صفحات الثقافة

القوة الثالثة


عقل العويط

هناك “قوة ثالثة”، مرئية ومضمرة، فردية ومجتمعية، تمتد من فلسطين الى لبنان وسوريا والعراق ومصر، لا أحد يعرف تماماً مفاعيلها العميقة والفوّارة في الوجدان الوطني والسياسي والمجتمعي. تستطيع هذه “القوة” أن تبلور عناصرها ومكوّناتها في البلدان المذكورة، لتصير هي “القوة الأولى”.

أياً يكن ما جرى في مصر، ولا يزال يجري، فيجب أن أعتبره إيجابياً. بل هو إيجابي الآن. أقلّه في المعنى الدلالي والرمزي. وسيكون إيجابياً أكثر وأعمق، غداً، أو بعد غد، على رغم القوتين الظلاميتين الكبريين اللتين تتنازعان “احتلال” مصر: الظلامية العسكرية – السياسية، والظلامية الإسلاموية.

ليس في هذا الموقف أيّ “سذاجة” رومنطيقية، لأني أعلم علم اليقين أن أحابيل السياسة، ومنطق مراكز القوى، وفتن الانتخابات، والتسويات، والمساومات، والمصالح الداخلية والإقليمية والدولية، قد تكون أقوى، عملانياً، من أيّ فعل ثوري، أو ديموقراطي هادئ، لكن الخطوة – المعجزة قد أُنجِزت حقاً في مصر، وأصبحت كينونةً تأسيسية، وهي لن تكون خطوةً في الهاوية، أو في العبث، أو في العدم.

صدِّقوني. ليس ما جرى في مصر، وما لا يزال يجري، وما سيظل يجري، خطوةً في الهاوية، أو في العبث، أو في العدم.

إنه خطوة وجودية هائلة ستندرج حتماً في التراكم التاريخي، وفي النسيج المجتمعي، كما في العقل الجمعي، وإن لم يكن ممكناً الإحساس بارتداداتها الوجودية في يوم وليلة.

صدِّقوني. من الآن فصاعداً، سيكون على قوى الواقع والحلم والتغيير الخلاّقة في مصر أن تستشعر هذه الارتدادات الإيجابية، وأن تستدرجها، وتتداركها، وتستوعبها، وتفعّلها، لتكون باباً مفتوحاً على إشراقة العقل، واستيقاظه من سورة التسليم بأحكام الأبد السياسية والأمنية والدينية.

لن يكون ذلك حلم ليلة صيف عابرة. لكنه لن يكون حلماً يتحقق في يوم وليلة.

صدِّقوني: أياً تكن مراكز القوى الحاسمة في الواقع المصري الجديد، فهي لن تكون أبدية. وأياً يكن الرئيس العتيد، فإنه لن يستطيع أن يكون فرعوناً حزبياً، أو أمنياً، أو دينياً. لا فراعنة، في مصر، بعد الآن.

أحمد شفيق، أم محمد مرسي؟ وجه العملة السياسية وقفاها. وجه النظام الظلامي القديم القوي المتهالك، وقفاه الإسلاموي الظلامي. لا فرق كبيراً بين الإثنين، وإن يكن ثمة فرق كبير وأكيد.

من الآن، بعد الآن، وأياً يكن ما تسفر عنه الانتخابات، فتِّشوا في مصر عن “القوة الثالثة”، التي كاد مرشحها أن يلامس المرتبة الثانية.

فتِّشوا عن هذه “القوة الثالثة” في مصر. فتِّتوا صخورها. فجِّروا ينابيعها. استفِزّوا نيّامها. ومحبطيها. إبحثوا عن علمانييها. وليبيرالييها. وديموقراطييها. وأحرارها. نبِّشوا عنهم في المنامات، في قعر الرؤوس، في الكتب، في العاصمة، في مدن الساحل، في الصعيد، في القرى، والصحارى، على مجرى النيل العظيم، في الأماكن الخلفية من الحياة، وفي الظلال الماحقة. جيِّشوهم، وجيئوا بهم فوراً من خيبات الأيام الماضية ومراراتها، لأن مستقبل مصر يجب أن يكون في عهدتهم.

لأجل هذا السبب بالذات، بل لأجل الحلم وحده، يجب أن أعتبر ما جرى في مصر، ما يجري، وما سيظل يجري، إيجابياً، على رغم كل الظواهر الظلامية المتصاعدة، التي قد تجد في الواقع ما يجعلها في واجهة السلطة، والمجتمع.

صدِّقوني: لا أبدَ، ولا فراعنة، بعد الآن، في مصر.

¶¶¶

وأنتَ يا لبنان، ماذا عسايَ أقدّم إليكَ سوى مرايا من هذا القبيل: شخص عادي، أو شاعر، أو حالم، أو شبح، حاملاً صخرةً على طريقة سيزيف. دونكيشوت أو رفيقه، أو حصانه، أو سيفه، وطواحين هواء، ثمّ، على مقربة، ظلٌّ ماجن يلاحق الأصل. هاملت مجنوناً أو مضرّجاً بالشرط الوجودي. أوفيليا غريقةً وفي أعماق عينيها المغمضتين بعضٌ من رحيق الشغف المأسوي.

ماذا عساهم، “إخواني” اللبنانيين، يقدّمون إليك، أيضاً، يا بلدي؟! ماذا يقدّمون سوى مراياهم المتناسلة كسورها وشظاياها كالفطر الجحيمي؟!

وحوش، ومرضى نفسانيون، وعظاميون، وقتلة، وسماسرة، وسحرة، ومشعوذون، وانتهازيون، وفاسدون، وقطعان، وقادة ماعز وخرفان، وآلهة، وأنبياء، من رجال الدنيا والدين، هؤلاء جميعهم الذين يشكّلون أبطالاً ودمىً في مسرح كابوسي يتلذّذ بنهش لحمكَ، وامتصاص دمكَ، واغتصاب جثمانكَ، والتناوب عليه، بعفّة المنزَّه من أغراض هذه الأرض وغرائزها ولذائذها ومسرّاتها.

يطيب لي، كلما سنحت ظروف الكتابة، أن أهجو هؤلاء، وأن أشوي جلود ضمائرهم الغليظة، بجمرٍ من هواجس وكلمات لا غاية لها سوى أن تقذفهم بحمم تلذّعهم، وتمضّ وجودهم، وتضعضع كياناتهم، فترفع أنيابهم وأظفارهم عنكَ، يا بلدي، لتصير ما يجب أن تصير عليه، بلداً عزيزاً، سيداً، كريماً، وأنيقاً.

وبعد، ماذا عسايَ أقدّم إليكَ، يا لبنان، وأمنع عنكَ؟

أيكون في مقدور الكلمات أن تفعل شيئاً إيجابياً يساهم في “تحرير” هذا البلد الأسير من البراثن؟

لو أجبتُ باعتدال العقل ومشاعر الوجدان، لقلتُ: لا. ليس في مقدورها أن تفعل شيئاً من هذا القبيل.

لكني أجيب بجنون العقل وجموح الوجدان: نعم. يجب أن يكون في مقدورها أن تفعل شيئاً.

فأنتَ أيها الفعل “الموجود بالقوة”، نعم، يجب أن تكون “الموجود بالفعل”.

أقول “يجب”، عارفاً بحدس الكلمات، وبالقرائن الواقعية “المتواضعة”، أن ثمة “قوة ثالثة” في لبنان، في مقدورها أن تصبح القوة الأولى، بالتراكم النوعي، وبالصبر، وبالعناد الخلاّق، آخذةً في جرفها التنويري، هؤلاء وأولئك، لتلتقي “القوة الثالثة” في كلٍّ من سوريا ومصر والعراق وفلسطين.

لكل “قوة” ثالثة” في هذه البلدان، أن تقول براكينها، وأن تلفظ حممها، بما تنطوي عليه من مكوّنات ملموسة، وانتظارات حلمية دفينة وممضة، لكن تواقة الى الخروج من الأبد المقيت.

لي في هذا الباب، حاشية مركزية وجوهرية، لا بدّ منها: “القوة الثالثة” في سوريا، متغلغلة في ضمير الثورة السورية، وفاعلة، كفاحاً وثقافةً وتحريراً، وقولاً وكتابةً وفنوناً مختلفة و… فعلاً ثورياً.

لكن هذه “القوة” الروحية والبشرية، تتعرض لملاحقات وأعمال تضييق وقمع رهيبة من جانب النظام الاستبدادي، كما تواجهها مشقات وصعوبات وعراقيل جمة من داخل حركة التغيير المتعددة الطرف والهوى. فإلى هذه “القوة” خصوصاً، كل ما يمكن المرء الحرّ أن يتمنّاه للأحرار المتملصين من الظلاميات، كل الظلاميات على السواء.

¶¶¶

إذا كان لي أن أوجّه نداء الى أهل هذه “القوة الثالثة” في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق ومصر، فندائي إليهم أنهم، من حيث يدرون أو لا يدرون، يستطيعون أن يشكلوا “القوة الأولى” الحقيقية، والضمير النوعي الأشمل والأفعل في هذا الإطار العربي المشار إليه.

النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى