صفحات سورية

المبادرة الوطنية السورية أكثر من ضرورة


    خالد قنوت

    لم يكن السوريون بحاجة لدلائل و براهين أن الثورة تعرضت و تتعرض لكل أشكال التنكيل و التخريب و الإساءة ليس من قبل النظام و آلته العسكري الأمنية الإعلامية الضخمة المدعومة من دول تملك كل الامكانيات و المصالح معه فحسب و لكن أيضاً من قبل من يريد أن يقفز على هذا الخيل الجامح المتمثل بالثورة السورية العظيمة. لقد أدرك السوري العادي البسيط و بحكم نباهته الفطرية أن هناك شخصيات و قوى ستظهر سريعاً و بشكل متواتر على الإعلام العربي و العالمي لكي تنسب الثورة لها و تتشدق بقيادتها و بحصرية تمثيلها لها.

    في حديث ملغوم مع أحد الناشطين السياسيين الفاعلين على الأرض و في الأشهر الأولى للثورة أخبرني صديقي بأن الجميع هنا ليسوا أغبياء و يعرفون حقيقة كل من يتعاطى العمل السياسي باسمه الشخصي أو باسم الثورة ككل. أخبرني أن ذاكرتهم لا تمحوها الخطابات و الظهروات الإعلامية على الفضائيات كل حين و حين لعديد من المعارضين الحقيقيين منهم و المرتزقة الجدد. حدثني أن الذين يعملون على الأرض يعملون بصمت و تفان أقرب إلى الطقوس الروحانية يحملون أرواحهم على أكتافهم و يخضون المخاطر و الأهوال و لا يظهر واحد منهم على فضائية أو أي وسيلة إعلامية لأنه يعرف أن مصيره سيكون الاعتقال و التعذيب وصولاً للتصفية الجسدية على أيدي أجهزة أمنية دموية همجية لا تعرف الرحمة و لا الشفقة اقرب ما تكون إلى الحيونة من الانسانية.

    قال لي بالحرف الواحد: دعهم يعملون, أن يعملوا معنا أفضل أن يعملوا ضدنا و لكننا نعرف الجميع و عند انتصار الثورة سنضع حداً للمرتزقة و سنكرم الأوفياء لوطنيتهم و لثورتهم.

    تتعقد الأمور أكثر و أكثر على ساحة الصراع و تدخل الدول و مصالحها على قبان الحسابات, متجاهلة المصلحة السورية و الشعب السوري و الثورة السورية التي تحاول هذه الدول كل جهدها و قوتها, على إغفال هذا العامل الحيوي في الأحداث لا بل هو أصل الحدث و عليه ستتحدد النتائج و السياسات الدولية في المنطقة, بعد أن شرع النظام بسياسته اللاوطنية, تدخل هذه الدول محاولاً اللعب مرة على التوازنات الدولية التي خبرها و أبدع فيها على مدى عقود و على خلط هذه التوازنات مرة أخرى محاولاً تصدير أزمته أو مهدداً بالتأثير عليها معتقداً أنه يستطيع العودة إلى ما قبل الخامس عشر من آذار 2011.

    (المجلس الوطني يمثلني) شعار رفعه الثوار على الأرض مرة أو مرتين و لكن بكل تأكيد للحاجة و ليس للقناعة. فقد كانت و مازالت الثورة بحاجة إلى تمثيل سياسي يعبر عنها و يحتضن أهدافها و يقودها نحو هذه الأهداف و لكنه لم يقنتع مطلقاً بالكثير من أعضاء هذا المجلس و لا بالنفوذ التسلطي لبعض قواه السياسية التي تملك العجلة المادية و الخبرة التنظيمة عبر سنين اغترابها القسري عن الوطن بعد مجازر الثمانينيات, لكن هذه القوى لا تملك على أرض الواقع السوري أي نفوذ أو إجماع سياسي لأسباب كثيرة. تتمثل هذه القوى بحركة الإخوان المسلمين التي أصبحت خارج الوطن سياسياً, و هنا لا يمكن إقصاء دورها و حقوقها في العمل الآن وفي المستقبل. أيضاً, هناك كتلة غامضة داخل المجلس الوطني لم يكن لها معالم محددة سوى أنها كتلة صلبة لا يمكن اختراقها لمعرفة إحداثياتها و سيرتها الذاتية. يقال أنها كانت حوالي الستة و الثلاثون شخصية و أصبحت بعد ذلك كتلة السبعين. إضافة لكتلة السبعين و كتلة الإخوان المسلمين كان هناك عدد من العلمانيين و المعارضين الذين غادروا الوطن نتيجة الملاحقة و التهديد. نعم, قلناها أن المجلس الوطني يمثلني لأننا كنا نعول على أن بقية القوى السياسية سنتضم لها و تشكل النواة الحقيقية لقيادة الثورة و لتكون بالشكل و المضمون تعبيراً أن أهداف و مصالح الثورة و الوطن و تمارس الديمقراطية على نفسها قبل الآخرين و لكن الأحداث أثبتت عكس ذلك.

    في البداية ظهرت هيئة التنسيق الوطني كرد فعل على تجاوز مؤتمر الدوحة و إحساس أعضائها بالغبن و حتى الخيانة و انشغالها اليومي بالتصدي لسياسات و إدعاء أحقية و حصرية التمثيل للمجلس الوطني, دون التصدي لممارسات النظام الاستبدادي نفسه.

    هنا كان شعور الثوار على الأرض و أدراكهم أن قيام تكتلين سياسيين يدعيان قيادة الثورة هو بداية للإنتهازية السياسية من الطرفين و دخول خلافهما و تاريخهما السياسي على خط الثورة التي انطلقت بدونهما و بمعزل عنهما و تستمر بعيداً عنهما أيضاً.

    بإعلان وزيرة الخارجية الأمريكية و بدون إعلانها عن عجز المجلس الوطني السوري عن تمثيل الحراك الشعبي السوري, كان قرار الثوار بأن المجلس لا يمثلهم رغم كل الفرص التي أعطوها له لكي يعيد تنظيم نفسه و هيكليته و يحقق آمال الناس به و لكن الخلل كان بنيوياً و عميقاً و عصياً على الاصلاح و كأنه أصبح صورة عن النظام نفسه, و ما نتائج إعادة الهيكلة و الانتخابات التي حدثت مؤخراً, إلا شكلاً سيئاً من أشكال و ممارسات النظام و حزبه البعثي. ظهر ذلك في هتافات المتظاهرين و في تصريحات بعض قادة الحراك العسكري الثوري و على يافطات كفرنبل و بنش و حلب و داعل و الحراك و العديد من المناطق السورية الثائرة متسائلة عن غياب الدعم المادي و الإغاثي للمنكوبين داخل الوطن و خارجه و أموال الداعمين و المغتربين السوريين وعن الزيارات المحدودة لبعض أعضاء المجلس للمخيمات و حرصهم على إلتقاط الصور مع المهجرين و رجال الجيش الحر.

    يدخل العمل السياسي السوري ابتداءاً من اليوم في تجربة جديدة, تتجلى بالمبادرة الوطنية السورية التي دعى إليها المناضل رياض سيف, و قد أنعشت هذه المبادرة الآمال السورية بالعودة إلى فكرة قيام قيادة للحراك الثوري السوري.

    في الشكل: هذه المبادرة صدرت عن شخصيات وطنية سورية تتمتع بالمصداقية و الثقة الشعبية لأنها خرجت من رحم الثورة و عانت من بطش النظام و استبداده خلال عقود سابقة و خلال الثورة أيضاً, و هذا يشكل مصداقية للمبادرة بحد ذاتها.

    في المضمون: من خلال نص المبادرة يتجلى بشكل واضح النفس الثوري الوطني و في التأكيد الثابت على أهداف الثورة الأساسية التي طالب و هتف بها السوريون منذ الأشهر الأولى و هي الحرية و الكرامة و بناء دولة مدنية ديموقراطية تعددية و ضمان سيادة و وحدة الوطن السوري لكل أبنائه و ضرورة قيام قيادة سياسية عسكرية وطنية و أيضاً دعم المناطق المحررة و إيصال المعونات و الإغاثات للسوريين أينما وجدوا و التفكير العملي بالمرحلة الانتقالية بناءً على إنجازات سياسية مهمة تتمثل بوثائق القاهرة و وثيقة العهد الوطني.

    إن قيام هذه المبادرة و دعمها أكثر من ضرورة وطنية و أخلاقية رغم ما تناولها, من القريب قبل البعيد, من تخوين و تشكيك و خاصة بعد تصريحات هيلاري كلينتون التي تصب في خانة الإبقاء على حالة التدمير الذاتي السورية و إدعاء البعض أنها مبادرة أمريكية.

    بالمبدأ, إن النقد حق لكل مواطن سوري و لكن النقد شيء و التخوين شيء آخر و كل وثائق القاهرة و وثيقة العهد الوطني تحذر من التخوين و هذه بالأصل مسلمة من مسلمات العمل السياسي أثناء الثورة.

    إن ضرورة قيام و دعم المبادرة تدعونا جميعاً لأن نطالب القوى السياسية الفاعلة على الأرض و خارج الوطن أن تنضم لهذه المبادرة و العمل بكل صدق و إخلاص على إغنائها و إنجاحها و عدم الاكتفاء بالدعاء لها بالتوفيق بينما يعمل البعض منذ الآن على إفراغها من مضمونها أو إسقاطها أو التشكيك بها. إن البناء على التجارب السابقة للعمل السياسي للمعارضات, الماضية و الحاضرة يشكل تعزيزاً للمبادرة في ترسيخ الايجابيات و عزل السلبيات. و إن أتت هذه المبادرة مع تصريحات كلينتون أو أي كان فإنه لا يقلل من أهميتها لأن العمل الثوري يجب أن يكون مبيناً على سياسة براغماتية مرحلية تتعامل مع الأطراف المؤثرة إقليمية و دولية تركز على الأولويات و تستبعد الأشكاليات اللاحقة.

    هنا أدعو لأمرين اساسيين استكمالاً لبنود المبادرة:

    أولاً: أن تكون هذه المبادرة مستقلة بذاتها عن أي تكتل أو كيان سياسي معارض لا بل أن تكون أكبر من أي منها مع أحقية تلك التكتلات في الحفاظ على كياناتها داخلها.

    ثانياُ: أن يضاف إلى هذه المبادرة بند العمل على قيام مجلس أو جمعية تأسيسية وطنية لكتابة دستور سورية الجديدة يقوم على أهداف الثورة في الحرية, الديموقراطية, المدنية, و التعددية و على مبادئ حقوق الإنسان و حرية الضمير, ليكون هذا الدستور معمولاُ به خلال المرحلة الانتقالية و الدعوة لانتخابات رئاسية و برلمانية على اساسه, بعد سقوط النظام.

    بعد أكثر من عشرين شهراً من الحل الوحشي للنظام بحق الوطن و ابنائه لابد للمواطن السوري أن يشعر بأنه يضحي من أجل الوطن و ليس من أجل مطامع سلطوية للآخرين و أن هذه التضحية لم تذهب سدى.

    هنا يجب أن تتجلى أخلاقية استثنائية من قبل المعارضات و المعارضين تجاه هذه الثورة اليتيمة واللا مسبوقة بتاريخ الشعوب من حجم الضغوطات الداخلية و الخارجية عليها.

    من جهة أخرى, قيام هذه المبادرة يعري أي إدعاءات بانحراف الثورة عن مطالبها في الحرية و الديموقراطية و تدفع الدول المعنية لتغيير سياساتها في صالح الشعب السوري عن طريق تصحيح أي خلل أو انحراف حاصل في الثورة أو قد يحصل في المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى