صفحات سوريةناصر الرباط

الطائفية كسند ومبرر للقتل العشوائي/ ناصر الرباط

 

 

ثمة صلة مباشرة بين غارات غاز السارين التي نفذها طيران النظام الأسدي على مدينة خان شيخون في سورية وتفجيري الكنيستين المصريتين في طنطا والإسكندرية هذا الأسبوع التي أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنهما. فهما، بالإضافة لإجرامهما الشنيع بالقتل العشوائي لضحايا مدنيين لاعلاقة لهم بالصراعات التي يشارك فيها الطرفان المعتديان، يعتمدان على عقلية راسخة في عالمنا العربي قل أن يواجهها الخطابان الرسمي والشعبي: العقلية الطائفية. فطيران الأسد يصب سمومه على المناطق الريفية ذات الغالبية السنية (وهم غالبية الشعب السوري أصلاً) من دون كثير اهتمام بتبرير هذا القتل المتعمد الوحشي. فجمهوره من أفراد الأقليات العلوية والمسيحية وبعض من السنة المدنيين المرفهين يشاركه طائفيته وربما طبقيته بالنظر إلى أن ضحايا التوحش الأسدي ريفيون فقراء ومتدينون على الغالب.

وداعش يذبح ويفجر اليزيديين والمسيحيين والشيعة ومخالفي تزمته السني من أبناء السنة، الذين هم بالحقيقة ضحاياه الأكثر، من دون اعتداد بأي من المواثيق والقوانين الدولية التي لايعترف بها أصلاً. هنا نظام علوي أقلوي يقتل أبناء الأكثرية السنية بالدرجة الأولى وهناك خلافة سنية طهورية تقتل أبناء الأقليات الدينية وإن كانت لاتستثني من مجزرتها أبناء السنة المخالفين لعقائدها. وهم هنا وهناك يتبعون تراثاً طويلاً من الاحتراب الطائفي في منطقتنا كثيراً ما شهدت اقتتالات دموية بين أبناء الدين الواحد، مسيحيين كانوا أم مسلمين، من الذين اتبعوا عقائد متخالفة بررت لهم تكفير الآخر وإزالة صفته الإنسانية عنه تمهيداً لنفيه أو إزالته من الوجود.

النظام في سورية طائفي في تركيبته وفي سيطرته على السلطة وفي تعامله مع شعبه وإن كان لايصرح بذلك بل ويعتمد أحياناً على أشخاص من غير الطائفة العلوية في بعض من أوسخ عملياته ذراً للرماد في العيون. وهو إلى ذلك يلقى دعماً من أبناء الطبقات الغنية من سنة ومسيحيي المدن الكبرى، وإن كان قد خسر أي دعم كان يتمتع به لأسباب قومية أو اجتماعية بين سكان المدن الصغيرة وأهل الأرياف بمجملهم فيما عدا المناطق العلوية في الساحل السوري التي ما فتئت تسانده تعصباً وخوفاً وأملاً في الآن نفسه. أما داعش فهو بفطرته طائفي محض، يستند في خطابه إلى نظريات إسلامية تكفيرية وطهورية موغلة في التعصب انتقاها من تراث طائفي معتبر في بلاد الشام والعراق بخاصة وإن كانت غالبية مسلمي البلدين، وغيرهم من المسلمين بعموم طوائفهم، يجهلون هذا التراث أو يتصنعون الجهل به بل وينفون وجوده أصلاً.

وداعش إلى ذلك قد تشكل كرد فعل غاضب على الممارسات الطائفية لنظام الأسدين في سورية من جهة وعلى فقدان السلطة السنية، التي احتمت بعباءة صدام حسين، في العراق لسلطتها من جهة أخرى. غذى ذلك كله صعود التعصب الديني بعد انتصار ثورة إيران الشيعية ونجاح «المجاهدين» في أفغانستان في طرد الاحتلال السوفييتي وإن كان بتكلفة باهظة مازالت البلد ترزح تحت وطأتها حتى اليوم، ما استتبع تبلور خطابات سلفية وتكفيرية في عموم البلدان الإسلامية اعتمدت في نشر دعوتها على سهولة الوصول إلى قلوب المرشحين المحتملين عن طريق الكاسيتات أولاً والقنوات الفضائية والأرضية الوطنية ثانياً ثم وسائل التواصل الاجتماعي الواسعة الانتشار في العقدين الأخيرين.

نظام الأسد الطائفي نجح في أن يجمع حوله عصابات ماهب ودب من فقراء شيعة الإسلام الذين أتوا من باكستان وأفغانستان وإيران والعراق ولبنان بحجة الدفاع عن مراقد آل البيت أولاً وضد التكفيريين ثانياً ولا لسبب آخر سوى الانحياز الطائفي للنظام الأسدي العلوي الذي أشهر شيعيته في السبعينات. وهو إلى ذلك تخلى عن الغطاء القومي الذي استخدمه لعقود تحت مسمى حزب البعث العربي الاشتراكي ذي التوجه العلماني الملتبس الذي لم يتمكن يوماً من الخروج من قوقعة تاريخانية جاهلة حافظت على تراتبية عنصرية بغيضة في التعامل مع القوميات الأخرى غير العربية في الوطن السوري. أما داعش، التكفيري الجهادي باعترافه هو قبل ادعاء أعدائه، فهو قد جذب إلى دعوته الألفية الأخروية الكثير من الشباب السني الضائع في بلاد الإسلام وبلاد الغربة على السواء. هؤلاء جاؤوه بنفس الدرجة من الجهل وسهولة الانقياد التي طبعت انضمام ضباط الأقليات إلى الحزب العلماني البعثي في الستينات، أي هرباً من واقع يصعب التعامل معه وأملاً بخلاص ما، سياسي وسلطوي في حالة الضباط السوريين، واستشهادي طهوري في حالة مقاتلي داعش الجهاديين الذين يفجرون أنفسهم أو يقاتلون حتى الموت أو يقتلون كل من خالف عقيدتهم المتزمتة ولو مخالفة بسيطة.

لكن طائفية النظام العلوي السوري وداعش السنية السلفية ليستا أكثر من التمظهر الحدي للطائفية التي ترتع في بلادنا وتصبغ أفكارنا ومعتقداتنا كلنا إلا في ما ندر. فنحن طائفيون حتى النخاع وطائفيتنا تحدد فهمنا لأنفسنا وللآخرين حولنا وتغذي كرهنا لهم وحقدنا عليهم وتجردنا من التعاطف الإنساني عندما يسقطون ضحايا أنظمة تمثلنا وتتكلم باسمنا وتدعي حمل لواء ديننا أو قوميتنا أو وطنيتنا. تتساوى غالبية الأنظمة العربية في ذلك، حتى تلك التي لا تعاني من تقلقلات طائفية في بلادها، في أنها تعمد إلى الانتقام البشع كلما حاولت أقلية ما المطالبة بحقوقها. ولن ينفعنا تكرار الأسطوانة القديمة المشروخة في أن الطائفية غريبة عنا وأن الاستعمار هو من جلبها وأننا قد عشنا معاً لقرون بتناغم طائفي معتبر، فهذه كلها أوهام يدحضها تاريخ طائفي طويل. فكل من ينظر إلى خريطتي سورية ولبنان لا بد أن يدرك أن التوزع الطائفي في البلدين مرده خوف الأقليات من الأكثرية وتمسكها بالجبال موئلاً يمكنها الاحتماء به. وكل من يقرأ تاريخ العراق لابد أن يلاحظ الاضطهاد الاقتصادي والاجتماعي الواضح من سنة وسط العراق لشيعة جنوبه. وكل من يتمعن في التاريخ المصري المعاصر لا بد أن ينتبه إلى انعدام وجود الأقباط في المراكز العليا من الحكم والجيش والشرطة والمخابرات. وهناك الكثير غير ذلك مما يمكن نبشه.

خلاصة المقال، علينا جميعاً شعوباً وطوائف وأفراداً نبذ الطائفية نبذاً واضحاً وتفكيك كل الخطابات التي تدعي التكلم باسم الدين تعصباً ونفياً للآخر. فما صعود نظام الأسد وقبله نظام صدام حسين الطائفيين المتسربلين بالعلمانية، وما ظهور القاعدة وداعش وغيرهما من الحركات التكفيرية التي تعيث قتلاً وتدميراً في بلادنا اليوم إلا ثمرة تاريخ طويل من التغاضي عن الطائفية أو نفي وجودها في حين أننا كلنا كنا دوماً مدركين تغلغلها في تلافيف مجتمعاتنا وتأطيرها نظرتنا إلى بعضنا بعضاً.

* كاتب سوري وأستاذ الآغا خان للعمارة الإسلامية، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا

الحياة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى