوليّ أيضاً إطلاق حوارات سوريّة ـ سوريّة موسّعة في أربع مجموعات عمل على مراحل، ستضمّ حُكماً أشخاصاً قريبين من الحكم القائم وآخرين من المعارضة، لكن لما هو أوسع من المعارضة السياسيّة المعروفة. كي تضع مجموعات العمل هذه توافقات وأطراً مبدئيّة بانتظار مرحلة تالية ستشكّل هي التفاوض.

الموضوع ذو الأولويّة لمجموعات العمل هذه هو «ضمان الأمن والحماية للجميع، وإنهاء حالات الحصار وكيفيّة القيام بذلك بشكلٍ فعليّ، وتأمين الطبابة، وإطلاق سراح المعتقلين». في حين لا يأتي موضوع «جسم الحكم الانتقالي» والأسس التي يمكن بناؤه عليها إلاّ في خطوة ثانية. ويُمكن تصوّر أنّ هناك نقاشاً وتفاوضاً يدور حول تزامن العمل ضمن مجموعات العمل الأربع، أم أنّ الأمر سيتمّ مرحلةً تلو الأخرى، مثلما كان يظهر في الطروحات حول ضرورة «إجراءات بناء ثقة» قبل التفاوض حول صيغة حكم.

الأفضل هو أن يكون العمل على المحاور الأربعة بشكلٍ متزامن انطلاقاً من أنّ الصراع السوريّ له مستويات مختلفة، عسكريّة وإنسانيّة وسياسيّة، وأنّ التفاوض حُكماً متعدّد الأطراف وله أبعاد مناطقيّة، وأنّ التشنّج القائم طائفيّاً وقوميّاً وسياسيّاً وبين الأجيال عميق… إذ بيّن استطلع رأيٍ صدر حديثاً، أنّ السوريّين الشباب والأكثر فقراً هم الذين يرفضون الحلّ السياسيّ أكثر من غيرهم، في حين هم الذين يعانون أكثر من الحرب وسيعانون من استمرارها.

وبالطبع، الأفضل هو أن تشمل مجموعات العمل أوسع طيفٍ من السوريين، بعيداً عن قضايا المحاصصة السياسيّة، وأن يتمّ خلق مرجعيّة لهذه العمليّة تعمل على التنسيق بين مجموعات العمل المختلفة كي يتمّ التفاوض بشكلٍ يربط المستويات المختلفة ببعضها البعض بغية ترسيخ مناخ محايد للتفاوض كما هو مطلوب للمرحلة الانتقاليّة، ومنصوص عليه في بيان «جنيف 1».

هناك جرأة حقيقيّة في هذا الطرح. لكنّ نجاحه يتطلّب انخراط السوريين على الجانبين في الجهد المطلوب لإيجاد حلٍّ لقضاياهم. مثال ذلك انخراط الهلال الأحمر الذي يعمل في مناطق سيطرة الدولة كما المنظّمات الطبيّة التي تعمل في المناطق الأخرى سويّة لخلق تعاونٍ فعّال لخدمة السوريين أينما كانوا. ولا شكّ في أنّ تبنّي مجلس الأمن لهذا الاقتراح سيسهّل الأمر. لكنّ الصعوبة الأكبر ستكمن في مجموعة العمل المختصّة بـ «الشؤون العسكريّة والأمنيّة، بما فيها مكافحة الإرهاب بشكلٍ فعليّ وشاملٍ من الجميع، ووقف إطلاق النار والاندماج». إذ ستذهب الأمور حُكماً إلى إحداث القطيعة بين فصائل المعارضة المسلّحة التي تلتزم بوطن المساواة في المواطنة وبين التنظيمات المتطرّفة وخاصّة الأجنبيّة منها. وكذلك الأمر بين الجيش السوريّ والفصائل غير السوريّة التي تقاتل إلى جانبه.

هذا الطرح الجريء لا يعني بالضرورة أنّ حلّ الصراع السوريّ على الأبواب. فالتوافق الإقليميّ ما زال صعب المنال ويحتاج إلى وقت. والأمر كذلك بالنسبة للتوافقات السوريّة – السوريّة الضروريّة. إلاّ أنّ تبنّي مجلس الأمن لاقتراح المبعوث الدوليّ يعني أنّ هناك نافذة للحلّ ستُفتح لبضعة أشهر قبل «خراب البصرة»، يُمكن أن يضمنها المجتمع الدولي. وانخراط السوريين في هذه الآليّة هو جهدٌ ومخاطرة ربّما أشدّ وطأةً وأصعب من الحرب. إذ إنّ الذين لا يريدون حلاًّ سيلجؤون إلى التصعيد بالتحديد لإقفال هذه النافذة الصغيرة.

السفير

 

 

 

 

طويلة في سوريا/ علي بردى

يحاول المبعوث الخاص للأمم المتحدة الى سوريا ستيفان دو ميستورا وضع تصور لتلافي تجربتي العراق وليبيا. يرى الترياق – ككثيرين آخرين – في بيان جنيف على رغم الخلافات على تفسير بنوده. يعتقد أنه يشكل إطار العمل الوحيد المتوافق عليه دولياً لتسوية الأزمة على رغم ما فيه من غموض. يقتنع الآن بضرورة اطلاق عملية انتقالية تدريجية تحت السيطرة وتدار على مراحل.

باختصار، يستنتج البعض أن “اختبارات الإجهاد” والمشاورات التي أجراها دو ميستورا مع ٢١٦ شخصية سورية وغير سورية خلال الأشهر الاخيرة لم تؤد الى أي جديد. المطلوب “تفعيل” هذا البيان وتنفيذ بنده الأحجية المتعلق بتشكيل هيئة حكومية انتقالية تحظى بكامل الصلاحيات التنفيذية بموافقة جميع الأطراف المعنيين. بلى، ثمة جديد يتعلق بالشكل على الأقل. صارت ايران جزءاً من المشاورات الجارية والمساعي من أجل ايجاد حلّ للأزمة الطاحنة المتواصلة منذ أكثر من أربع سنوات. استبعدت في المرات السابقة لأنها كانت “جزءاً من المشكلة”. ماذا تغيّر؟ تزامن هذا التطور مع المفاوضات التي أفضت الى اتفاق فيينا في شأن البرنامج النووي الايراني. غير أن طهران لم تعترف قط، على الأقل حتى الآن، بأن بيان جنيف، الذي توصل اليه المفاوضون الأميركيون بقيادة هيلاري رودهام كلينتون والروس بقيادة سيرغي لافروف في ٣٠ حزيران ٢٠١٢، هو أساس الحل في سوريا. لا بد أن هذا الأمر يبعث على التشاؤم.

ثمة توافق عام على ضرورة التعامل مع جذر الأزمة السورية: الإستبداد. بيد أن صعود “الدولة الإسلامية – داعش” وغيرها من الجماعات التي تعتنق مذهب “القاعدة” في الإرهاب يثير الخوف. يخشى كثيرون أن ترفرف الرايات السود فوق دمشق. يعتقد دو ميستورا أن أولويات المواجهة مع هذا الخطر تفترض تشكيل حكومة جديدة ذات صدقية يرى فيها السوريون وغير السوريين شريكة في الحرب الدولية على الإرهاب. غير أنه لم يعثر بعد على مفتاح الشروع في عملية انتقالية “ذات مغزى ولا رجعة عنها”. يدعو أطراف الأزمة الى الانخراط في مجموعات عمل وشكل آخر من النقاشات. يأمل في التوصل الى تفاهمات مشتركة على اقتراحات قدمت خلال الجولة الأولى من المشاورات. يضرب في الرمل والحصى برهانه على قدرة السوريين على ايجاد صيغة مكتوبة لإطار عمل يؤسس للهيئة الحكومية الإنتقالية وفقاً لبيان جنيف. هناك الكثير من الانتظار كي تظهر تأثيرات مجموعة الاتصال الدولية التي يسعى اليها دعماً لمساعيه الحميدة.

كل شيء يحتاج الى وقت. الولايات المتحدة تقترب من موسم انتخاباتها الرئاسية. السعودية تبلور قيادتها الجديدة. تركيا ترتب أولوياتها. ايران تجري قريباً انتخاباتها النيابية. كل هؤلاء سيساهمون في رسم مستقبل سوريا. لا بد من عملية انتقالية على مراحل.

النهار

 

 

 

نحو إغراق الأزمة السوريّة في محاربة الإرهاب/ عبدالوهاب بدرخان

إذا لم يكن ستيفان دي ميستورا جزءاً من المشكلة في سورية، فقد يكون في صدد أن يصبح كذلك، على غرار ما فعل جمال بن عمر في اليمن، وما كاد يفعل برناردينو ليون في ليبيا لولا استدراكه الخطأ جزئياً، علماً أنه لا يزال مؤهّلاً للسقوط. لم تعد ديبلوماسية الأمم المتحدة ترتكز على قرارات مجلس الأمن، وضرورة تنفيذها، بل صار المبعوثون يباشرون فوراً التعامل مع قوى الأمر الواقع لا لاجتذابها الى القانون الدولي، أو حتى لاحترام ما يكون متوَافَقاً على أنها «دساتير» بلدانهم، وإنما لتكييف القانون الدولي مع تفلّت تلك القوى من أي قانون على الإطلاق. فالحل الأمثل في اليمن هو ما ظنّ بن عمر أن في إمكانه بناءه مع الحوثيين في سعيهم الى اختراق الدولة ثم إلغائها، وهو ما اعتقده ليون حين أراد تركيب كيمياء التقاسم بين مَن الشرعي وغير الشرعي، ساعياً الى تذويب سموم برلمان منتهية صلاحيته في ترياق برلمان منتخب، وهو ما يحاوله أيضاً دي ميستورا بالتوجّه الى إلغاء صيغة جنيف (هيئة حكم انتقالي) مع تأكيده تكراراً العمل من خلالها، وعذره أن الولايات المتحدة وروسيا متوافقتان على أمر واحد: بقاء نظام بشار الأسد.

ويبدو أن تجربتَي كوفي أنان والأخضر الابراهيمي في سورية علّمتا جميع المبعوثين، لا سيما دي ميستورا، أنه عندما تكون المعالجة متعذّرة وفقاً للمعايير المعروفة فلا بدّ من الاستنباط، لا لإيجاد حلول بل لإدامة دور الأمم المتحدة، ولو مع بعض أو كثير من التجاوز لميثاقها وقراراتها. وفي الحال السورية، هناك نظام لا يزال يدّعي أنه «الدولة» ويعامله المبعوثون على هذا الأساس، على رغم علمهم بأنه زمرة يمثّلها شخص، وهي لا تقبل بأي حلّ تشاركي ما لم يكن تحت هيمنتها وإلا فهي ستعطّله. وإذ تعتقد الدول الكبرى المعنيّة أنه لا يستقيم حلٌّ من دون الرجل/ الزمرة لأن انهيارهما يعني السقوط في الفوضى/ الصوملة الكاملة، فإنها تعير كل الأهمية الى كون الزمرة ورجلها متماسكَين حيث يسيطران، آملة في أن تبني حلاً سياسياً منصفاً من هذا التماسك، لكنها لا تقيم أي اعتبار لكونهما لا يتصرفان كـ «دولة»، ولو فعلا لما تمادت الأوضاع الى هذا المنزلق الكارثي.

بعد أيام على توقيع الاتفاق النووي، خرج رجلا إيران في سورية ولبنان، في خطابَين موجّهين لتهنئتها بـ «النصر النووي»، ومخصَّصَين لإطلاق رسائل إيرانية منسّقة الى الولايات المتحدة وكل مَن يسأل عن ملامح التغيير السياسي الممكن توقّعه من طهران بعد الاتفاق. كالعادة، لم يتحدّث بشار الأسد عن شعب سورية بل عن الإرهاب، ولعله لا يزال يعني أن الإرهابيين هم نحو مليون ونصف مليون قتلهم أو أصابهم وعوّقهم وأخفاهم، وهم أكثر من عشرة ملايين إنسان عمل على اقتلاعهم وتهجيرهم. ولم يتحدّث الأسد عن سورية بل عن «المواقع الأكثر أهمية» التي تحاول قواته الاحتفاظ بها، مدشّناً بذلك إفصاحه العلني عن خيار «دولة الساحل». وهذا ما تستعدّ إيران لطرحه ما أن تُدعى الى المشاركة في المساومات. أما حسن نصرالله الذي حرص على إبلاغ أميركا أنها – بعد الاتفاق النووي كما قبله – باقية «الشيطان الأكبر»، وأن إسرائيل الى زوال، فكان ينقل عن المرشد علي خامنئي أن شيئاً لن يتغيّر في الاستراتيجية طالما أنها لم تأتِ بعد بـ «الجائزة» المتوخّاة.

ما قدّمه دي ميستورا كان اقتراحات لإغراق الأزمة في التفاصيل، وإغراق «صيغة جنيف» في «مجموعات عمل» من دون تحديد الهدف (الانتقال السياسي). وبالنظر الى الأسلوب الذي اتّبعه دي ميستورا في اختيار من تشاور معهم طوال شهرين، يمكن توقّع تشكيل تلك المجموعات بإشراف النظام والإيرانيين كما جرى في انتقاء مَن دُعوا الى «التحاور» في موسكو، أي بشرط عدم التطرّق الى تنحّي الأسد. وقد حرص في تقريره على مخاطبة كل طرف بما يودّ أن يسمعه. لكن هذا لم يمنعه من تعزيز فكرتين: بقاء النظام (أي الأسد) ومحاربة الإرهاب (استجابةً لرواية الأسد)، إلا أن منهجية الشيء ونقيضه جعلته يقول أن محاربة «داعش» تتطلّب تغييراً سياسياً في سورية. فعن أي تغيير يتحدث؟ الأرجح أنه لا يعرف، بل الأرجح أن لا معنى أو مغزى لاقتراحاته، إلا إذا كان يعتقد أن الأزمة تحتاج بعد خمسة أعوام الى مقاربة «أكاديمية».

في أي حال، وعلى رغم ما تقدّم، أنسوا دي ميستورا، الذي يُحسب له تحذيره من أن كل شهر يمضي «يقلّل فرص إعادة سورية دولة موحّدة». ذاك أن الأزمة صارت في مكان آخر، وهي كسواها تمرّ الآن بمرحلة ضبط السياسات الإقليمية بعد الاتفاق النووي. فحتى لو لم يكن في نيّة طهران أن تغيّر سياساتها، فإنها لا تتجاهل الحركة المتسارعة في محيطها: تركيا تدخل «الحرب على داعش»، «عاصفة الحزم» السعودية باشرت مع «التحالف العربي» تغيير المعادلة في اليمن، الولايات المتحدة استأنفت «الشراكة الاستراتيجية» مع مصر، وروسيا تجد نفسها (مع أميركا) في سياق البحث عن معالجات مشتركة للأزمات العربية، من خلال التشاور مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي… تلك خطوات استوجبتها التداعيات السياسية للاتفاق النووي بحثاً عن توازنات يمكن الارتكاز عليها في المنطقة، وقد لا تعزز نتائجها موقف العرب استراتيجياً أو مصلحة الشعوب وانتفاضاتها مستقبلياً، لكنها ستحاول وضع حدٍّ للتخريب الإيراني من جهة، ومن جهة أخرى بلورة الممكن سياسياً بالتوازي مع تصعيد جهود الحرب على الإرهاب، الذي بات فعلاً أولوية كما هندسه النظامان الإيراني والسوري.

ربما كان اللقاء الخليجي – الأميركي والخليجي – الروسي، وبخاصة الاجتماع الثلاثي، السعودي – الأميركي – الروسي، من إرهاصات بناء تفاهمات دولية – إقليمية. إذ لا يكفي الاتفاق النووي لاستدراج تغيير مرغوب في سياسات إيران، سواء في سورية واليمن أو حتى في العراق، وبالطبع لا تكفي تصريحات محمد جواد ظريف في العواصم التي انتقتها طهران لمعاودة إطلاق دعواتها الى تعاون اقتصادي ومحاربة مشتركة للإرهاب، بل يستلزم ذلك جهوداً روسية وأميركية لمعالجة قلق دول الخليج من التدخلات الإيرانية في شؤونها ومن تغوّل إيران وأتباعها في عدد من الدول العربية. فالمعروف أن ليست هناك تدخلات عربية مقابلة في شؤون إيران، وإذا كانت إيران ساعية الى نفوذ فلا بد أن تدرك أن لا مستقبل لأي نفوذ ما دام يرتكز على تفكيك الدول، واستبدال الميليشيات بالجيوش، وإزكاء الصراعات الطائفية، وإشعال الحروب الأهلية، على غرار ما فعلته إيران في سورية والعراق واليمن ولبنان وما تحاوله في البحرين. والأهم أنه إذا كان «الاستقرار» هو المتوخّى من محاربة الإرهاب، فالأولَى إحباط الأهداف التي رسمها صانعو الإرهاب ووظّفوه في العمل لتحقيقها.

صدرت إشارتان من طهران يوم لقاءات الدوحة، لكنهما لا تحملان أي مغزى تغييري. الأولى، إعلان عن مبادرة «معدّلة» لحل الأزمة السورية، ولا أحد يتذكّر المبادرة الأصلية لأنها لم تحمل أي نواة لأي «حلّ»، ولا يتوقّع من «المعدّلة» سوى التذاكي في تزكية فكرة الأسد عن «المناطق الأهمّ» أو «دولة الساحل» كصيغة وحيدة ضامنة لـ «مصالح» إيران في سورية. أما الإشارة الأخرى فهي مقال للوزير ظريف نشرته صحف عربية، وفيه يقترح إقامة «مجمّع للحوار الإقليمي» بهدف «تسوية الخلافات سلمياً»، لكنه يختار نموذجاً يعطيه أولوية، وهو اليمن حيث أُجهض المشروع الإيراني، ولم يشر الى سورية والعراق إلا في معرض حديثه عن محاربة الإرهاب. فبهذه الأفكار يمهّد، كما قيل، لجولة عربية. وليس واضحاً ما إذا كان يعبّر عن قيادته أو يخاطبها عندما يُحاضر في وجوب «الامتناع عن التدخل فى الشؤون الداخلية للدول الأخرى». ثمة كذبة يجري ترويجها حالياً، وهي إشراك إيران في ضرب الإرهاب وحلّ أزمات المنطقة، فهل ألغى الاتفاق النووي حقيقة أنها صانعة هذا الإرهاب وتلك الأزمات؟

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

 

مبادرة أخرى للالتفاف على جنيف/ محمود الريماوي

قبل انعقاد مؤتمر جنيف 2 في فبراير/شباط 2014، برعاية الأمم المتحدة، سعى المبعوث الأممي آنذاك، الأخضر الإبراهيمي، إلى إشراك إيران التي لم تشارك في المؤتمر الأول قبل عامين من ذلك التاريخ. نجح مسعى الإبراهيمي حينها لدى الأمين العام للمنظمة الدولية، بان كي مون، الذي وجه دعوة لطهران، سرعان ما سحبها، بعدما تبين له، نتيجة اتصالاته، أن طهران لا توافق على مرجعية المؤتمر المتمثلة في قرارات جنيف 1 عام 2012، والتي تستند إلى مقترحات كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، والمبعوث إلى سورية حينذاك. وتتمحور القرارات والمقترحات حول قيام حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات في دمشق.

تعيد إيران الكرة، وتطرح ما تسميه مبادرة مُعدّلة لحل الأزمة السورية، أطلقتها في طهران الإثنين 3 أغسطس/آب الجاري، وهي تقفز على ما بات موضع إجماع إقليمي ودولي، هو قيام الحكومة الانتقالية العتيدة، وذلك باستبدالها بما أسمتها المبادرة “حكومة وحدة وطنية” بنداً ثانياً في المبادرة، بعد البند الأول المتعلق بوقف إطلاق النار. أما البند الثالث فيشتمل على إعادة تعديل الدستور السوري، بما يتوافق وطمأنة المجموعات الإثنية والطائفية، فيما يتضمن البند الرابع إجراء انتخابات بإشراف مراقبين دوليين. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني، حسين عبد اللهيان، إن المبادرة وضعت بالتشاور مع حكومات أخرى في المنطقة، ثم تلا ذلك قوله إن بلاده سوف ترفع المبادرة إلى الأمم المتحدة من أجل تبنيها.

من الواضح أن المبادرة إيرانية وروسية وسورية، يدلل على ذلك أنها أعلنت في طهران، بحضور نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، ووزير خارجية دمشق، وليد المعلم الذي سارع إلى إعلان الموافقة على المبادرة. وسبق أن عمل كل من موسكو وطهران على تنحية مرجعية الحل السياسي، بعقد لقاءات بين النظام وأطراف من المعارضة. لكن موسكو تمنح نفسها هامشاً أكبر من المناورة بالإعلان، بين آونة وأخرى، عن قناعتها بأن مرجعية جنيف 1 هي الصالحة للحل، ما تبدّى في لقاء موسكو 2، لكنها لا تفعل شيئاً لحمل حليفها في دمشق على الالتزام بهذه المرجعية، والتقدم نحو التفاوض.

من دواعي الغرابة أن تجد طهران في “نفسها” طرفاً مؤهلاً لوضع حلول، ذلك أن الأزمة السورية تفاقمت بفعل تدخلها، متعدد الأشكال والمظاهر، والذي لم يتوقف حتى الساعة، وابتداء بسبب مساندة طهران القمع الدموي للانتفاضة التي كانت سلمية خالصة في شهورها السبعة الأولى.

“من دواعي الغرابة أن تجد طهران في “نفسها” طرفاً مؤهلاً لوضع حلول، ذلك أن الأزمة السورية تفاقمت بفعل تدخلها، متعدد الأشكال والمظاهر، والذي لم يتوقف حتى الساعة”

وقد رأت طهران، كما هو جليّ، أن توقيعها الاتفاق النووي مع الغرب، جعلها في موضع قبول لدى المجتمع الدولي، ما يؤهلها لطرح مبادرة بشأن الأزمة السورية، وهو استنتاج متسرّع، وبالذات بخصوص هذه الأزمة، فالقاصي والداني يعرف مدى الضلوع الإيراني في الأزمة، مباشرة، أو عبر مليشيات عراقية وأفغانية ولبنانية، ذات ارتباط بطهران. ويعرف أن لا ثقة ولا اتصالات متبادلة بين طهران والطرف السوري “الآخر”، متمثلاً بقوى المعارضة.

وقد استغلت الأخيرة تقرير المبعوث الأممي، دي ميستورا، ذا الطابع “الأكاديمي”، لا السياسي، مستشعرة أن هناك فراغاً دولياً بما يتعلق بـ “بورصة” الحلول، خصوصاً أن دي ميستورا خلص إلى أن الظروف غير ناضجة لعقد مؤتمر جنيف 3، وذلك بدلاً من القول إنه لا بديل عن هذا المؤتمر، وإنه يجب تهيئة الظروف بأسرع وقت ممكن لعقده، وهو ما شجع طهران على إقصاء خيار جنيف عن الأنظار. وسبق لمسؤولين أمميين، منهم بان كي مون، أن حمّلوا دمشق مسؤولية فشل جنيف 2.

يصعب على طهران تسويق مبادرتها، فحليفها الدولي الرئيس في روسيا يراوح في مواقفه بين موسكو 3 وجنيف 3! مع منح أولوية لمحاربة داعش والدعوة إلى تشكيل تحالف ضد هذا التنظيم الإرهابي، مع تجاهل موسكو أن ثمة تحالفا دوليا/ إقليميا قائما بالفعل، ويوجّه الضربات لهذا التنظيم منذ سبتمبر/أيلول الماضي. النتائج الملموسة لهذه الضربات ما زالت أقل من المتوقع والمأمول. وكان وما زال في وسع موسكو الانضمام لهذا التحالف وتقويته، لكي يحقق نتائج أفضل ضد التنظيم الإرهابي. أما طهران فاختارت محاربة هذا التنظيم في العراق، عبر قيادتها “الحشد الشعبي”، من دون سورية. وعلى كل حال، يدعو البند الأول من المبادرة العتيدة إلى وقف إطلاق النار، وربما تعوّل طهران على هذه الدعوة، لكي يتوقف هذا التنظيم عن ارتكاب فظاعاته، ويلقي أسلحته، ويتوقف النظام، من جهة أخرى، عن إلقاء ما لا يُحصى من براميله المتفجرة، وتتوقف أنشطة فصائل المعارضة المسلحة.

من اللافت بعدئذ أن المبادرة تتجاهل عناصر وقضايا بالغة الأهمية، مثل وجود مقاتلين أجانب (غير سوريين) على الأرض السورية، ومثل ضمان عودة ملايين اللاجئين السوريين إلى ديارهم وبيوتهم، ومثل الإفراج عن آلاف المعتقلين، وهي مسائل ليست جزئية، أو تفصيلية، حتى يقال إن معالجتها ستكون من قبيل تحصيل الحاصل لاحقاً. وبينما تقول طهران، ومعها المحور الإيراني في المنطقة، إن مقاتلين أجانب من عشرات الدول تدفقوا على سورية، فإنها لا تتبنى مطلب خروج كل المقاتلين الأجانب من الأراضي السورية، وتصمت على هذه المسألة البالغة الحيوية. كما تصمت على كارثة اللجوء السوري (اللاجئون ينتمون إلى الأكثرية..)، في وقت تتحدث مبادرتها عن طمأنة الإثنيات والأقليات، لاستدراج ممثلي هذه التكوينات للقبول بالمبادرة. وكأن سجل طهران في التعامل مع الأقليات والإثنيات داخل إيران، من سنّة وعرب ومسيحيين وسواهم، أمرٌ يحمل على الثقة، ويستحق الاقتداء به في الخارج، أو وصفة يمكن اتباعها لطمأنة هؤلاء.

لعل المبادرة تساعد طهران على بعض الحضور الإعلامي، وعلى نسج علاقات سياسية عامة مع بعض الأطراف فترة من الوقت، لكنها لن تدفع نحو حلول جدية للأزمة السورية، ما دامت تتفادى معالجة الأسباب والمقدمات التي أدت إلى نشوب الأزمة، ثم أفضت، بعدئذ، إلى اتساعها وتفاقمها على نحو مأساوي.

العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى