صفحات الرأي

أيُّ دور للصحافة الاستقصائية في تعزيز الممارسة الديمقراطية؟/ د. محمد الراجي

 

 

تناقش الورقة البحثية دور الصحافة الاستقصائية وأشكال تأثيرها في محيطها السياسي والاجتماعي، ونسق العمل الديمقراطي عمومًا، باعتبارها كاشفًا لأداء الأفراد والمؤسسات والهيئات؛ حيث تُنْتِجُ معرفة عميقة بالواقع تُحوِّل نموذج العمل الاستقصائي لسلطة معرفية ما يُكسبه حُجِّيتَه ومَرجعيته في المجال العام.

ملخص

تبحث الورقة تأثيرَ الصحافة الاستقصائية في نسق الممارسة الديمقراطية من خلال تحديد وظائف هذا النموذج الصحفي ودوره في محيطه السياسي والاجتماعي، والنظر في آليات اشتغاله ودينامية التحقيق في الأداء (أداء الأفراد والهيئات والمؤسسات..) الذي يكشف مظاهر الاختلال في علاقة المُدْخَلات بالمُخْرَجَات؛ وذلك للإجابة عن السؤال: كيف تُسْهِم المعرفة الحفرية العميقة للعمل الاستقصائي في دَعْم الديمقراطية وحماية مؤسساتها؟

وتستعين الورقة بالمقابلة أداةً منهجيَّة في مقاربة أبعاد هذا السؤال؛ حيث أجرى الباحث عددًا من المقابلات مع باحثين أكاديميين في مجال الإعلام والاتصال، فضلًا عن صحفيين مهنيين خَبِروا العمل الصحفي الاستقصائي، لاستجلاء أهمية الصحافة الاستقصائية بالنسبة لوسائل الإعلام خاصة التليفزيونية، والبحث في أسباب تعاظم اهتمام القنوات الإخبارية بهذا النموذج الصحفي، ثم دراسة دور الصحافة الاستقصائية في تعزيز الممارسة الديمقراطية.

وتُبْرِز الورقة أهمَّ المساهمات التي تُقدِّمها الصحافة الاستقصائية في تعزيز الممارسة الديمقراطية عبر دورها الرَّقابي على أداء المؤسسات والمنظمات والهيئات، ونسق الممارسة الديمقراطية عمومًا، وهو الدور الذي يكتسب قوته وفاعليته من المعرفة الحفرية العميقة التي يُنْتِجُها نموذج العمل الاستقصائي من خلال التحقيق والتَّحرِّي والبحث بقواعده العلمية والمهنية لإطلاع الرأي العام على الحقائق والمعلومات التي تسعى جهات بعينها إلى التَّستُّر عليها وإخفائها.

وترى الورقة أن الوعي الذي تُشَكِّله الصحافة الاستقصائية تجعل هذا النموذج سلطة معرفية يكتسب حُجَّتَه ومَرْجِعِيَّته في المجال العام، باعتباره مصدرًا كاشفًا لأداء الأفراد والمؤسسات والهيئات، بل قد يكون أيضًا مصدرًا للتفاوض وحشد الجمهور وتعبئته من أجل تغيير مظاهر الخَلَل بعد أن يكون وضع القضية محل الاستقصاء ضمن أولويات أجندة الجهات التي يهمُّها الأمر، وقد يفتح كذلك مسارات قانونية وقضائية بشأنها، وهو ما يُؤَثِّر بشكل من الأشكال في الممارسة الديمقراطية وآلياتها، ويُنْتِج على الأقل ما يُسَمِّيه البعض “الديمقراطية الآنية”.

مقدمة

لم يعد أداء وسائل الإعلام يُقاس بتكامل دوائرها أو باكتمال خريطتها البرامجية، أو ضمان جودة مُنْتَجِها الإعلامي بمراعاة دِقَّة الأخبار ووجاهة المعلومات التي تنشرها ومِهَنِيَّة التغطية فحسب، وإنما بات أداؤها يُقاس أيضًا بمسؤوليتها في تَعْظِيم وتَعْزِيز الفرص التي تجعلها مِنَصَّات للتَّنوير والوعي، عبر الكشف عن الحقائق التي يُرَادُ لها أن تظلَّ مُسْتَتِرَة ولا يُتَاحُ للرأي العام الاطلاع عليها، فتؤدي بذلك دور “السلطة الرابعة” التي تضع المسؤولين السياسيين والفاعلين في مواقعهم المختلفة تحت مجهر الرصد، وتراقب أداء السلطة وتُحَقِّق في الأخطاء والسلوكات التي قد تكون خارج القانون. ويعني ذلك اشتغال وسائل الإعلام بِمَنْطِق السلطة الرقابية وضوابطها المعيارية الكَاشِفَة لأي تجاوزات في ممارسة السلطة أو انتهاكات حقوق الأفراد والجماعات، لتكون رَقِيبًا على مُدْخَلات ومُخْرَجَات المؤسسات السياسية والمجتمعية، وتُبْرِز مظاهر القصور التي تعتري أداءها وانحرافات المسؤولين عنها.

ويتجسَّد هذا الدور الرَّقابي بضوابطه المعيارية في نموذج الصحافة الاستقصائية التي تَتَّسِع دوائرها في الإعلام التقليدي، بل يتعاظم الاهتمام بها أيضًا في شبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت مِنَصَّات للأخبار جَاعِلَةً وسائل الإعلام أكثر تفاعليةً وثراءً معلوماتيًّا؛ إذ عَزَّزَت العمل الاستقصائي عبر الحصول على المعلومات والوصول إلى جمهور واسع(1). وتؤكِّد تحقيقات وثائق بنما في مطلع العام 2016، التي سُرِّبَت من شركة “موساك فونسيكا” للاستشارات القانونية، أهمية البُعد المعرفي لهذا النموذج في سياسة المؤسسات الإعلامية؛ حيث شارك في تلك التحقيقات، التي استمرت عامًا كاملًا، 370 صحفيًّا في أكثر من 70 بلدًا بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين. وكانت الوثائق قد تضمَّنت بيانات مالية لأكثر من 214 شركة كشفت تَوَرُّط عدد كبير من الشخصيات العالمية، بينها 12 رئيس دولة و143 سياسيًّا، في أعمال غير قانونية، مثل: التهرُّب الضريبي وتبييض الأموال عبر شركات عابرة للحدود(2). وهنا، يبدو نموذج الصحافة الاستقصائية مَعْنِيًّا بدور يتجاوز الرَّقابة بمفهومها المعياري، أو وظيفة “كلب الحراسة”، لِيُحَمِّلَه البعض مسؤولية تَعْزِيز حماية الديمقراطية بحدِّ ذاتها؛ حيث “يَتَعَيَّن على وسائل الإعلام أن تتخذ موقفًا حازمًا للدفاع عن الديمقراطية عندما يلحقها أي تهديد”(3)؛ وذلك عبر إثارة الانتباه إلى استغلال السلطة والنفوذ السياسي والمالي وانتهاك القانون الذي يُعَبِّر عن الفشل الـمُؤَسَّسِي والخَلَل في بنية النظام العام.

وفي هذا السياق، يَبْرُز السؤال الجوهري الذي تحاول هذه الورقة البحثية الإجابة عنه: أَيُّ دور للصحافة الاستقصائية في تَعْزِيز الممارسة الديمقراطية؟ أو كيف يُسْهِم نموذج الخطاب المعرفي الحفري للعمل الاستقصائي في دَعْم الديمقراطية وحماية مؤسساتها؟ وتعتمد الورقة المقابَلَة أداةً منهجية في مقاربة أبعاد هذا السؤال؛ حيث أجرى الباحث عددًا من المقابلات (استجواب عبر البريد الإلكتروني) مع باحثين أكاديميين في مجال الإعلام والاتصال، فضلًا عن صحفيين مِهَنِيِّين خَبِروا العمل الصحفي الاستقصائي، بالتركيز على المحاور الآتية: أولًا: مدخل مفاهيمي للصحافة الاستقصائية والصحافة التقليدية. ثانيًا: أهمية الصحافة الاستقصائية لوسائل الإعلام خاصة التليفزيونية. ثالثًا: تعاظم اهتمام القنوات الإخبارية بالصحافة الاستقصائية. رابعًا: دور الصحافة الاستقصائية في تعزيز الممارسة الديمقراطية.

وتبدو أهمية المدخل المفاهيمي، الذي يُعرِّف بمصطلح الصحافة الاستقصائية وحدود علاقتها بالصحافة التقليدية، في استكشاف نمط الخطاب الـمُؤَسِّس لنموذج العمل الصحفي الاستقصائي وتحديد مرتكزاته وآليات اشتغاله، وأيضًا في استجلاء شبكية العلاقة التي تربط هذا النموذج بمحيطه السياسي والاجتماعي ونسق العمل الديمقراطي عمومًا.

مدخل مفاهيمي: الصحافة الاستقصائية والصحافة التقليدية

قبل تعريف هذين المصطلحين (الصحافة الاستقصائية والصحافة التقليدية)، يبدو مُهِمًّا أيضًا تحديد مفهوم الدور باعتباره مصطلحًا مِفْتَاحِيًّا يُشَكِّل “المناط” الذي يُحدِّد علاقة الصحافة الاستقصائية بالممارسة الديمقراطية، وهو يَرِد في المفهوم العام بمعنى “سلسلة من التعيينات يُتَوَقَّع أن يقوم بها الشخص المنوط به الدور، والذي يحتلُّ موقعًا في إطار مُؤَسَّسِي أو مهني، وذلك في مقابل مواقع أخرى مترابطة أو متكاملة، ولكل منها واجبات وحقوق خاصة بالأداء؛ توضحها قواعد ومعايير ثابتة ومعروفة”(4). وفي الحقل السوسيولوجي، يُراد بالدور الوظيفة التي يُكلَّف بها الشخص أو المؤسسة، وينهض بها تبعًا لأهدافه وفنية ممارستها بشكل مُنْتَظِم تُحدِّده لوائح العمل وأعرافه الخلقية والمهنية. كما يشير إلى مجموعة من معايير السلوك التي تحكم وضعًا مُعَيَّنًا في البناء الاجتماعي، وتتكوَّن هذه المعايير من مجموعة من التوقعات التي يكوِّنها الآخرون، والتي لا تضم فقط كيف يؤدي الفرد الدور، وإنما تصف كيف يجب أن يُعامِل الفرد الآخرين أثناء تأديته لدوره(5).

كما يُعرَّف الدور أيضًا بالسلوك الاجتماعي المُتَوَقَّع الذي يرتبط بوضع اجتماعي معين(6) أو قائمة سلوك مميز لشخص، أو مكانة، أو منظومة من المعايير والتوصيفات والقيم والتصورات المحدِّدة لسلوك شخص، أو مكانة اجتماعية(7). وتستخدم الورقة مصطلح الدور باعتباره مجموع الوظائف التي تقوم بها الصحافة الاستقصائية -كما سَنُبَيِّن لاحقًا- في تفاعلها مع نسق الممارسة الديمقراطية ومؤسساته المختلفة. فما المقصود إذًا بالصحافة الاستقصائية؟

ثمة مصطلحات مترادفة كثيرة للصحافة الاستقصائية (Investigative Journalism) تُشِير إلى مفهوم مَخْصُوص، مثل: صحافة التَّقَصِّي أو الاستقصاء أو العُمْق(8) أو التَّحرِّي أو البحث أو التحقيق(9)، أو صحافة الدِّقَّة(10)، أو “صحافة المعلومات المخفية”(11)، وسُمِّي مُحَرِّرُو هذا النموذج الصحفي خلال ظهوره بـ”الـمُنَقِّبِين عن الفساد” (Muck Rekers)، وهو ما طَبَع جميع المراحل التي تَشَكَّلَت فيها خُصُوصِيَّتُه باعتباره جنسًا صحفيًّا وتبلورت فيها قواعده المهنية. وهنا، نلاحظ أن معجم التَّعابير الاصطلاحية المذكورة يُرَكِّز على أحد أبعاد أو خصائص الصحافة الاستقصائية؛ فيُبْرِز إما موضوعَ أو قصةَ الاستقصاء (المعلومات الخفية) أو طبيعة معالجة القصة (العُمْق) أو القواعد العلمية والمهنية للاستقصاء (البحث والتحري والدقة..)، وهي السِّمات التي نجدها أيضًا متناثرة في التعاريف الاصطلاحية المختلفة؛ إذ ليس هناك حَدٌّ مُطْلَقٌ مُكْتَفِيًا بذاته.

إذا أخذنا تعريف رابطة الصحافيين والمحررين الاستقصائيين في أميركا، فهو يُحَدِّد ثلاثة مرتكزات تُمَيِّز العمل الصحفي الاستقصائي: “إعداد التقارير من خلال المبادرة الفردية ونتيجة العمل الذي يقوم به المحرِّر، وهي تكتسب أهمية خاصة لدى القراء أو المشاهدين أو المستمعين، وفي كثير من الحالات فإن القضايا التي تتطرَّق إليها الصحافة الاستقصائية تتصل بالملفات التي يتطلَّع البعض إلى إبقائها في حَيِّز السرية والتَّكَتُّم”(12). ويعني التركيز على “المبادرة الفردية” أن يتميَّز العمل الاستقصائي بأصالة البحث في الموضوع أو القصة وليس تقريرًا حول استقصاء أو تحقيق آخر، أو جُهْدًا يصف محاولة الاستقصاء ومساراتها؛ فـ”استلام أحد الملفات من أحد المصادر الرَّسمية ذات النفوذ، ثم إعادة كتابته ونشره في اليوم ذاته لا يُصَنَّف في خانة الصحافة الاستقصائية”، كما يوضِّح مدير شبكة الصحافة الاستقصائية العالمية، ديفيد كابلان(13). ويشترط التعريف أيضًا أن “يقوم المحرِّر” نفسه بعملية الاستقصاء بحثًا وتَحَرِّيًا وتَحَقُّقًا وكتابةً، وأن يكون العمل الاستقصائي مرتبطًا بقضية تهمُّ الرأي العام أو بالحقائق والمعلومات التي تسعى جهات مُعَيَّنَة لإخفائها عن الجمهور و”التَّكَتُّم على سريتها”.

وتتواتر هذه المرتكزات الثلاثة في معظم التعريفات؛ إذ يرى ديفيد كابلان أن “الصحافة الاستقصائية نهج مُنَظَّم لحدس يتطلَّب الغوص في العُمْق، والبحث الفعلي الذي يقوم به الصحفي بنفسه بطريقة علمية تعتمد على وضع فرضية واختبار مدى صحتها، والتأكد من الحقائق المحيطة بهذه الفرضية، ونَبْش الأسرار المغمورة، ووضع ركائز العدالة الاجتماعية والمساءلة…”(14). غير أن هذا التعريف يضيف مرتكزين أو عنصرين جديدين، وهما: الفرضية التي يعتبرها مارك هنتر (Mark Hunter)، أحد مؤسسي شبكة الصحافة الاستقصائية العالمية، “القصة وأسلوب اختبارها والتحقُّق منها…إذ يُمَثِّل الاستقصاء القائم على أسلوب الفرضية أداة للحَفْر والنَّبْش عميقًا بحثًا عن الحقيقة”(15)، ثم هناك الرقابة والمساءلة لحماية المؤسسات العامة وإصلاحها وإقامة العدالة الاجتماعية.

ويبدو التعريف الذي يُقَدِّمه رئيس المركز الدولي للصحفيين، ديفيد نابل (David Nabeul)، جامعًا لهذه العناصر؛ إذ يرى العمل الصحفي الاستقصائي سلوكًا منهجيًّا مؤسساتيًّا صرفًا، يعتمد على البحث والتدقيق والاستقصاء حرصًا على الموضوعية والدقة وللتأكد من صحة الخبر وما قد يخفيه انطلاقًا من مبدأ الشفافية ومحاربة الفساد، والتزامًا بدور الصحافة ككلب حراسة على السلوك الحكومي، وكوسيلة لمساءلة المسؤولين ومحاسبتهم على أعمالهم خدمة للمصلحة العامة ووفقًا لمبادئ قوانين حق الاطلاع وحرية المعلومات(16).

وإذا كان هذا السلوك المنهجي يجعل العمل الصحفي الاستقصائي عملية عقلية تقوم على جمع وتخزين الأفكار والحقائق وبناء لأنماط صحفية، وتحليل للبدائل المتاحة أمام المحرِّر، واتخاذ قرارات تقوم على المنطق أكثر من العاطفة، فإنه يُمَكِّن الصحفي أيضًا من نقد الأوضاع السيئة وإبراز السلوكات الخاطئة والتَّصرُّفات غير السليمة طالما توافرت لديه الحقائق والمعلومات؛ مما يجعل النموذج الفكري الـمُؤَسِّس للعمل الصحفي الاستقصائي تفكيرًا نقديًّا(17). وهذا يعني أيضًا أن مدار الصحافة الاستقصائية ومركز اهتمامها هو “المصلحة العامة” التي ترتبط أساسًا بحماية الديمقراطية والحكم الرشيد وحرية التعبير والحقوق الأساسية للمواطنين الذين يجب إطلاعهم على الأحداث التي تتصل بهم مباشرة أو بشكل غير مباشر، وكشف أو فضح الجرائم والفساد وسوء الإدارة والمخالفات الجسيمة(18) والتحقيق في صدق السياسات وتحرِّي الحقائق عندما يتم التنازع حول الحقيقة أو الاشتباك بشأنها أو إخفائها(19).

إذن، من خلال هذه التعاريف التي ركَّزت على جوانب مختلفة يمكن رصد أهم خصائص الصحافة الاستقصائية في:

الكشف عن الحقائق والمعلومات التي تسعى جهة مُعَيَّنَة إلى إخفائها عن الرأي العام.

حقائق ومعلومات ترتبط بقضية تهمُّ الرأي العام وتثير الانتباه إلى مواطن الخَلَل في نظام المجتمع أو الفشل في النظام العام.

أصالة البحث في القصة التي تعكس المبادرة الفردية والجهد الذاتي للمحرِّر في إنجاز مسارات العمل الاستقصائي.

القواعد العلمية والمهنية في البحث والتحرِّي والتَّحُقُّق من المعلومات واختبار الفرضيات.

العُمْق في معالجة المعلومات والحقائق باعتماد مناهج مختلفة (تاريخية، اجتماعية، نفسية، ثقافية، لسانية..).

الرقابة على المؤسسات العامة وأداء المسؤولين في دوائر السلطة والشخصيات العامة.

المساءلة النقدية وتحديد المسؤولية عن السلوكات الخاطئة والتَّصرُّفات غير السليمة خدمة للمصلحة العامة.

نشر المعلومات التي تُحَفِّز الرأي العام وتدفع السلطة للإصلاح والتغيير.

وتورد بعض الدراسات والأبحاث خصائص وسمات كثيرة لنموذج الصحافة الاستقصائية تَخُصُّ مسارات “البحث والمصادر والنتائج” كما نجد -على سبيل المثال لا الحصر- في دليل “شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية”(20)، ثم “الكتاب المرجعي في الصحافة الاستقصائية”(21)، لكن يظل العمل الاستقصائي قائمًا على مرتكزات أو مُتَطَلَّبَات أساسية توضِّحها النَّمْذَجَة التي يقترحها الباحث مُمَثَّلَةً في الإطارات الأربعة للشاشة، كما يُظْهِر الشكل رقم (1)؛ حيث تُشَكِّل الحقائقُ والمعلوماتُ الخفيةُ قاعدةَ الشاشة الحاملةَ للعمل الصحفي الاستقصائي، وأصالةُ البحثِ في القصة يمينَها (الشاشة) التي تَسْنِد القاعدة، ويُبْرِز يسارُها الداعمُ للقصة القواعدَ العلميةَ والمهنيَّةَ للاستقصاء، أما الرقابةُ على المؤسسات العامة فيُجَسِّدها الإطارُ العلوي للشاشة باعتباره الأفق الذي ينشده العمل الاستقصائي، وفي عمقها تَبْرُزُ المعرفة الحفرية/العميقة في معالجة القصة.

تُشَكِّل هذه المحدِّدات والمرتكزات خصوصية العمل الصحفي الاستقصائي التي تختلف عن الممارسة الصحفية التقليدية -كما ذكرنا في مسارات البحث عن الحقائق والمعلومات والمصادر والنتائج- ففي الوقت الذي تُمَثِّل فيه “تغطية المشروع” (Enterprise Reporting) مُحَدِّدًا أساسيًّا للنموذج الصحفي الاستقصائي مُتَجَاوِزًا القصص الإخبارية في ذاتها، تتفاعل الصحافة التقليدية مع الأحداث وصُنَّاع الأجندة الإخبارية(22)؛ حيث تعتمد بصورة عامة وأحيانًا كليًّا على مواد ومعلومات وَفَّرَها آخرون (أجهزة حكومية ومؤسسات عامة وخاصة…)، ويُسْتَكْمَل البحث بشأنها بسرعة. وقد تقوم القصة على الحد الأدنى الضروري من المعلومات، ويمكن لتصريحات المصادر أن تحلَّ محلَّ التوثيق، كما تعتمد على جمع ردود فعل حيالها، في حين أن المعلومات التي يكشفها العمل الاستقصائي لا يمكن نشرها إلا إذا تم التأكد من ترابطها واكتمالها؛ حيث يستمر البحث حتى يتمَّ التَثَبُّت من القصة، وقد يستمر بعد نشرها، كما يتطلَّب التحقيق توثيقًا لدعم تصريحات المصادر أو إنكارها. وتهدف الصحافة التقليدية إلى خلق صورة موضوعية للعالم كما هو، ولا تأمل في الوصول إلى نتائج أبعد من مجرد إخبار الجمهور بالأحداث والوقائع، بينما يستخدم العمل الاستقصائي بطرق موضوعية مواد ومعلومات حقيقية تتحوَّل إلى حقائق تستهدف كشف وضع مُعَيَّن أو تعريته وعرض اتجاه التغيير(23). ويُظْهِر الشكل رقم (2) خصوصية النموذج الصحفي التقليدي في تغطيته للأحداث والتعامل مع محيطه السياسي والاجتماعي كالرَّامِي في انتقاء هدفه بعد تحديد الزاوية والمسافة.

أهمية الصحافة الاستقصائية لوسائل الإعلام

يساعد هذا المدخل المفاهيمي حول الصحافة الاستقصائية والتقليدية في تحديد أهمية النموذج الاستقصائي لوسائل الإعلام، خاصة التليفزيونية، التي أخذت تولي اهتمامًا ملحوظًا لهذا النموذج، كما تابعنا في الخريطة البرامجية لقناة الجزيرة، نهاية العام 2016، التي تَبُثُّ “ساعة تحقيقية” أسبوعيًّا تعرض فيها وبشكل دوري أحد البرامج الاستقصائية لإطلاع المشاهد على قضايا وحقائق وخفايا في قالب تليفزيوني غير مسبوق على الشاشات العربية، وضمنها برامج: “ما خفي كان أعظم”، و”المسافة صفر”، و”شاهد عيان”، فضلًا عن البرنامج الاستقصائي “الصندوق الأسود”؛ وذلك في سياق رؤية الجزيرة وسعيها للبحث عن الحقيقة وعرض مختلف الآراء وفتح أبواب النقاش أمام المشاهد(24).

وهنا، تبرز مُسَوِّغات وأبعاد مختلفة تُفَسِّر أهمية الصحافة الاستقصائية لوسائل الإعلام؛ إذ ترتبط أساسًا بخصوصيَّة النموذج المعرفي الذي تُؤَسِّس له قواعدُ العمل الصحفي الاستقصائي، مُسْتَلْهِمًا المنهج الحفري المعرفي (الأركيولوجي)، فيما يمكن تَسْمِيَّتُه بـ”المعرفة الحفرية للواقع” الناتجة عن البحث في وقائع الأحداث والتنقيب في النصوص والقصاصات الإخبارية والوثائق الرسمية والتاريخية والوثائق المُهْمَلَة؛ ما يجعل العمل الاستقصائي “يُلَبِّي حق المواطن في المعرفة وإدراك خلفيات ما يجري عبر استجلاء الحقيقة والكشف عن المستور أو المسكوت عنه”(25)، وهو ما لا تُوَفِّره أو تتيحه التغطية الصحفية التقليدية لاسيما في الإعلام الرسمي العربي الذي لا يزال إعلامًا خادمًا للسلطة. وبهذا البعد المعرفي الحفري للأحداث والوقائع تمنح “الصحافةُ الاستقصائيةُ الخصوصيةَ للوسيلة الإعلامية، وتُكْسِبُها بَصمتَها وفاعِلِيَّتَها في المجتمع، بل تُقَرِّبُها من المواطن وقضاياه”(26) بإخضاعها السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، للتشريح والمراقبة وكشف الفساد وتعرية الفاسدين(27).

 

إذن، يصبح النموذج الصحفي الاستقصائي وَسْمًا أو “علامة إعلامية” للوسيلة، وهو ما سَمَّاه أيضًا إياد الداود، مشرف البرامج التحريرية بقناة الجزيرة، بـ”البَصْمَة” التي تُميِّز هذه الوسيلة وتَمُدُّ في عمرها المهني؛ حيث تُحَقِّق لها قوةُ المعرفةِ الحفريةِ “كَسْبًا معنويًّا وصدقيةً عاليةً”(28)، كما أن الزخم الإعلامي والسياسي الذي يخلقه هذا النموذج من خلال الملفات التي يتناولها بالتحقيق والتحري يُكْسِب الوسيلة الإعلامية سمعةً مهنيةً تزيد من شعبيتها وإقبال الجمهور عليها، وهو ما يضعها أيضًا في الواجهة الإعلامية والسياسية، فضلًا عن مداخيل الإعلانات التي تجنيها تلك الوسيلة سواء وقت النشر أو بعده(29).

وثمة بُعد آخر يجعل الصحافة الاستقصائية تحظى باهتمام وسائل الإعلام باعتبارها “تُسْهِم في تنويع المنتج الصحفي، وتحريره من سلطة التشابه والتماثل نتيجة تداول الأخبار عينها من المصادر ذاتها أو المتشابهة، أي التي دفعها اللَّهث وراء الآنيَّة والسرعة في توزيع الأخبار وبثها إلى التشابه”(30).

تعاظم اهتمام القنوات الإخبارية بالصحافة الاستقصائية

يبدو تعاظم اهتمام القنوات الإخبارية بالصحافة الاستقصائية مُثِيرًا لانتباه كثير من الباحثين؛ إذ تزايدت المساحة الزمنية لهذا النموذج في القنوات الإخبارية مقابل تراجع حضوره في الصحافة المكتوبة، كما يلاحظ الأستاذ الجامعي والباحث في علوم الإعلام والاتصال نصر الدين لعياضي، مُفَسِّرًا ذلك بالأزمة التي تعيشها الصحافة الورقية، في ظلِّ تراجع مَقْرُوئِيَّتِها وتحوُّل العادات الاتصالية للجمهور باتجاه الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي، وارتفاع الكلفة المالية لإنجاز التحقيقات الصحفية والأعمال الاستقصائية، مُحَدِّدًا عوامل مختلفة ساعدت في قوة اهتمام القنوات الإخبارية بالصحافة الاستقصائية، أهمها:

تطور التكنولوجيا: الذي سهَّل تطور الصحافة الاستقصائية، خاصة التصوير الرقمي ودِقَّة معداته التي باتت تتيح التصوير حتى بالكاميرا الخفية، وسرعة تجميع المعلومات واللقاء بمصادرها، وهو الأمر الذي لم يكن مُتَوَفِّرًا في بداية الستينات من القرن الماضي.

شدة التنافس بين القنوات الإخبارية: مما دفع إلى التفكير في تَنْوِيع المادة الصحفية وإخراجها من قوالب التعبير السردية المهيمنة: الخبر، والتقرير الإخباري، لاسيما أن الخبر العادي، كما يوضح أستاذ الإعلام حيدر بدوي صادق “أصبح متوفرًا عبر مِنَصَّات كثيرة، ولا يُشَكِّل توافره عند قناة أو أخرى فوراق تُذْكَر بينها؛ إذ بقليل من البحث يمكن تمييز الخبر الصادق من الكاذب، بل إضافة المعلومات الجديدة للقصة الخبرية من قِبَل المتلقي نفسه بالتجوال عبر عدَّة مصادر خبرية. ولكن ما يصنع الفرق هو كشف الفساد المستور أو جريمة حدثت في الخفاء بالأدلة الدامغة، خاصة حين تكون جهات نافذة متورطة في مثل هذه القضايا”(31). وفي ظل ازدياد المنافسة بين المؤسسات الإعلامية، يرى أستاذ الإعلام كمال حميدو، أن “الصحافة الاستقصائية أصبحت قيمة مضافة تلجأ إليها القنوات التليفزيونية حتى تُخْرِج نفسها من خانة “القناة العادية” لتُصَنَّف ضمن كبريات القنوات التي تملك ليس فقط قناعة بوجاهة وأهمية العمل الصحفي الاستقصائي، بل تملك أيضًا الموارد المادية والبشرية التي تُمَكِّنُها من إنجاز تحقيقات استقصائية بحِرفية وعمق كافيين، وهو ما يضفي صورة ذهنية إيجابية عن القناة، وكذلك مشروعية وثِقْلًا على خطابها بين عموم الجمهور والنقاد من الإعلاميين والمتخصصين”(32). إذن، يُشَكِّل التنافس بين القنوات التليفزيونية عاملًا أساسيًّا في اهتمام وسائل الإعلام بالعمل الاستقصائي باعتباره “الممارسة الصحفية التي تُمَيِّز بين المؤسسة الإعلامية الناقلة للأخبار والمؤسسة التي تبحث في أسباب الأحداث وتداعياتها؛ إذ إن أبرز المؤسسات الإعلامية في العالم اشتُهرت بفضل استقصائها للفضائح والتجاوزات التي تَسَبَّب فيها الساسة ورجال المال والأعمال”(33).

التنافس أيضًا بين القنوات الإخبارية والإعلام الجديد الذي يسعى إلى تقديم إعلام بديل يقف فوق أرضية الأخبار. فالصحافة الاستقصائية هي الحجة الدَّامِغَة لِدَحْض الفكرة التي ترى أن الاستغناء عن القنوات الإخبارية ليس مُمْكِنًا، وأن المواطن الذي يملك كاميرا في هاتفه لا يمكن أن يكون صحفيًّا مُحَقِّقًا، أي ينجز تحقيقات صحفية بكل ما تقتضيه متطلَّباتها المهنية وأخلاقياتها.

أمام كثرة المعلومات وتدفُّقها، والتي تتطلَّب من المواطن/المشاهد متابعتها، تضاءلت قدرته على فهمها في ظلِّ ضغط الوقت والسرعة، غير أن الصحافة الاستقصائية تسعى إلى تلبية هذه المهمة.

تُسْهِم القنوات التليفزيونية في تجريد الصحافة الاستقصائية من طابعها النخبوي ونزعتها الثقافية والفكرية الموجهة إلى الصفوة التي تملك خلفية معرفية في السياسة والاقتصاد والمال والعلم؛ وبذلك تُقَدِّم الحقائق بشكل بسيط وسهل ومكثف، وبتقنيات مرئية تغري بالمتابعة(34).

ورغم أهمية هذه المحدِّدات والعوامل (التكنولوجية والاتصالية والاقتصادية) التي تُفَسِّر تعاظم اهتمام القنوات التليفزيونية بالصحافة الاستقصائية، لا يمكن إغفال التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في المجال العربي منذ العام 2011، والتي كان لها أثر قوي في تحديد وتوجيه سلوكات الأفراد باتجاه المشاركة والتفاعل مع الأحداث وتطوراتها بدل أن يكون “جمهورًا سلبيًّا”، وهو ما يُشَخِّصُه إياد الداود في تطوُّر “الحس النقدي للجمهور”؛ حيث أصبح المشاهد اليوم صحفيًّا مُشَارِكًا في رصد وتقييم ما يحيط به من أحداث ومستجدات، ما يجعل قناة إخبارية مثل الجزيرة تحرص على مواكبة الوعي والثقافة العالية للمشاهد عبر العمل الاستقصائي(35).

ولا يمكن أيضًا أن نفهم اهتمام وسائل الإعلام بالصحافة الاستقصائية، خاصة في حالة قناة الجزيرة، دون أن نلاحظ مُتَغِيِّرًا جوهريًّا مُؤَسِّسًا لرؤية القناة واستراتيجيتها الإعلامية منذ انطلاقها في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1996، ويتمثَّل كما يشير عارف حجاوي، المدير السابق للبرامج بالقناة، في “تحرُّرها من رَبَقَة الإعلام الرَّسمي مما أتاح لها نشر الأخبار الدفينة وغير المتاحة”(36)؛ إذ نشأت أساسًا لتُحْدِث القطيعة مع إِرْثِ الإعلام العربي، وتجلَّت هذه القطيعة في الرؤية والممارسة الإعلامية؛ إذ كان الإعلام العربي تابعًا للسلطة (إعلام السلطة)؛ ويبرز ذلك بوضوح في بنية الخبر وفي أهمية ترتيبه في سياق النشرة، فكان الإعلام يدور مع الحاكم حيث دَارَ، يُقَدِّم إنجازاته المتحققة والموعودة مُؤَسْطِرًا شخصيته(37) بينما قطعت الجزيرة مع هذه العلاقة فرسَّخت سلطة الإعلام بدل إعلام السلطة، وكان العمل الاستقصائي أبرز نموذج لهذا التحول.

الصحافة الاستقصائية وتعزيز الممارسة الديمقراطية

تُعدُّ علاقة الصحافة الاستقصائية بتعزيز الديمقراطية ودورها في دعم نسق الحكم الديمقراطي وحماية مؤسساته قضية إشكالية؛ إذ تُثِير أسئلة كثيرة ومُرَكَّبَة بشأن حدود تأثير هذا النموذج الصحفي في محيطه السياسي والاجتماعي وخلق بيئة سياسية مُتَحَرِّرَة، والمساهمة في إنتاج الديمقراطية، أم أن العمل الاستقصائي نفسه يحتاج إلى بيئة ديمقراطية تُعَزِّز نموذجه المعرفي كي يؤدي دوره الرَّقابي في المجتمع، كما أن السؤال عن حدود العلاقة التفاعلية وأشكالها بين الصحافة الاستقصائية والديمقراطية يظل مشروعًا أيضًا. وفي هذا السياق، يرى الباحث وأستاذ تاريخ سوسولوجيا الإعلام، مايكل شودسون (Michael Schudson)، أن الصحافة عمومًا لا تُنْتِج بالضرورة الديمقراطية؛ حيث لا توجد الديمقراطية أصلًا، لكنها تُقدِّم خدمات مختلفة تساعد في توطيد أو حماية حكومة تَمْثِيلِيَّة(38)، وقد حدَّدت الدراسات التي تناولت هذه العلاقة وظائف متعدِّدة للصحافة في المجتمع الديمقراطي تشمل وظيفة المراقبة التي تُعَدُّ امتدادًا لمفهوم السلطة الرابعة، ثم هناك وظيفة الحراسة؛ حيث تقوم الصحافة بحراسة المؤسسات النافذة في المجتمع وتتابع العناصر الطفيلية التي تدخل إليه وتعكِّر صفو ونقاء العلاقة القائمة، وثمة أيضًا وظيفة المرشد التي تمدُّ المواطنين بالمعلومات عن السياسات وصانع القرار السياسي لاتخاذ قراراتهم وتقييم المسؤولين، ثم هناك وظيفة الأليف أو الناقل، ووظيفة القائد؛ حيث تقوم الصحافة بوضع الأجندة للقضايا المطروحة في الساحة السياسية نظرًا لأهميتها في سياق الشأن العام(39).

وتُقدِّم الأبحاث والدراسات التي تناولت دور الصحافة الاستقصائية في التجارب الديمقراطية الناشئة مُقْتَرَبًا مُهِمًّا يُساعد في فَهْم خصوصية نموذج العمل الاستقصائي وتأثيره في محيطه السياسي والاجتماعي ونسق العمل الديمقراطي عمومًا. ففي التجارب الديمقراطية الجديدة التي ظهرت في أميركا اللاتينية، خلال التسعينات من القرن الماضي، برزت أهمية العمل الاستقصائي في فضح الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان والسلوكات غير السليمة، وهو ما أسهم في تَعْزِيز ثقافة المحاسبة في الحكم ودعم الديمقراطيات الوليدة في القارة؛ حيث تمكَّنت الصحافة من كشف الفساد في هَرَمِ السلطة وساهمت في سقوط بعض الحكومات. كما أن إزاحة أربعة رؤساء عن السُّلطة (الرئيس البرازيلي فرناندو دي كولور ميلو عام 1992، والرئيس الفنزويلي كارلوس أندريس برفيز عام 1993، والرئيس الإكوادوري عبد الله بوكرام عام 1997، ورئيس البيرو ألبرتو فوجيموري عام 2000) يرجع إلى حدٍّ كبير لدور الصحافة الاستقصائية التي كشفت تَوَرُّط هؤلاء الرؤساء في صفقات تفوح منها رائحة الفساد. وفي جنوب شرق آسيا التي شهدت تجارب ديمقراطية ناشئة أدَّت الصحافة الاستقصائية إلى توجيه اتهامات للرئيس الفلبيني، جوزيف استرادا، عام 2000، أثارت غضب الرأي العام ضد سلوكياته؛ مما دفع إلى خلعه من السلطة في انتفاضة شعبية بشوارع مانيلا في يناير/كانون الثاني 2001. وكشفت الصحافة الاستقصائية أيضًا الأعمال التجارية الغامضة لرئيس الوزراء التايلاندي، تاكسين شيناواترا، وفي إندونيسيا أدَّى العمل الصحفي الاستقصائي إلى الكشف عن السلوكيات غير السليمة في دوائر السلطة تسبَّبت في تقديم اتهامات ضد كبار المسؤولين عام 2001(40).

وفي المنطقة العربية، عَزَّزَتِ التحولاتُ السياسيةُ، التي عرفها المجال العربي بعد ثورات الربيع في العام 2011، مكانةَ العمل الصحفي الاستقصائي وأَهَمِّيَتَه؛ حيث اكتسب زخمًا كبيرًا في الكشف عن مظاهر الخَلَل في مؤسسات الحكم التي أطاحت بها تلك الثورات، كما اتَّسع مجال الممارسة الصحفية الاستقصائية الذي كان على سبيل المثال في الأردن محدودًا بقضايا اجتماعية وبيئية ليشمل موضوعات سياسية حيوية كالفساد وتزوير الانتخابات، وكذلك تطورت الصحافة الاستقصائية في تونس واليمن بعد ثورات الربيع العربي(41)، وأصبحت وسائل الإعلام الجديد تنافس الإعلام التقليدي في الكشف عن الممارسات الخاطئة لاستغلال السلطة والنفوذ من قِبَل بعض النخب السياسية الجديدة التي تولَّت السلطة عقب الثورات، ومراقبة أداء المؤسسات السياسية والمجتمعية.

وبهذا الدور الرَّقابي تعطي الصحافة الاستقصائية لتعبير “كلب حراسة الديمقراطية” كل معانيه، كما يشير الأستاذ الجامعي كمال حميدو، خاصة إذا أُفْسِح لها المجال للنَّبْشِ في ملفات الفساد والتلاعب والإضرار بالمصلحة العامة، فتبلغ مسعاها لِأَنْ تكون لسان حال المجتمع المدني والأداة التي يمارس من خلالها الرَّقابة على السلطات الثلاث فتعطي بذلك لمفهوم السلطة الرابعة كل معانيه؛ حيث يشعر من يديرون الشأن العام بوجود “سيف ديموقليس” قد يسلَّط على رؤوسهم متى ما أضرُّوا بالمصلحة العامة(42). ولعل هذا المنظور هو ما جعل أستاذ الإعلام والشؤون العامة بجامعة جورج واشنطن، سيلفيو ويسبورد (Silvio Waisbord)، يعتبر العمل الاستقصائي من أهمِّ المساهمات التي تُقدِّمها الصحافة في تثبيت الديمقراطية؛ إذ يرتبط بمنطق الضوابط والتوازنات في الأنظمة الديمقراطية، ويُوفِّر آلية ثمينة لمراقبة أداء المؤسسات الديمقراطية التي تضم الهيئات الحكومية والمنظمات المدنية ومؤسسات القطاع العام.. كما تُسْهِم الصحافة الاستقصائية في تثبيت الديمقراطية من خلال زيادة إطلاع المواطنين ومعرفتهم؛ لأن المعلومات مصدر حيوي لتذكير الشعب اليقظ بامتلاكه سلطة محاسبة الحكومة عبر الانتخابات والمشاركة، كما تحتفظ الصحافة الاستقصائية بسلطة تحديد برنامج عمل لها وتذكير المواطنين والشخصيات السياسية بوجود قضايا يجب معالجتها(43).

هناك منظور آخر لا يرى العمل الاستقصائي مُعَزِّزًا للديمقراطية، بل هو شرط لوجود الديمقراطية نفسها، كما يؤكد أستاذ الإعلام، محمد قيراط، “حيث لا يمكن الحديث عن ديمقراطية بدون صحافة استقصائية التي تعدُّ لسان حال الديمقراطية التي تؤمن بالرأي والرأي الآخر وحرية التعبير”(44)، بل “هما قرينان، وكل منهما يحمي الآخر ويدعم وجوده”(45). ولهذا يعتبر البعض العمل الاستقصائي بمثابة الوقود الذي بدونه يتوقَّف “محرك” الديمقراطية عن الدوران بفعالية؛ حيث يمكن للأدوات الصحفية أن تُلْهِم وتُحَفِّز الجمهور على النظر والفهم والعمل لفائدة مصالحه(46).

وانطلاقًا من هذا الدور “الـمُحَرِّك” لنسق العمل الديمقراطي (منظومة القواعد القانونية والبِنَى المؤسساتية، والقيم والمثل الديمقراطية)، عبر الرَّقابة على أداء المؤسسات المختلفة ومنظومتها القانونية وكشف السلوكيات والممارسات الخاطئة، تُسْهِم الصحافة الاستقصائية في اختبار فعالية هذا النَّسَق والتَّحَقُّق من إجرائية آلياته وقواعده وتأثيرها في ديناميات العمل العام، وتطور الممارسة الديمقراطية نفسها. وهنا، يصبح العمل الاستقصائي مَعْنِيًّا أساسًا بمقارنة الرؤية الـمُؤَطِّرِة لنشاط أو سياسة المؤسسة أو المنظمة أو حتى نظام الحكم مع أولويات برنامج العمل وأهدافه، ثم التَّحَقُّق من جاهزية المؤسسات ومدى امتلاكها للإمكانيات ونجاعة الوسائل لِتَنْزِيلِ رؤيتها وبرنامجها ثم قانونية الآليات المستخدمة، وهو ما يعني عمليًّا الرَّقابة على أدائها ومُخْرَجَات عملها. ويمثِّل الشكل الآتي (رقم 3) تصورًا لدينامية العمل الاستقصائي في اختبار النَّسَق المُؤَسَّسِي (لمنظمة أو هيئة أو نظام…) والتَّحرِّي في الأداء وعلاقته بالرؤى والبرنامج والوسائل، وهو ما يتيح الكشف عن الاختلالات والتناقضات الموجودة بين الرؤى والبرامج والمُخْرَجَات في نشاط الأفراد والمؤسسات:

وتسمح هذه المقارنة بين الرؤية وبرنامج العمل والمؤسسات والوسائل والأداء بالتأثير المباشر في نسق العمل الديمقراطي عبر إثارة النقاش والجدل حول القضية أو القصة محل الاستقصاء؛ فتصبح إحدى القضايا التي تهمُّ الرأي العام وتحظى بأولوية اهتماماته، كما لاحظنا في التجارب الديمقراطية الناشئة في أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا؛ حيث كان تأثير الصحافة الاستقصائية ملحوظًا؛ إذ شكَّل الرأي العام قوة رئيسية في قيادة عملية التغيير والمطالبة بالإصلاح. وقد لا يكون أثر العمل الصحفي الاستقصائي مباشرًا في نسق العمل الديمقراطي أو تطور الممارسة الديمقراطية وربما حمايتها ودعمها، لكن لا يمكن أيضًا أن نتجاهل أهمية الصحافة الاستقصائية ودورها في امتلاك الوعي والمعرفة العميقة بالقضايا والملفات والقصص التي تعالجها، وتدلُّ شواهد كثيرة بعضها لا يزال حديثًا، مثل “هل يصنع القَتَلَة الدواء؟”*، على نجاعة النموذج المعرفي الذي يُوَفِّره العمل الاستقصائي في إثارة النقاش العام حول هذه القضايا التي قد تأخذ طريقها إلى القضاء “والمحاكمات الرمزية” في المنتديات والمنصَّات الرَّقمية وفي أوساط المجتمع المدني، وهو ما يُحقِّق على الأقل حسب تعبير بيير ليفي (Pierre Lévy) “الديمقراطية الآنية”(47) التي تتيح للرأي العام الاطلاع على القضية التي تمسُّ حياته اليومية، وإبداء الرأي فيها بغض النظر عن مآلاتها والمسارات التي يجب أن تسلكها في نسق العمل الديمقراطي.

خلاصة

قد تكون “الديمقراطية الآنية” أهمَّ المساهمات التي تُقدِّمها الصحافة الاستقصائية عبر دورها الرَّقابي بضوابطه المعيارية على أداء المؤسسات والمنظمات والهيئات والفاعلين في مواقعهم المختلفة، ونسق الممارسة الديمقراطية عمومًا، وهو الدور الذي يكتسب قوته وفاعليته من المعرفة الحفرية العميقة التي يُنْتِجُها نموذج العمل الاستقصائي من خلال التحقيق والتَّحرِّي والبحث بقواعده العلمية والمهنية لإطلاع الرأي العام على الحقائق والمعلومات التي تسعى جهات بعينها إلى التَّستُّر عليها وإخفائها.

وبفعل الوعي الذي تُشَكِّله هذه المعرفة وبعدها التنويري في المعالجة الاستقصائية، فإنها تصبح سلطة معرفية تكتسب حُجَّتَها ومَرْجِعِيَّتها في المجال العام باعتبارها مصدرًا كاشفًا لأداء الأفراد والمؤسسات والهيئات، لذلك تهيمن على الرأي العام ويصعب تجاوزها، بل قد تكون أيضًا مصدرًا للنقاش والتفاوض بين مختلف الفاعلين وحشد الجمهور وتعبئته من أجل تغيير مظاهر الخَلَل بعد أن تكون وضعت القضية محل الاستقصاء ضمن أولويات أجندة الجهات التي يهمُّها الأمر، وقد تفتح كذلك مسارات قانونية وقضائية بشأنها، وهو ما يُؤَثِّر بشكل من الأشكال في الممارسة الديمقراطية وآلياتها وإِنْ كان هذا لا يعني مسؤوليتها عن التغيير، الذي يظل أمرًا مُعَقَّدًا يتجاوز دور الصحافة الاستقصائية أو الإعلام عمومًا.

مراجع

  1. Nazakat, Syed, “Social Media and Investigative Journalism”, 25 August 2012, (Visited on 17 December 2016):

https://www.icij.org/resources/social-media-and-investigative-journalism

  1. “وثائق بنما المسرَّبة تكشف تورط مشاهير وقادة”، الجزيرة نت، 4 إبريل/نيسان 2016، (تاريخ الدخول: 11 ديسمبر/كانون الأول 2016):

http://www.aljazeera.net/news/international/2016/4/4/%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%A8%D9%86%D9%85%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%B7-%D9%85%D8%B4%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%B1-%D9%88%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%A9

  1. دو سمايلي، هدويغ، “باسم الديمقراطية: تناقض الديمقراطية وحرية الصحافة في روسيا ما بعد الشيوعية”، في (مجموعة من المؤلِّفين) وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال السياسي في الديمقراطيات الجديدة، ترجمة: محمد الخولي، (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2016)، ط 1، ص 109.
  2. جمعة الكبيسي، عبد الله، مصطفى قمبر، محمود، دور مؤسسات التعليم العالي في التنمية الاقتصادية للمجتمع، (دار الثقافة، الدوحة، 2001)، ص 9.
  3. الجوهري، محمد، وآخرون، طرق البحث الاجتماعي، (دار المعرفة الجامعية، مصر، 1977)، ص 111.
  4. عدلي، عصمت، علم الاجتماع الأمني، (دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2001)، ص 15.
  5. Bruce, B. Edwin, T., Role Theory: Concepts and Research, (wiley, New York, 1966), p. 8.
  6. محمود الحسن، عيسى، الصحافة الاستقصائية: مهنة المتاعب والأخطار، (دار زهران، الأردن، 2012)، ط 1، ص 13.
  7. أبو الحمام، عزام، المنهج العلمي في الصحافة الاستقصائية، (دار أسامة، الأردن، 2014)، ط 1، ص 13.
  8. حسين الحمداني، بشرى، التغطية الصحفية الاستقصائية: تحقيقات عابرة للحدود، (دار أسامة، الأردن، 2012)، ط 1، ص 23.
  9. عبد الباقي، عيسى، الصحافة الاستقصائية: أطر نظرية ونماذج تطبيقية، (دار العلوم، القاهرة، 2013)، ط 1، ص 61.
  10. المرجع السابق، ص 63.
  11. لوني، مارغريت، “أربعة أمور لا تنطبق على الصحافة الاستقصائية”، شبكة الصحفيين الدوليين، 13 يناير/كانون الثاني 2013، (تاريخ الدخول: 17 ديسمبر/كانون الأول 2016):

https://ijnet.org/ar/blog/167210

  1. المرجع السابق.
  2. هنتر، مارك، وآخرون، “استخدام الفرضيات: جوهر الأسلوب الاستقصائي”، في محمود الزواوي ورنا الصباغ، على درب الحقيقة: دليل “أريج” الصحافة العربية الاستقصائية، ترجمة: غازي مسعود، (منظمة يونسكو، باريس، 2009)، ص 31-35.
  3. محمود الحسن، الصحافة الاستقصائية، ص 13.
  4. عبد الباقي، الصحافة الاستقصائية، ص 62.

Transparency International Sri Lanka, Resource book on Investigative Journalism, (Colombo, 2011), p. 12.

  1. Resource book on Investigative Journalism, p. 16, x.
  2. Hager, Nicky, “Investigative Journalism in the Age of Media Meltdown”, 5 November 2012, (Visited on 18 December 2016):

Investigative Journalism in the Age of Media Meltdown

  1. هنتر، مارك، وهانسون، نلز، “ما هي الصحافة الاستقصائية؟ كيف تتم؟ ولماذا يتحتم علينا القيام بها؟”، في محمود الزواوي ورنا الصباغ، على درب الحقيقة: دليل “أريج” الصحافة العربية الاستقصائية، ص 19-20.
  2. Transparency International Sri Lanka, Resource book on Investigative Journalism, (Colombo, 2011), p. 9-10-11.
  3. Resource book on Investigative Journalism, p. 9.
  4. هنتر، مارك، وهانسون، نلز، “ما هي الصحافة الاستقصائية؟ كيف تتم؟ ولماذا يتحتم علينا القيام بها؟”، في محمود الزواوي ورنا الصباغ، على درب الحقيقة: دليل “أريج” الصحافة العربية الاستقصائية، ص 19-20.
  5. حاج إبراهيم، سليمان، “بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيسها: الجزيرة تطلق مجموعة من البرامج الاستقصائية الجديدة”، القدس العربي، 22 أكتوبر/تشرين الثاني 2016، (تاريخ الدخول: 19 ديسمبر/كانون الأول 2016):

 بمناسبة الذكرى العشرين لتأسيسها «الجزيرة» تطلق مجموعة من البرامج الاستقصائية الجديدة

  1. لعياضي، نصر الدين، أستاذ جامعي وباحث في علوم الإعلام والاتصال، استجواب مع الباحث عبر البريد الإلكتروني، 28 ديسمبر/كانون الأول 2016.
  2. الداود، إياد، مشرف البرامج التحقيقية بقناة الجزيرة، استجواب مع الباحث عبر البريد الإلكتروني، 5 ديسمبر/كانون الأول 2016.
  3. بدوي صادق، حيدر، أستاذ الإعلام بجامعة قطر، استجواب مع الباحث عبر البريد الإلكتروني، 3 ديسمبر/كانون الأول 2016.
  4. حجاوي، عارف، مدير المعايير التحريرية في قطاع ضبط الجودة بشبكة الجزيرة، استجواب مع الباحث عبر البريد الإلكتروني، 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.
  5. حميدو، كمال، أستاذ الإعلام بجامعة قطر، استجواب مع الباحث عبر البريد الإلكتروني، 2 ديسمبر/كانون الأول 2016.

حجاوي، مرجع سابق.

  1. لعياضي، مرجع سابق.
  2. بدوي صادق، مرجع سابق.
  3. حميدو، مرجع سابق.
  4. قيراط، محمد، أستاذ الإعلام بجامعة قطر، استجواب مع الباحث عبر البريد الإلكتروني، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.
  5. لعياضي، مرجع سابق.
  6. الداود، مرجع سابق.
  7. حجاوي، مرجع سابق.
  8. عبد المولى، عز الدين، “ما قبل الجزيرة وما بعدها: الإعلام العربي بين عصرين”، في الجزيرة في عشرين عامًا: أثرها في الإعلام والسياسة والأكاديميا، (مركز الجزيرة للدراسات، دار العلوم ناشرون، بيروت، 2016)، ط 1، ص 29.
  9. Schudson, Michael, Why Democracies Need an Unlovable Press, (Taylor and Francis Group, Cambridge, 2007), 12-24.
  10. محمود الحسن، الصحافة الاستقصائية، مرجع سابق، ص 32-33.
  11. Coronel, Sheila, “The Role of the Media in Deepening Democracy”, unpan1.un.org, 2003, p. 9-10, (Visited on 24 December 2016):

http://unpan1.un.org/intradoc/groups/public/documents/un/unpan010194.pdf

  1. “Investigative Journalism in the Arab World: Issues and Challenges”, Jornalismo Investigativo, UNDP Report, International Policy Centre for Inclusive Growth, 2010, p. 6.
  2. حميدو، مرجع سابق.
  3. Waisbord, Silvio, “Why Democracy Needs Investigative Journalism”, 15 January 2001, (26 December 2016):

resources.transparency.bg/download.html?id=308

file:///C:/Users/alzoabim/Downloads/Why%20Democracy%20Needs%20Investigative%20Journalism[1].pdf

  1. قيراط، مرجع سابق.
  2. الداود، مرجع سابق.
  3. Transparency International Sri Lanka, Resource book on Investigative Journalism, p. 1.

* “هل يصنع القَتَلَة الدواء؟” تحقيق استقصائي بثَّته الجزيرة الوثائقية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2016 “حول دواء إسرائيلي لعلاج جنود أميركيين تم تجريبه على عدد من أهالي سيدي بوزيد خلال نظام ابن علي”. وتشير المخرجة التونسية إيمان بن حسين إلى أن “الفيلم يكشف تورط معهد باستور ووزارة الصحة التونسية من سنة 2002 إلى 2014 مع البنتاغون ومختبر إسرائيلي في استغلال أطفال تونسيين بالجنوب التونسي لتجربة عقار دوائي بهدف علاج جنود أميركيين من مرض ليشمانيا أصيبوا به في حرب الخليج”.

معهد باستور يندد ويستنكر الشريط الوثائقي الذي بثته قناة الجزيرة الوثائقية، باب نت، 18 ديسمبر/كانون الأول 2016، (تاريخ الدخول: 27 ديسمبر/كانون الأول 2016):

http://www.babnet.net/cadredetail-135590.asp

  1. ماتلار، أرمان وميشال، تاريخ نظريات الاتصال، ترجمة: نصر الدين لعياضي والصادق رابح، (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005)، ص 194.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى