صفحات الرأي

اختراع النـُّخب/ إيمان القويفلي

 

 

النخبة السياسية واقع، والنخب الاجتماعية مجرّد مفهوم. مفهومٌ يمكن شرحهُ بألف طريقة، من دون إجماع على واحدة منها. ما الذي يحدّد النخب الاجتماعية؟ مستوى الشـّعبية واتّساع القاعدة الجماهيرية؟ اعتراف الأقران والنّخب؟ التأثير الفكري؟ مفهومٌ مشوّش. لكن، في حالات الدول، حيث تكون النخبة السياسية واقعاً حاداً، يحيط بالمجتمع ويحتجزه ضمن إكراهاته، واقعاً متغوّلاً يبتلع الفضاء العام بأحيازه وأدواته، فإن تشوّش مفهوم النخب يصبح ميزة مفضّلة للنخبة السياسية، لأنها تستغلّهُ لتقوم باختراع باقي النخب الاجتماعية. فتخترع النخبة الثقافية، والدينية، والاقتصادية. تحسم تشوّش مفهوم النخب الاجتماعية لصالح مفهومها الخاصّ، تصير نخبة أي حقل هم من يقرر السياسيون أنهم نُخبته، من تناسب حدود نخبويتهم طموحاتها ومساعيها السياسية، من لا تمثل نخبويتهم التجريدية تهديداً، ولا منافسة، ولا حتى معاكسة للنخبوية السلطوية الحقيقية. ويصير “تعريف النخبة” في حقلٍ ما، مبنياً أساساً على “الاعتراف السياسيّ”، والباقي تفاصيل.

تخترع النخبة السياسية باقي النّخب الاجتماعية على طريقة تاجر العقار: ابنِ أولاً واصنع الميزات، وسيأتي السكّان لاحقاً. تُمأسس المجالات وتكتب قوانينها وتبتكر أعرافها وتحدد رهاناتها وترصد مكافآتها، ثم يأتي الطامحون من كل مكان، ليملأوا الشواغر التي تخيلت النخبة السياسية إطارها وحدودها. سيأتي المثقفون الصغار للعمل في المؤسسات الثقافية التي أسستها لهم الحكومة، وسيأتي الاقتصاديون بأموالهم على أساس قواعد العمل التي رسمتها لهم الحكومة، وسيأتي طلاب العلم لتلقّي الفقه الذي تعترف بهِ الحكومة. ستختار النخبة السياسية أنـْجَب هؤلاء جميعاً في كل مجال، التلاميذ الذين يفهمون مُرادها البعيد قبل القريب، الذين ينسابون معها بسهولةٍ عبر تقلبات التاريخ وتموّجات المواقف، بلا مقاومة، بلا نشوز، بلا شكوك، بلا حتّى أسئلة. ستختارهم وستمنحهم أجزى ثمار الحقل، ستمنح نخبتها المثقفة الصفحات والصّحُف، وستمنح نخبتها الاقتصادية الصفقات، وستمنح نخبتها الدينية المنابر، وستخترع مناصب للتكنوقراط الذين اخترعتهم، وتختلق الأعمال للوكلاء الذين اختلقتهم. ستعمل النخبة المثقفة في قطاع “المقاولات الثقافية” (كما يسميانه بودون وبوريكو) مناديب عن مصالح النخبة السياسية.

ستصنع كل نُخبة مُختَرعة داخل حقلها إعصاراً يجتذب إليه كل العناصر الرخوة في الحقل، كل أولئك المتكاسلين عن طرح الأسئلة، كل الخائفين، وستُنبذ البقية بعُنفٍ إلى مكانٍ هامشيّ قصيّ، إلى غيابة جُبّ إن أمكن. ستتصارع النُّخب فيما بينها، هذا ضروري، سيبدو الصراع أيديولوجياً، حول موضوعات كالتحديث والتقليد، والعلمانية والدين، سيبدو ألا سبيل إلى لقاء بينها داخل إطارٍ واحد. لكن، سيتّضح أن النّخبة السياسية، وحدها لا غير، هي الإطار الجامع أبدياً لكل ما خلقتهُ من النُخب الـمُخترعة. في الملمّات السياسية، سيرى الدرويش الذي يراقب المشهد منظراً يثير رهبته، سيرى كل النّخب وقد صار لها صوت واحد، ووجهٌ وحيد هو وجه السُّلطة، سيسمع عن دينٍ جديد للمرحلة، عماده التوحيد، توحيد الكلمة، توحيد الصف، توحيد النُخب. سيرى الطبيب الشهير وهو يتطابق مع مفسّر الأحلام والمعالج الشعبي، والأستاذ العلماني وهو يتطابق مع الأستاذ الإخواني، والناقد الأدبي وهو يتطابق مع المحلل الكروي، والشاعر وهو يردد وراء التاجر، والفنّان يعمل مندوباً للسياسيّ. سيتساءل الدرويش برعب أي وجهٍ، الواحد أم الكثير، هو الحقيقة؟ وستسعد النخبة السياسية التي ستشعر أنها تعيش داخل واحدٍ من أحلامها الرائعة، إنها النخبة التي تحلم بها أيّ حكومة على وجه الأرض، وستستيقظ أليس في بلاد العجائب.

العربي الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى