صفحات الثقافة

الطفل الذي رمى مراسل الفضائية السورية بحذائه


خطيب بدلة

شهد الشهرُ السادسُ من سنة 2012، وهو الشهرُ الخامس عشر على بدء الأحداث الدامية في سورية، المتضمنُ الذكرى الخامسةَ والأربعين للتخلي عن الجولان (في حزيران 1967)، أحداثاً على قدر كبير من الأهمية، والحساسية، والطرافة، والفكاهة، والروعة..

ففي الثاني منه لمع نجم الإعلامي السوري الحلبي ‘شادي حلوة’، مراسل الفضائية السورية الشجاع، لمعةً عالمية..

فمع أن أهل الحل والربط والتعيين والتسريح في محافظة حلب قد رفضوا (تعيينه) بصفة نائب (أو: سيناتور) في البرلمان السوري الجديد (المُصْلَح) رفضاً قاطعاً، فقد أثبت، للقاصي والداني، أنه مخلصٌ لله، والوطن، والقائد المفدى، ومنسجم مع جبهة الصمود، والتصدي، والممانعة، أيما انسجام.. لا يهتم لكراس، ولا لمناصب، ولا لسلطة، ولا لجاه!.. وأكد أن هدفه الأول والأخير في هذه الدنيا الفانية هو الوصول إلى الحقيقة.. ولا شيء غير الحقيقة،.. و(الحقيقة أولاً).. كما يقول الإعلامي الفلسطيني العتيق فايز قنديل ضمن برنامجه الإذاعي..

كان شادي حلوة، ، يقوم بواجبه المهني التاريخي من أرض شوارع حلب، معلناً، على الهواء، أمام الجماهير الكادحة، بالصوت والصورة والصدى، أن قناة ‘الجزيرة’ التي يسميها هو (الخنزيرة)، تواصلُ بَثَّ أكاذيبها السامة ضد الشعب السوري، فتزعم أن الآلاف من أهالي منطقة عندان يتظاهرون ضد النظام، بينما الحقيقة و(الحقيقة أولاً) أن عدد هؤلاء المتظاهرين، المتآمرين، المتأمركين، المتصهينين، العراعرة، الحَمَديين، لا يزيد عن مئة، وقد انفضوا الآن- الله لا يردهم- فأصبحت شوارع عندان الحبيبة هادئة وادعة،.. لا ينقصُها (والتعليق التالي من عندي) غير مَدّة عربية، ومنقل لشوي الشقف، والكباب بانجان، وأن يُوضع أبريق الشاي على الحطب، وتُعَمَّرَ أركيلة التنباك ذات البذرة العجمية.. وخذ على شفط دخان وبقبقة ورواق آخر انسجام!

في هذه اللحظة التاريخية، أيها الإخوة المواطنون، حصل أمر غريب للغاية، إذ خلع أحدُهم، وهو فتى صغير (مُضَلَّل)، نعليه، وقذف بهما رأس الإعلامي الصامد، الباحث عن الحقيقة، فردةً وراء فردة، على رأسه (خَصّ نَصّ).. ولم يكتف بذلك، سادتي، بل إنه ركض وراء نعليه، بحث عنهما حتى عثر عليهما، ارتداهما على مهل، ومضى في حال سبيله، كأن شيئاً لم يكن!

حذاء منتظر الزيدي

يدور، في هذه الأيام، خلافٌ حاد في أوساط مشاهدي الفضائيات العربية حول موضوع (الريادة) في استخدام الأحذية ضمن استوديوهات البث الفضائي..

ويذهبُ فريقٌ منهم إلى أن أول من قام بهذا العمل هو الصحفي العراقي منتظر الزيدي الذي قذف بحذائه رأسَ الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش الذي حضر إلى العراق بزيارة مفاجئة بتاريخ 14 / 12 / 2008..

(ولم يسترد حذاءه كما فعل الفتى الحلبي)..

وقتها.. تلقفت القنواتُ الإعلامية السورية، والليبية، والقنوات اللبنانية (المناضلة.. دون غيرها) هذه اللقطة، وشرعت تعيدها على أعين المواطن العربي، آناء الليل وأطراف النهار، وبمعدل ألف إعادة في اليوم، حتى أصبحنا نحفظها، ونتخيلها عن ظهر قلب.

هذا الأمر مردُّه إلى الشماتة بالاستعمار الأمريكي الغادر من جهة، ومن جهة أخرى أرادت هذه المحطات أن تثبت لمشاهديها (الأكارم) أن لمقاومة الاستعمار والإمبريالية ألف طريقة وطريقة، وليس آخرها القذفُ بالأحذية..

وكان الشعب السوري، في تلك الآونة، قد توكل على الله تعالى، وسلم زمام أموره الاقتصادية، برمتها، إلى الرجل المُصلح، المُحسن، الكريم، الزاهد، رامي مخلوف، وجلس يتقشف وينتظر النتائج، فأجابه (فريقُ رامي) بأن عملية الإصلاح الاقتصادي (المخلوفية) تتألف من شقين، إذ يأتي التجويع أولاً، وبعد ردح من الزمن يأتيكم الرخاء!.. فشكا الشعب أمره لله، وجلس ينتظر ويسأل: متى ستأتينا (زيادة) الرواتب والأجور والمعاشات؟.. متى تأتينا (الزيادة)؟

فاستغل أحد رسامي الكاريكاتور هذه الحالة ورسم لوحة فيها شَعبان، كتب تحت أحدهما:

الشعب العراقي.. منتظر (الزيدي)..

وكتب تحت الآخر:

الشعب السوري.. منتظر (الزيادة)!!!!

أحذية الاتجاه المعاكس

إلا أن اتباع منهج العدل، والإنصاف، والموضوعية، يقتضي منا أن نشير إلى أن برنامج ‘الاتجاه المعاكس’، الذي يديرُ حَلَبَة المناقرات فيه الدكتور فيصل القاسم، قد سبق منتظر الزيدي، وغيره من قاذفي الأحذية، إلى شرف الريادة، بزمن طويل.. لا أقصد الحذاء الذي (أشهره) المحللُ السياسي المعارض ثائر الناشف في وجه (الشبيح) الإعلامي المسكين سمير عبيد في اليوم الخامس من الشهر السادس نفسه، فهذا الأمر جاء متأخراً.. ولكن،.. والحق يجب أن يُقال، إن برنامج (الاتجاه المعاكس)، من يوم أن تأسس، يعتمد على مثل هذه التقنية المزدوجة، (أعني الضرب بفردتي الحذاء على التتالي).. ولكن مخرج البرنامج، على ما يبدو، ذكي، وحاذق، ومهذب، بدليل أنه دأب على قطع البرنامج في لحظة احتدام المشاجرة، في آخر البرنامج، محتفظاً بصور ما يجري بين الخصمين المتحاربين في أرشيفه الخاص، وربما يعرضها على الملاً، يوماً ما، ضمن برنامج يعتني بالـ(طرائف الحوارية الفضائية العربية) العجيبة.

عهدة الاتجاه المعاكس

في حلقة الاتجاه المعاكس التي صادفت يوم الثلاثاء 31 / 1 / 2012.. دبت النخوة العربية في رأس المحلل الاستراتيجي اللبناني جوزيف أبي فاضل- وهو رجل، كما تعلمون، من الحجم العائلي- وهب واقفاً يريد الانقضاض (كالباشق) على خصمه الصغير الحجم الدكتور محي الدين اللاذقاني بسبب تجرُّئه بالكلام على مقامه.. فخفنا، نحن المشاهدين، أن تسنح لأبي فاضل ضربة ماحقة تودي بحياة اللاذقاني، فنخسر، بذلك، معارضاً شرساً، مُحَنَّكاً، ويزيد طيننا بلة برؤية عملية قتل جديدة، مع أن النظام السوري الممانع لم يحرمنا من رؤية جثث القتلى، من مختلف الأعمار و(القياسات) تترى على شاشات الفضائيات في الليل وفي النهار.

ليلتئذ، علق أحد المشاهدين على الحادثة قائلاً إن على فريق عمل الاتجاه المعاكس أن يقوم بسلسلة من الإجراءات الاحترازية التي من شأنها حماية أرواح المتحاورين من المخاطر.. ففي لحظة دخولهم إلى الاستديو يجب تجريدهم من الأدوات الحادة (سكاكين وسنكات وشنتيانات وأحزمة بنطلونات النحاسية) وأن يسمح لهم بارتداء أحذية من النوع البلاستيكي اللدن (قليل الإيذاء)، وأن توضع أمامهم عصي مصنوعة من الورق الكرتوني كتلك التي كان يستخدمها فؤاد المهندس ضمن مسرحياته المُحزنة التي كان يسميها (كوميدية)!،.. وإذا كان ضيف الحلقة المحلل السياسي السيناتور شريف شحادة يمكن تسليمه صورة لبشار الأسد، من ممتلكات الاستديو، لأنه كان يضطر لأن يحمل معه واحدة كلما سافر إلى الدوحة، بقصد أن يظهر لنا، في آخر البرنامج، ولاءه لبشار، ويعرض علينا الصورة مثلما تُعرض (وسائل الإيضاح) على تلاميذ المدارس!

لافتات كفرنبل

اشتهرت مدينة كفرنبل، منذ بداية الثورة، بلافتاتها التي تتضمن تعليقات ساخرة، طريفة، على ما يجري من أحداث سياسية.. (حتى إن الصديق صبحي حديدي خصص لها مقالة رائعة في القدس العربي) وقد تداولت الفضائيات مرات عديدة لوحات وتعليقات هذه المدينة.

بعد أن أعلنت السلطة، على لسان رئيسها، بكل وضوح، أن الأزمة في سورية ذات طبيعة جنائية (عصابات تخريبية مأجورة)، وأن تسعيرة قتل الرجل هي (2000) ليرة سورية.. حمل أهل كفرنبل لافتة تتضمن التسعيرة التالية:

متظاهر سلمي ملثم 500 ليرة.

متظاهر حاسر الرأس: 750 ليرة.

متظاهر واقف في مكان مرتفع: 1000 ليرة.

قتل شخص عادي: 2000 ليرة.

قتل طفل أو امرأة: 3200 ليرة.

قتل من خلال القصف العشوائي: ثلاث قتلى بـ (5000) ليرة.

*كاتب سوري ما يزال يعيش في سورية

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى