صفحات العالم

الخيار السوري واللبناني


ساطع نور الدين

سوريا في سباق مع الزمن، وكذلك لبنان. من البديهيات القول إن التغيير سيكون واحدا في البلدين. ومن المسلمات القول إنه كلما ارتفعت كلفة التغيير السوري، زادت خطورة التغيير اللبناني. لكن عامل الوقت لن يكون موحدا، لأن اللبنانيين يمكن أن يتأخروا كثيرا قبل الانتباه الى أن سوريا، في أزمة عميقة، مثلما ترددوا كثيرا، وربما ما زالوا مترددين في الاعتراف بأنه سيكون لها أثر عميق على كيانهم ومجتمعهم.

الخبث في الإشارة الى ان تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية هو في معظمه تاريخ سوري، لا يعفي أحدا من اللبنانيين من مسؤولية كتابة هذه الصفحات المشينة، ولا يبرئ أحدا منهم من مسؤولية ما ستشهده محاولة فتح فصل جديد من التاريخ اللبناني بمعزل عن سوريا.. مع العلم أن أي قراءة دقيقة للعلاقات بين البلدين الشقيقين، تستبعد تحولا جذريا في تحديد المصالح المتبادلة وسبل حمايتها، أيا كان الحاكم المقبل في دمشق، الذي سيضطر فقط الى الاستغناء عن استخدام الجبهة اللبنانية مع العدو الإسرائيلي، لأسباب موضوعية، قد تكون مؤقتة!

الخوف على سوريا يكبر يوما بعد يوم، وكذا الخوف على لبنان الذي شرعت طوائفه منذ الآن في استعادة أسوأ أحلامها وأخطر كوابيسها الموروثة منذ عصور غابرة، وهي تعيش في لحظة تربص في ما بينها وتترقب الفرصة المناسبة للانقضاض ونسف المعادلة الداخلية التي أرسيت منذ اتفاق الطائف، الذي يبدو اليوم وهمياً أكثر من اي وقت مضى على توقيعه قبل 22 عاما، لوقف الحرب الأهلية، لا لإنهائها. وما جرى في السنوات الست الماضية أثبت ان ذلك الاتفاق وتطبيقاته المتعثرة لم تعد تجدي نفعا سوى في استنفار عصبيات الشارع وتجديدها على الدوام.

الخطير الآن هو أن تلك العصبيات لن تنتج تصورا واضحا لمطالب أي طائفة، بل هي تقود الجميع نحو مواجهة يزعم كثيرون أنها ستظل سياسية، وهو ما يحتاج الى مؤسسات او قنوات داخلية للتفاهم، لا يمكن لأحد أن يعثر عليها، كما يتطلب مظلة خارجية واسعة تحمي اللبنانيين من أنفسهم، ومن خرق حدودهم الدولية، على غرار ما حصل مرارا في تاريخ الصراعات الأهلية اللبنانية… وهو ما لا يمكن لأحد أن يحلم بتوافره، في ظل انشغال العالم بقضايا دول اكثر أهمية بكثير من العبث اللبناني.

لا شيء سوى الانتظار، الذي يعتقد انه لن يدوم اكثر من بضعة اشهر، حسب التوقيت السوري، لكنه سيطول اكثر حسب التوقيت اللبناني، الذي يستدعي التدقيق في اللوحة الطائفية الراهنة، والاستعداد لتغيير جذري في التعاقد والتحاصص في ما بين مكوناتها. وإذا كانت خسارة الشيعة ليست حتمية، فإن انتصار السنة ليس أكيدا، كما أن خوف المسيحيين ليس نهائيا، خصوصا اذا كان الوعد الآتي على سوريا، ثم على لبنان، هو المزيد من الحريات الفردية السياسية والاجتماعية، بما يضمن تحول البيئة المسيحية في البلدين معا الى قوة حاسمة في تشكيل الغالبية المقبلة وجدول اعمالها.. إذا احسنت الاختيار والقرار.

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى