صفحات الرأي

أصول فلسفه الدم/ سيد القمني

 

 

إطلالة سريعة على حياة الإنسان في زمن المشاع البدائي، وقبل قيام المشترك المعبدي والمديني، تراه جاهلا بالمرة بآليات عمل الطبيعة، يعتمد التجربة والخطأ مئات المرات حتى يعثر على حل لمشكله واحدة، فيعتمدها بعد ذلك ويجعل منها قاعدة للعمل مع الطبيعة، لكن وحشية الطبيعة البرية بظواهرها المرعبة والقاسية، وما تنشره من أوبئة وكوارث، دفعته إلى محاولات تجريبية لمصالحتها لتهدأ، ولأن الكوارث والأمراض كان أظهرها كعلاقة بالموت هو النزف الدموي الذي يؤدي حتما للموت، فربط بين الدم وبين مطالب الطبيعة الأم التي لا ترضى بغير النزف الدموي لتهدأ وتستكين، فقام أولا بتقديس الدم كجوهر أساسي هو سر الحياة والموت، وانتهى إلى إنه لا يصح أن يترك الطبيعة تستنزف دماء البشرية بضرباتها (العشوائية) الجمعية، وأنّ عليه ألاّ ينتظر الفعل ليصنع رد الفعل، بل بفعل إيجابي من جانبه يرضي شغفها بالدم، قبل أن تبدأ بالغضب، باختيار أحد أفراد الجماعة لميزات خاصة فيه كأن يكون الأجمل أو الأكبر أو الأحكم أو الأقل فعلا للشر كالأطفال نموذج الخير الصافي، والتقرب بذبحه للآلهة الغضوب ليحد من عشوائيتها في طلب الدم، فيقدم لها الدم اختياراً لتكتفي بالقربان وتشبع عطشها ليقي بقية الجماعة شرها بهذا الفداء المختار.

وظل الفداء قائماً كعقيدة شعبوية وأحياناً نخبوية في حياة الإنسان حتى زماننا، فالكل يذبح ليفدي بيته وسيارته ووليده، وظلّ الفداء بالدم البشري قائما حتى فيما بعد القرن السادس الميلادي في حضارة الإنكا بأميركا اللاتينية نتيجة عزلتها عما لحق العالم المعروف حينذاك من تطور في فلسفة الدم والفداء.

وتراوح الدم كتضحية وفداء بين ذبح الإنسان وذبح الحيوان، للأمام وللخلف ارتقاءً وانتكاساً، فتجد في أقدم المراحل التاريخية من ذبحوا أباهم وسيد القبيلة قرباناً-فيما يزعم فرويد- وبعدها ومن زمن قريب يعود إلى خمسة آلاف عام نجد الترتيلة السومرية التي دونها (ديورانت) “الضأن فداء للحم الآدميين به افتدى الإنسان حياته”، وبعدها بحوالي ثلاثة آلاف عام تنتكس البشرية فينذر عبدالمطلب بن هاشم ولده عبدالله ليقدمه قرباناً على مذبح آلهته، ثم يفديه أمام الآلهة بضرب القداح بالإبل حتى وصل مطلب الإله إلى مئة ناقة.

وقريباً من القرن الرابع ق. م نجد النبي إرميا يعطينا تقريرا ً خبرياً أن اليهود قد بنوا مرتفعات للبعل ليحرقوا أولادهم بالنار محرقات للبعل (الإصحاح 19). رغم سبق الزمن الإبراهيمي لاستبدال الأبناء بالكباش. وقبله كان سفر التكوين قد اختار الكبش فداءً دموياً “و كـــان هـــابـيـل راعيــا ً للغـنـم وكــان قايــيــن عامــلاً فــي الأرض، وحــدث مــن بــعــد أيام، أن قــايين قــدم مــن أثــمـار الأرض قـربـانـاً للرب وقــدم هــابــيـل أيـضاً مــن أبــكـار غـنـمـه ومــن ســمانها، فـنظـر الرب إلى هــابـيل وقــربانه لــكـنه إلــى قايـيــن وقـربـانـه لــم يـنــظــر” (الإصحاح 4). وما حدث من الرب وعزوف أنفه عن الخضار واشتهائه لرائحة الدم، ترتب عليه عدم افتداء هابيل لنفسه، بل كلفه حياته، فذبحه قايين، وتم مراد الرب الحقيقي.

وبعدها في قصة إبراهيم وتقربه بولده إسحق لربه بطلب من الله نفسه، نجد الرب يستبدل الدم البشري بدم الكبش، وهو ما يعني استمرار عادة التقرب للآلة بالدم البشري عبر التاريخ، وتلمس تنافساً قديماً كقربان أفضل بين أبناء العمومة العربي (أبناء إسماعيل) وبين العبري (أبناء إسحق)، على شرف أيهما كان أبوه هو الذبيح المُكرم، بل إن النبي محمد كان يفخر بأنه جمع الحسنيين لأنه ابن الذبيحين أبيه البعيد إسماعيل وأبيه المباشر عبدالله.

وبينما كانت كعبات الزمن الجاهلي بجزيرة العرب تقدم الدم الحيواني سواء كعبة اللات بالطائف، أو كعبة العزى وعلى عرفات، فقد عرفت كعبات أخرى القربان الدموي البشري كما كان يحدث في كعبة ذي غابة. ويرى البعض أن الوأد كان نوعاً من القرابين لأنه طال الذكور كما طال الإناث (محمود الحوت – الميثولوجيا عند العرب ص 153).

مع مرور الزمن استعاضوا عن الأب أو الملك أو شيخ القبيلة وحكيمها بالاقتراع على الضحية، ثم استبدلوا القرعة بعد زمن بمجرم محكوم عليه بالموت، وآخر نقله تطورية كانت استبدال كل هذا بحيوان وحبذا لو كان خروفا أو كبشا

وفي سفر العبرانيين قاعدة استوت واستقرت تؤكد ما أكدته الأناجيل “بــدون دم وســـفــك دم لا تـــحـصـل مــغــفـرة” (رســالة بـولـس إلـى روميــة الإصحاح 1)، وذلك بعد العهد القديم الذي قال “وكــل شــيء تــقـريــبــا ً يــتــطـهر حــسب الــنـامــوس بـالـدم، وبــدون ســفــك دم لا تــحـصـل مــغـفـرة” (عب 9:22).

وأحياناً كان التيس يحل محل الخراف في سوء الطالع، كما شرع موسى “ويــضع هــارون يــديــه علــى رأس الـتــيــس.. لــيــحــمـل الــتــيــس عــنــه كــل الـذنــوب” (اللاويين 16).

ثم بعد مرور زمن تنتكس الحال زمن حكم قضاة بني إسرائيل “ونــذر يــفــتــاح نــذرا ً للــرب قــائـلاً: إن دفــعــت بـنـي عــمــون لــيــدي فــالـخـارج الــذي يــخــرج لـلــقـائـي عـنـد رجــوعـي بـالـسـلامـة مــن عـنـد بـنـي عــمــون، يـكـون للــرب وأصـعـده مـحــرقـة.. ثــم أتـى يــفــتــاح إلــى الـمـصـفاة إلـى بــيــتــه، وإذا بـابــنــتـه خــارجــة للــقـائـه وهــي وحــيـدتـه، ولــم يــكـن لـه ابــن ولا ابــنــة غــيـرهــا فـفــعـل بــهــا نــذره الــذي نــذر” (قض 11)، كذلك بعد سنوات يخبرنا النبي إرميا أن “بني إسرائيل كانوا يذبحون أطفالهم قرابين محروقة على مذبح الرب بعل مولك” (إرم 9).

وعليه فإن مبدأ دفع غضب الآلهة كان فلسفه بدائية شديدة القدم عند كل الشعوب القديمة، وبحسب ديورانت كان السومريون جنوبي الرافدين وإبان الاحتفالات الدينية يضربون أنفسهم بالأدوات الحادة حتى تلطخ دماؤهم المذبح والأرض من حوله، وبعضهم كان يخصي نفسه بيده (قصة الحضارة مج1/ج2 ص 315). وهو ما عاد إليه الشيعة بعد أزمان، وعثر الآثاريون على عظام أطفال تحت أسس المنازل الفينيقية (عبدالحميد زايد – الشرق الخالد ص302).

وروى فيلون السكندري أن أهل الشام كانوا يضحون بأعز أبنائهم في حالة وقوع النوازل والكوارث إبعادًا لغضب الآلهة، وحكى ديودور الصقلي أن أهل صقلية ضحوا في يوم واحد بمائتي طفل (المصدر السابق).

وفي حفائر كفر الجرة الكنعاني تم العثور على عظام أطفال تحت أساس عمود من سور كضحية تأسيس، ومن القصص الشهيرة قصة ميشا ملك موأب الذي ضحى بابنه الأكبر ليفك الحصار عن مدينته، ولما أستجاب له ربه، ذبح سبعة آلاف شكراً للإله صادق الوعد.

وحدث في قرطاجة أثناء حصارها سنة 307 ق. م أن أُحرق على مذبح الرب الدموي مائتا غلام من أبناء أرقى أسرها (ديورانت – المصدر السابق ص 319). وإن كان بين هؤلاء بعض العقلاء الذين كانوا يكتفون بقص غـُلفة ذكر الطفل وإسالة الدم على المذبح ثم إلقام النار هذه الغـُلفة.

ذهاباً وجيئة عبر التاريخ نجد ضعف الإنسان أمام الطبيعة المتغولة سبباً دائماً لمحاولة إرضائها بالدم، حتى زمن داوود الملك النبي الذي ذبح أولاد سلفه الملك شاؤول السبعة للرب يهوه، الذي اكتفى بهم ورفع القحط وأنزل الغيث.

في فلسطين وبعد فشل ثورات اليهود المتصلة ضد الاحتلال الروماني، وهزيمة ثورة المكابيين الأولى والثانية، بدا الحل الأخير في الأفق مع ظهور الثورة اليسوعية. ليتم تقديم الابن الإلهي قرباناً للإله الأب، ليكون آخر وأعظم القرابين البشرية، الفادي الأخير

ولم تتوقف الطبيعة عن عدائها، وظلت البشرية تعاني حتى وصلت ذروتها في عصر الآلام زمن الإمبراطورية الرومانية، وبدا للبشرية أن الله لم يعد يرضى بالذبائح الصغيرة، فشوقه للدم تنامى وتعاظم، وضربت الأوبئة الفتاكة والبراكين والقسوة الإمبراطورية الرومانية في كل مكان، ولم تجد البشرية أمامها حلا إزاء شغف الرب بالدم سوى أحد حلين: إما قتل الإله نفسه إن استطاعوا ليتوقف للأبد عن الدمار والهلاك ويذهب غير مأسوف عليه، أو تقديم قربان هائل أعظم من كل القرابين حتى يشبع ولا يطلب بعدها ذبيحة.

وفي فلسطين وبعد فشل ثورات اليهود المتصلة ضد الاحتلال الروماني، وهزيمة ثورة المكابيين الأولى والثانية، بدا الحل الأخير في الأفق مع ظهور الثورة اليسوعية. ليتم تقديم الابن الإلهي قرباناً للإله الأب، ليكون آخر وأعظم القرابين البشرية، الفادي الأخير.

وهنا نقف هنيهة توطئة للحدث الأعظم مع طريقة الذبح في البلاد الزراعية القديمة لربط الفادي القديم بالفادي الأخير.

يلقي روبرتسون الضوء على هذه المنطقة الرمادية فيؤكد لنا أنه كانت لدى الشعوب القديمة احتفالية دينية دموية سنوية تقام يوم الانقلاب الربيعي، ابتغاء سلامة المحصول ووفّرته، فكانوا يضحّون أول الأمر بصلب الجد أو الأب أو الملك حتى ينزف دمه كله على الأرض، وبعد موته يأكلون بضعاً من لحمه، ويشربون بعض دمه لتكسبهم قدراته كأب قوي حامي للقبيلة، وعادة ما كان الأب فادياً للجماعة بقدرته القتالية ضد الوحوش والضواري، فكان يموت أمامهم ويسجل بموته فداء لهم أشرف ميتة، يموت وهم شهود عليه ويطلقون عليه الشهيد الذي شهدوا مجد عمله بعيونهم وأسموه الفادي والشهيد، وظلت هذه الصفة تلحق بالموتى من أجل الجماعة عبر العصور حتى يومنا هذا، والاعتقاد أن هذه الميتة النبيلة تعني خلوده كالآلهة في عقيدة الجماعة، فإن لم ينل هذه الميتة قتلوه وأكلوا بعضاً من لحمه وشربوا بعضاً من دمه ليكتسبوا قداسة الأب الخالد الشهيد.

و مع مرور الزمن استعاضوا عن الأب أو الملك أو شيخ القبيلة وحكيمها بالاقتراع على الضحية، ثم استبدلوا القرعة بعد زمن بمجرم محكوم عليه بالموت، وآخر نقله تطورية كانت استبدال كل هذا بحيوان وحبذا لو كان خروفا أو كبشا ً، وعند تعسر الأحوال، كانوا يكتفون بفطيرة يرسمون عليها صورة إنسان أو صليبا رمزاً للإنسان المفترض أن يضحى به صلباً، وتحوّل ذلك تدريجياً إلى نوع من العشاء الرباني الذي يؤكل فيه الخبز قرباناً رمزاً للجسد ويعاقر فيه النبيذ الأحمر رمزاً للدم (اقتبسه عصام الحفني ناصف في: المسيح في مفهوم معاصر- 90، 91).

وفي قرية بيت لحم (لاحظ اسمها) التابعة لمدينة الناصرة التابعة لمقاطعة الجليل انتشرت ديانات الأسرار الفدائية (الأوزيرية المصرية، الميترا الفارسية، التموزية الرافدية، والأدونيسية الفينيقية، والديونزيوسية اليونانية)، وكل ديانة منها تقول بوجوب الفداء بالرب نفسه أو ابنه كأضحية عظيمة توقف الآلام والشقاء ليشبع الرب نهمة الدموي، وكل هذه الآلهة قامت بذات الفعل وهبطت بذاتها اللاهوتية لتحمل عن البشر آثامهم وخطاياهم التي تغـضب الآلهة فترسل عليهم الدمار والوباء، ويفديهم ويموت ذبيحاً أو على صليب، ثم يقوم من الموت مانحاً من يؤمن بموته وقيامته الخلود الخالي من الآلام بجواره في عالمه السرمدي، وكان كل إله منهم هو القربان الأعظم والفادي الحقيقي في عقيدة أتباعه.

هنا تسجل الأناجيل “الله بين مــحـبـتـه لـنـا ونــحـن بــعـد خــطـاه ومـــات الــمــســيــح لأجـلـنا وقــد صـولــحـنـا مــع الله بــمــوت ابــنــه” (رسالة بــولس إلى رومية)، وأن المسيح الرب “مــــات مــن أجــل خــطـايــانـا وأنــه دفــن وأنــه قــام فــي الــيـوم الــثــالــث” (رسالة بــولس الأولى إلى كورنثوس″، وأنه قال “مــن يــأكــل مــن جــســدي ويــشــرب دمــي فـلـه حــيــاة أبــديــة” (يوحنا ص 6)، ومن ثم توضح الأناجيل أن الرب المسيح كان هو الكبش الأعظم وهو “حـٌمل الله” (يوحنا)، وهو “الخروف” وأنه وليس مثل بقية الآلهة المثيلة فهو وحده “رب الأربــاب ومـالـك الــمـلـوك” (الرؤيا 17) وبــالــتـأكـيـد هــو “الــخــروف الــذي ذبــح” (الرؤيا 13) .

وبعد ذلك بقرون يظهر دين جديد في شبه جزيرة العرب ليعود إلى الضحايا البشرية كقربان وفريضة أولى على المسلم بذبح عشوائي معمم لغير المسلمين، كفعل الطبيعة العشوائي البدائي.. وتلك حكاية أخرى.

كاتب من مصر

العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى