مراجعات كتب

“الاقتصاد والمجتمع” لـ ماكس فيبر: ترجمة متأخرة/ شوقي بن حسن

 

 

صدر “الاقتصاد والمجتمع” بعد سنتين من رحيل عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1869-1920). وكأن هذا الكتاب محكومٌ عليه أن يصل متأخّراً، فها هو لم يجد طريقه إلى العربية إلا بعد 93 عاماً من تاريخ صدوره، لكن ما قد يهوّن علينا الأمر هو أنه وصل إلى الإنجليزية أيضاً متأخّراً، كان ذلك في سنة 1968 وإلى الفرنسية بعد ذلك في سنة 1971.

لم يمنع هذا التأخّر في ترجمة أعمال فيبر من وصول أفكاره إلى البلاد العربية، فلا تغيب نظريّاته عن دارسي علم الاجتماع والعلوم القريبة منه. لكن ما يظلّ غائباً هو صورة مكتملة داخل اللغة العربية لأحد أهم الرموز الفكرية للثقافة الحديثة.

عديدة هي الأسباب التي تفسّر ذلك، لعل أبرزها افتقاد خطّة ترجمة عربية موسّعة، إذ لا زالت عملية التعريب قائمة على اختيارات المترجمين وميولاتهم، فما لم يتحمّس طرفٌ لترجمة فيبر، فإنه سيظل عقوداً بلا كتب تحمل اسمه في العربية.

ثمة سبب آخر يتعلّق بالحياة الأكاديمية، فبقاء “المنابع الفكرية” محصورة في لغة أجنبية يجعل منها ورقة قوية في يد القلة التي تملك القدرة على الإتيان بفكرها، ومن ثمّ تستثمرها كما تريد في لعبة المواقع عندنا. وفي بعض المرات، قد يحدث أن يؤتى بأفكار من هذه “المنابع” ويدّعي ناقلوها أنهم أصحابها.

كذلك، يمكننا إرجاع التأخّر في ترجمة فيبر إلى التقيّد العربي باللغتين الفرنسية والإنجليزية، لغتي المستعمِرَين السابقَين؛ هذا التقيّد الذي يستمر إلى اليوم بعد أكثر من نصف قرن من استقلال البلدان العربية. ولعل تأخّرنا في ترجمة “الأخلاق والمجتمع” مرتبط بذلك التأخر الإنجليزي والفرنسي الذي أشرنا إليه.

ليست هذه الأسباب سوى قائمة مصغّرة من أسباب ممكنة. إن فيبر أيضاً يمكن اعتباره من منظور السلطة مفكّراً خطيراً، ما قد يكون سبباً إضافياً لإعاقة انتقال فكره إلى فضاء عربي طالما حكمته السلَط بعنف، فهو من أبرز من اشتغل على قضية السلطة، وهو أول من عرّف الدولة بأنها “محتكرة العنف”، كما أنه فصّل “أساليب الإخضاع” ودرسها.

يتقاطع “الاقتصاد والمجتمع” مع إشكالية السلطة من عدة نقاط، والمفهوم الرئيسي للكتاب هو “السيادة”، إذ يحاول المفكر الألماني شرح كيف يتطوّر المجتمع تحت سيادة ما. وفي مرحلة معيّنة، يبدأ هذا المجتمع في التفكير في صنع سيادته بنفسه. هنا يقحم فيبر الأدوات الاقتصادية؛ فالثروة هي التي تصنع تحرّر المجتمع من أي سلطة: سلطة الأجنبي أو سلطة الدولة.

يعكس فيبر بذلك طريقة استعماله لمنهجه الذي ظهر في كتابه الأشهر “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية”؛ إذ فسّر ظاهرة اقتصادية بظاهرة دينية. هنا تنقلب الآية، فيأتي بظاهرة سياسية ويفسّرها بأدوات اقتصادية.

إن غياب فيبر، أو ظهوره المنقوص في العربية، لا يخلو من تأثير واقعي. فعدم هضم لغة لفكر متداوَل في المنظومة الفكرية العالمية يعيق استيعابها لما تصله، وتمثل الترجمة الحد الأدنى من الفهم والتمثل.

غالباً ما نسمع أن ما يحصل في منطقتنا هو انعكاس لتطبيق نظريات وتنفيذ مشروع “الشرق الأوسط الكبير”. وقد لا يعلم الكثيرون أن جزءاً من هذا المشروع مستمد بطريقة غير مباشرة من أفكار فيبر.

فمع حرب العراق (2003)، جرى التنظير في مراكز البحث الأميركية إلى أن العالم العربي راكد وغير قابل للتحوّل، بسبب الأغلبية السنية؛ لذا لا يمكن تغييره إلا عن طريق الشيعة. هذه الفكرة قياسٌ على نظرية فيبر في كون الأقلية البروتيستانتية كانت محرّك التغيير الذي حصل في الغرب.

هكذا جرى تسخير فكر فيبر كما جرى من قبل تسخير فكر هيغل في نظرية “نهاية التاريخ”. ما دامت الأدوات الفكرية قابلة للتسخير ضدنا، فلا أمل في مقاومتها إلاّ بمعرفتها أولاً، وقد تكون منهجية مقاومتها مصاغةً من خلالها.

العربي الجديد

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى