حسّان القالشصفحات سورية

نهاية الكيان السوري؟/ حسان القالش

 

 

 

تفاقم التعقيد الذي تشهده القضية السورية، يشير بأنّ الحديث عن الحفاظ على سورية موحّدة بات أشبه بشعار للاستهلاك الإعلامي، فعدا عن ابتذال القضية، على مستواها السياسي إلى مفاوضات على المفاوضات، تتسارع على الأرض وتيرة التلاعب بالديمغرافيا، في شكل بات يهدّد عملياً وحدة الكيان السوري الحديث.

صحيح أن سورية، بطبيعتها كجزء حيوي من المشرق، تعرضت خلال حقب تاريخية مختلفة إلى تغيرات في تركيبة سكانها، أبرزها ذاك الناتج من نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار السلطنة العثمانية، ثمّ ذاك الذي أحدثه الانتداب الفرنسي. إلا أنّ معظم تلك التغيرات تميّزت بما يمكن أن نسميه بقدرة الكيان الذي كان قيد التشكّل، على استيعابها. فضلاً عن كونها، في بعض الحالات، أقرب إلى حاجة أو ضرورة لاكتمال ذاك الكيان ونضوجه، الأمر الذي نجد مثاله في تطور منطقة الجزيرة السورية، التي كان لأكرادها وأرمنها الدور الرئيسي في جعلها مركزاً حيوياً. بيد أنّ القاسم المشترك في تلك التغيرات السكانية أنها ذات طبيعة أقلويّة، ذاك أنّ معظم الجماعات التي استقرّت في أماكن جديدة كانت من الأقليات، أكراد وأرمن وآشوريين وغيرهم، وهذا بدوره ما ساهم في بروز قضية الأقليات في سورية، والتحديات التي فرضتها على النخبة السياسية، خصوصاً البورجوازية المدينية السنية، أو طبقة الآباء المؤسسين للكيان.

وبغض النظر عن طبيعة ردّ فعل تلك الطبقة على تلك التغيرات، وأخطائها السياسية في فهم مسألة الأقليات، إلا أنّها، في النهاية، استطاعت تقبّلها، والأرجح أنّ هذا التقبل نتج من ثقتها بأكثريّتها طالما أنّها ليست عرضة للخطر، بخاصة أنّ التغيرات كانت تتم في مناطق طرفيّة، والأهم أنّ تعريف الانتداب الفرنسي للأقليات كان تعريفاً دينياً، إذ كان التركيز الأكبر على المسيحيين والأقليات المسلمة غير السنية، وهذا ما همّش قضية الأكراد السوريين، الذين استبعدوا من تصنيفهم ضمن الأقليات المتوجب الحفاظ على حقوقها. بالتالي، رأى الآباء المؤسسون في العروبة وحاملها السنّي ضامناً لسلامة الكيان.

والحال، أنّ المعادلة اختلفت جذرياً اليوم، مع انهيار العروبة واشتداد عصب الهويات الصغرى، ومع توضّح معالم المخطط الإيراني للتلاعب بديمغرافيا البلاد برعاية نظام الأسد. فعدا عن أنّ العملية تعتمد العنف المنهجي كأداة رئيسية لها، فالجماعات التي يتم اقتلاعها من أماكنها هي جماعات أصليّة، من نسيج محيطها، واقتلاعها يتمّ على أساس مذهبي صريح، وهي المرة الأولى في تاريخ البلاد التي تتعرض فيها الأكثرية السنيّة إلى عملية تهجير. أمّا عملية سدّ الفراغ الحاصل عن هذا التهجير فتعتمد على عاملين، أوّلهما إحلال جماعات شيعيّة في معظمها من خارج البلاد، وثانيهما الحؤول دون عودة الشتات السوري في الخارج، الأمر الذي سيؤدي لاحقاً إلى نشوء قضية «حق العودة»، تحاكي قضية عودة الفلسطينيين لناحية استحالتها العمليّة وممانعة القوى الدولية لها. وما من شكّ في أنّ هذا التلاعب الديموغرافي يُفخّخ أي احتمال لاستقرار الكيان في المستقبل، ويَعِدُ بحروب أهلية لا نهاية لها في حال تمّ الأمر، فما يجري لا يقتصر على أطراف البلاد وأريافها، بل يطاول المدن الرئيسية أيضاً، كحمص وحلب. وفي هذا كلّه دليل آخر على ارتباط مصير الكيان السوري بمسألة الأقليات، التي استثمرها الأسد وحلفاؤه لمصلحتهم، في وقت ما زال خطاب المعارضة عاجزاً عن مقاربتها، ويريد لسورية أن تكون عربيّة قبل أن تكون سوريّة، إن كُتب لها البقاء.

* صحافي وكاتب سوري

الحياة

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى