صفحات العالم

مشكلة النظام السوري ليست مع طرابلس..


خير الله خير الله

مشكلة النظام السوري ليست مع لبنان ولا مع شمال لبنان ولا مع مدينة طرابلس بالذات. في اساس مشكلة طرابلس مشكلة النظام السوري مع الشعب السوري أوّلا وأخيراً. هذا ما ينساه النظام السوري يوميا رافضا الاعتراف بأنّه يواجه ثورة شعبية حقيقية هي أمّ الثورات العربية في العصر الحديث.

ما لا يفهمه النظام السوري، انه لا يمكن تجاوز المشكلة القائمة مع شعبه عن طريق افتعال ازمات خارجية، بما في ذلك الهرب الى طرابلس المدينة التي ترمز الى الاعتدال والعروبة الحضارية المتمثلة في العيش المشترك بين اللبنانيين من كلّ الطوائف والمذاهب قبل اي شيء آخر.

يمثّل الهرب الى طرابلس، على غرار ارسال فلسطينيين في اتجاه الاراضي الاردنية، ذروة الافلاس لدى النظام السوري الذي يحاول تصوير طرابلس، ثاني اكبر مدينة في لبنان، بأنها وكر لـ”القاعدة” ولتنظيمات متطرّفة، هي في الواقع ادوات لدى هذا النظام. من يتذكّر شاكر العبسي، الفلسطيني الذي جيء به في العام 2007 من السجون السورية لافتعال احداث مخيّم نهر البارد الذي لا يبعد كثيرا عن طرابلس؟

لم يعرف الطرابلسيون يوما اي نوع من التطرف او التزمّت الطائفي والمذهبي قبل الدخول السوري الى لبنان. كلّ المنظمات المتطرفة في المدينة، أكانت سنّية او علوية، هي من صنع النظام السوري الذي يراهن على سياسة التفرقة بين اللبنانيين كي يفصل بينهم. انها عودة في السنة 2012 الى سياسات ومناورات عفا عنها الزمن كانت تصلح حتى نيسان- ابريل من العام 2005، الشهر الذي اضطر فيه الجيش السوري الى الانسحاب من الاراضي اللبنانية نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.

لماذا الهرب الى طرابلس؟ الجواب ان النظام السوري لا يستطيع مواجهة الحقيقة المتمثلة في انه انتهى في اليوم الذي اكتشف فيه ان لا خيار امامه سوى قتل شعبه. لم يتعلّم شيئا من تجربة لبنان. لم يستوعب انّ القتل لا يمكن ان يؤدي الى نتيجة، وان التعاطي مع أسوأ انواع اللبنانيين والتخلص من أحسن اللبنانيين سيقوده، لا محال، الى كارثة.

هناك تعبئة في طرابلس ضد النظام السوري الذي ارتكب كلّ انواع المجازر في حقّ اهل المدينة. الذين يعرفون طرابلس يدركون ان النظام السوري مكروه من اهل المدينة الى حدّ كبير. فقبل الدخول السوري الى طرابلس لم يكن هناك اي نوع من التمييز بين العلوي والسنّي. وقبل الدخول السوري الى المدينة، كانت طرابلس مدينة سنّية- مسيحية لا وجود فيها لمواطن من الدرجة الاولى وآخر من الدرجة الثانية. بقدرة قادر هُجّر عدد كبير من المسيحيين من طرابلس وصار العلويون فجأة طبقة مميّزة، علما انه كانت هناك علاقات طبيعية، بل اكثر من طبيعية بينهم وبين اهل السنّة الذين يشكّلون اكثرية في المدينة.

شجّع النظام السوري كلّ انواع التطرف في طرابلس. كان هدفه منذ البداية تمزيق النسيج الاجتماعي للمدينة. لم يقتصر الامر على طرابلس بل كان الهدف السوري يشمل كل لبنان مستخدما في كل وقت السلاح غير الشرعي الذي اغرق به ارض الوطن الصغير منذ ما قبل اندلاع شرارة الحرب الاهلية في الثالث عشر من نيسان- ابريل من العام 1975.

ما يمارسه النظام السوري في طرابلس حاليا، بالتنسيق مع ادواته اللبنانية، هو لعبة من الماضي. عاجلا ام آجلا، سيكتشف النظام انّ عليه الاهتمام بأمور اخرى لا علاقة لها بطرابلس. عليه الاهتمام بالداخل السوري اوّلا وأخيرا وإيجاد طريقة لتسليم السلطة على الطريقة اليمنية، في احسن الاحوال.

الرهان على ان طرابلس ورقةٌ، رهان على سراب. سيكتشف النظام السوري، ان كلّ الشكاوى التي يقدمها الى مجلس الامن لن تفيده في شيء. لو كانت الوقائع التي يسردها في الشكوى الاخيرة حقيقية، لماذا لم تصدر المعلومات الواردة فيها عن السلطات الامنية اللبنانية المختصة اوّلا؟ أليس لدى السلطات الامنية اللبنانية ما يكفي من الشجاعة لعرض هذه الوقائع على اللبنانيين اوّلا؟

الشكوى ليست من طرابلس. الشكوى من الشعب السوري البطل اساسا ومن وجود مجموعة من الدول العربية والقوى الاقليمية باتت مقتنعة بأن النظام السوري صار عبئا على السوريين وعلى المنطقة. لن يفيد الهرب الى طرابلس النظام السوري في شيء. سبق له ان افتعل احداث مخيّم نهر البارد، في شمال لبنان، قبل خمس سنوات عن طريق ما يسمّى “فتح الاسلام” وهي جزء لا يتجزّأ من الاجهزة السورية. كذلك، سبق للنظام السوري ان ارسل عناصر من “القاعدة” الى العراق. هذا امر موثّق. هذا ما دفع الحكومة العراقية وقتذاك الى المطالبة بإحالة رأس النظام على محكمة دولية… قبل ان تتراجع عن ذلك تحت ضغط ايراني واضح يتّسم بالوقاحة.

ما لم يدركه النظام السوري يوما ان طرابلس مدينة حضارية وان كلّ الجهود التي بذلها من اجل نشر التطرف فيها لن تؤدي الى نتيجة. طرابلس متمسكة بثقافة الحياة على الرغم من انها عانت طويلا من الحرمان ومن اهمال الدولة لها. طرابلس تقاوم على غرار ما يفعل كل لبنان. تقاوم التخلّف ومحاولة اثارة الغرائز المذهبية، اي الشيء الوحيد الذي مارسه النظام السوري على ارض لبنان منذ ما يزيد على اربعة عقود. مارس هذه السياسة، سياسة تصدير الامن، اي الارهاب، مع كلّ الجيران. فعل ذلك مع تركيا والعراق والاردن ولبنان في وقت نجد جبهة الجولان مع الاحتلال الاسرائيلي صامتة منذ العام 1974!.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى