صفحات الناسوليد بركسية

الأسد في “الدوما”: بوتين حامي المسيحيين الوحيد!/ وليد بركسية

 

 

لا تشكل الصور الشخصية لرئيس النظام السوري المعلقة على أحد جدران مبنى البرلمان الروسي في موسكو، والتي كشف عنها مراسل صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية في موسكو أندرو روث عبر حسابه في “تويتر”، مجرد ديكور ولمسة جمالية ولا تعني أن الأسد بات فرداً من “العائلة” الروسية الحاكمة أو ما شابه، بل تشكل مع صور العقيد سهيل الحسن (النمر) مع خلفية لمدينة تدمر الأثرية، جزءاً من السردية الحضارية التي يعمل الكرملين على ترويجها ضمن كتابته للتاريخ إثر “انتصاره” في الحرب السورية.

الصورة لا تحمل عبارات الإشادة بالأسد بل ذيلت بعبارة “بوتين هو حامي المسيحيين الوحيد في العالم”، وهي عبارة قالها الأسد في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2015 في لقاء صحافي مع مجلة “فالير أكتويل” الفرنسية، في معرض وصفه للثورة السورية بأنها إرهابية وحديثه عن تركيا بوصفها مصدرة للإرهاب الداعشي إلى أوروبا، وذلك بعد شهر واحد من بداية التدخل العسكري الروسي في البلاد، والذي أدى لأن يميل ميزان القوى في الحرب السورية لصالح النظام وحلفائه.

والحال أنه بعد سنتين من التدخل العسكري الروسي في البلاد، بات الكرملين يروج بشكل غير مسبوق لنهاية الحرب في سوريا، متجاوزاً حدود خطابه الروتيني على المستوى الدبلوماسي والسياسي، عبر ترويج نسخته الخاصة من التاريخ “الذي يكتبه المنتصرون”، والتي تتعدى التهليل بالنصر ودحر الإرهاب السائد في ماكينات الدعاية الروسية والأسدية خلال الأشهر الماضية، إلى عرض الأسباب الحضارية والثقافية التي أدت للتدخل الروسي في المقام الأول، فضلاً عن عرض مستقبل البلاد بناء على ذلك التاريخ، حيث يندمج الحاضر مع الماضي بشكل مدهش.

بالتالي، لا يشكل تعليق الصورة في البرلمان الروسي ثم السماح بنشرها عبر الإعلام الغربي، ترويجاً فقط لخطاب النظام بوصفه قوة علمانية تحمي الأقليات ضد الإرهاب الإسلامي، بكل ما يحمله ذلك من لهجة تبريرية للانحياز إلى جانب النظام الشمولي، بل تشكل تسجيلاً للتاريخ أمام العالم من بوابة صراع الحضارات، تثبت فيه روسيا مكانتها كحامية لمسيحيي المشرق أمام العالم، في تحد مع القوى الغربية التقليدية التي تحتضن عادة هذا النوع من الخطاب، في صراع متجدد حول النفوذ بين أقطاب الحضارة المسيحية يعود إلى قرون منذ انقسام الكنيسة العام 1054.

الجدل ككل يعيد الحديث عن فلسفة صراع الحضارات التي أطلقها المفكر الأميركي الراحل صامويل هنتنغتون عام 1996 وتفيد بأن “الاقتصاد يتبع السياسة والسياسة تتبع الثقافة”، وتحدث فيها عن تداع تدريجي لزعامة الحضارة الغربية مقابل ظهور دول إقليمية كبرى تتنازع على سيادة العالم، لتحدث الصراعات عند الدول الحدودية الفاصلة للخطوط الحضارية، مثل سوريا أو أوكرانيا، ووفق ذلك تصبح التحالفات بين الدول قائمة على روابط ثقافية دينية تتحكم بالسياسة والاقتصاد، فيما يغذي الإعلام كل ما سبق لكونه الرابط المشترك بين العناصر الثلاثة، بينما ينقسم الأفراد العاديون إلى قوميين كارهين للغرب أو منفتحين يريدون التشبه به كنموذج حياة ناجح.

يصبح ذلك أكثر وضوحاً عند مشاهدة مقطع فيديو “أنيمشين”، تداولته مواقع موالية للنظام، من دون الكشف عن هوية صانعيه مع ترجيح ان يكون مصدره روسياً عطفاً على اللغة العربية الركيكة فيه، ويظهر فيه الأسد كبطل خارق حليف للروس ضد الإرهاب الإسلامي الذي نشرته الولايات المتحدة في سوريا لأنها رفضت أن تنضم للمحور الأميركي ضد روسيا، ويصف الفيلم الأسد بأنه مناضل وبان التدخل الروسي كان “مقاومة” وبأن الثورة كانت “مؤامرة”، وهو ما تكرره مواقع الأخبار الكاذبة مثل “المصدر نيوز” المرتبطة بالكرملين منذ سنوات.

ويمتد الفيديو من العام 2010 إلى سنوات لاحقة في المستقبل، حيث كتب التاريخ تتحدث عن “النهضة” التي قام بها بشار الأسد في البلاد بمساعدة روسيا في امتداد لما قام به والده حافظ الأسد من قبله، وفي ذلك الوقت يقوم الأسد بازدراء الرئيس الأميركي برفضه بطاقة بطاقة معايدة شخصية منه لأنه “لم يسمع به من قبل”، فيما تاتي الخلاصة بأن الديموقراطية شر يؤذي العالم وأن تعدد الرؤساء وتداول السلطة في الغرب والولايات المتحدة أمر سيئ وليس مثل بقاء عائلة الأسد في السلطة منذ العام 1970 من دون توقف.

يتقاطع ذلك بشكل مدهش مع خطاب للأسد نفسه، الخميس، أمام المشاركين في الملتقى العربي الذي استضافته العاصمة دمشق، وصف فيه العروبة، التي قام عليها نظام البعث لأكثر من أربعة عقود، بـ “التخلف” وبانها “موضة منتهية” و”لغة بائدة”: “هؤلاء هم العرب، نحن لا نريد أن نكون عرباً، نحن نكون أي شيء آخر”، علماً أن النظام يبحث عن هوية ثقافية جديدة له منذ انطلاقة الثورة السورية، ووقوف الكثير من الدول العربية إلى جانب الثورة بقطعها العلاقات الدبلوماسية مع النظام، فاعاد إحياء الحديث عن الحضارة المشرقية والسورية القديمة، وبات يحتفل بأعياد آشورية وسومرية قديمة، مثل عيد “أكيتو” في الأول من نيسان/أبريل كل عام، وهي مناسبات ومظاهر كانت ممنوعة قبل العام 2011.

ويجب القول أن هناك فصلاً دقيقاً في الخطاب الروسي – الأسدي بين ما يتم توجيهه للمجتمع المحلي من خطاب شبعوي بهوية غير عربية، مقابل الخطاب الموجه للمجتمع الدولي القائم على فكرة حماية المسيحيين، وإن كان هنالك تقارب شديد بين الخطابين وكأنهما يلتقيان في نقطة واحدة تدور حول “الحفاظ على التراث في شرق البحر المتوسط”.

ورغم أن الروس يحاولون نسب الفضل إليهم في “انتصار النظام”، من دون أي إشارة إلى العامل الإيراني الحاسم بدوره في دعم النظام، منذ العام 2011 بشكل مباشر، عبر الميليشيات الأجنبية مثل حزب الله، إلا أن ذلك لا يشكل جزءاً من صراع خفي يتبلور بين الجانبين، لأن الروس هنا لا يبحثون عن افتعال مشكلة مع الإيرانيين الذين باتوا حلفاء مخلصين لموسكو كقوة إقليمية متنامية، والتي مهما بلغ حجمها ستبقى صغيرة وهامشية بالنسبة لمحور تقسيم الحضارات السابق، ما يعني أن التعامل بين القوتين حول سوريا يتم ضمن تفاهم مسبق عميق.

النقطة التي تساهم في تحقيق ذلك في الوقت الحالي، على الأقل، حقيقة أن إيران تدرك بلا شك أنها لا تمتلك عمقاً ثقافياً كافياً في سوريا، مثلما تمتلك في العراق على سبيل المثال، لأن سوريا دولة ذات غالبية سنية ما يجعل النفوذ الإيراني محدوداً من الناحية الدينية، وإن كانت القيادة العلوية للنظام مرتبطة بشكل وثيق مع القيادة الدينية في طهران منذ العام 1979، وبالتالي بصبح التقارير الإعلامية والتحذيرات الدولية المتكررة حول تشييع سوريا وعمليات التغيير الديموغرافي في البلاد وتجنيس الميلشيات الشيعية، معنى أكثر وضوحاً وخطورة، يهدد استقرار البلاد على المدى الطويل.

المدن

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى