صفحات العالم

النظام السوري ومأزق الحوار


رأي القدس

استقبل الرئيس السوري بشار الاسد يوم امس وفد الجامعة العربية برئاسة الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس وزراء ووزير خارجية قطر الذي جاء يطالب بنقطتين اساسيتين، الاولى وقف العنف، والثانية البدء في حوار جدي بين السلطات السورية والمجلس الوطني السوري المعارض.

العنف لم يتوقف في سورية، فقد كشف المصدر السوري لحقوق الانسان عن مقتل أكثر من عشرين شخصاً، يوم وصول الوفد، من ضمنهم تسعة جنود سوريين بينهم ضباط اثر هجوم شنته وحدة عسكرية مسلحة منشقة عن الجيش السوري. اما الباقون فسقطوا برصاص الجيش وقوات الامن السورية خاصة في مدينة حمص.

الاستقبال الشعبي لوفد الجامعة عكس بصورة جلية الخريطة السياسية السورية على الارض في الوقت الراهن، فالسلطات حشدت مئات الآلاف من مؤيديها للتظاهر في ساحة الامويين في دمشق (السلطات قالت ان العدد فاق المليونين) لايصال رسالة الى وزراء الخارجية العرب ووفدهم بان النظام السوري يحظى بشعبية كبيرة، بينما حرصت المعارضة على ايصال رسالة مغايرة تماماً من خلال اعلان الاضراب في بعض المدن السورية وتصعيد مسيرات الاحتجاج.

النظام السوري الذي عارض تشكيل وفد الجامعة من الاساس، مثلما عارض تولي رئيس وزراء قطر رئاسته عاد وتراجع عن موقفه هذا، ولعل هذا التراجع يعود الى امرين اساسيين، الأول رغبته، اي النظام السوري، في عدم تصعيد التوتر مع الجامعة، لانه يعرف ان وقوفها ضد نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا ومساندتها لتدخل حلف الناتو في الازمة الليبية تحت غطاء حماية المدنيين ادى الى النهاية الدموية التي رأيناها للنظام الليبي، والثاني لجوء وفد الجامعة العربية الى تخفيف حدة لهجته تجاه النظام في دمشق، وتقديم نفسه، اي الوفد، بصفة الوسيط، وليس كطرف منحاز الى المعارضة.

من الواضح ان استراتيجية النظام في سورية هي التهديد والترغيب، التهديد باللجوء الى العنف ضد اي دولة تعترف بالمجلس الوطني المعارض، او تتخذ مواقف معادية لسورية، ولوحظ ذلك بوضوح في الهجوم الشرس الذي شنه السيد يوسف الاحمد مندوبها في الجامعة على الدول الخليجية التي تتبنى المعارضة السورية وتدعمها اعلامياً، وتفجير احداث عنف في منطقة القطيف شرق السعودية حيث تتمركز الاقلية الشيعية، ولا ننسى في الوقت نفسه تصعيد حزب العمال الكردستاني لعملياته ضد قوات الجيش التركي ومقتل 26 جندياً تركيا في احدى هجماته الاخيرة، في اشارة واضحة المعاني لتركيا التي تستضيف مؤتمرات المعارضة السورية، اما الترغيب فينعكس في اظهار التجاوب مع المطالب العربية في الاصلاح والحوار دون الاقدام على اي خطوات عملية جدية في هذا الصدد.

المعارضة السورية، او بعض عناصرها، بدأت تدرك ان الموقف العربي يتسم بالميوعة تجاه الاوضاع السورية ولا يمكن التعويل عليه كثيراً، بل ان هذه المعارضة تشعر بالخذلان العربي، حيث مازال الدعم العربي الرسمي لها مقتصرا على الدعم الاعلامي فقط، وسمعنا السيد محمد العبد الله احد المتحدثين باسمها في واشنطن يطالب باعتراف النظام بالمجلس الوطني كممثل للشعب السوري مقابل الجلوس معه على مائدة الحوار، اي انه لم يرفض محاورة النظام ولم يطالب باسقاطه اثناء مقابلة معه في قناة ‘العربية’ مساء امس.

ولعل ما يزيد احباط المعارضة السورية من الموقف العربي، هو عدم اعتراف اي حكومة عربية حتى الآن بالمجلس الانتقالي السوري رغم وعود كثيرة قطعت في هذا الصدد. والاعتراف الوحيد اليتيم جاء من المجلس الانتقالي الليبي، والشيء نفسه، اي عدم الاعتراف فعلته دول عالمية كبرى مثل امريكا وبريطانيا وفرنسا وتركيا.

النظام السوري بات يتمتع بثقة اكبر في النفس بعد استخدام كل من روسيا والصين ‘الفيتو’ ضد مشروع قرار في مجلس الامن تقدمت به بريطانيا وفرنسا يطالب بفرض المزيد من العقوبات على سورية، الأمر الذي جعله يطمئن بان سابقة تدخل حلف الناتو في ليبيا بغطاء دولي لن تتكرر في سورية.

الظاهرة الخطيرة التي ربما يقلل من اهميتها النظام في دمشق مثلما يبدو ذلك من ردود فعله، هي تزايد اعمال المقاومة المسلحة، خاصة من قبل القوات المنشقة عن جيشه، مما يعني ان الانتفاضة السورية، وبعد مقتل اكثر من ثلاثة آلاف متظاهر، بدأت تتخلى مكرهة عن سلميتها، مما يعني ان البلاد تنزلق الى حرب اهلية على غرار ما حدث في ليبيا، الامر الذي قد يؤدي الى تدخل خارجي في نهاية المطاف، بغطاء من الامم المتحدة او بدونه، فهناك دول عربية بدأت تدعم المعارضة السورية بالاسلحة والعتاد العسكري وان كان ذلك بشكل سري.

النظام السوري لا يستطيع ان يحارب معارضة مسلحة ويواجه حصارا اقتصاديا وعزلة دولية في الوقت نفسه، مهما تمتع باسباب القوة والدعم. صحيح انه يملك اهم الاسلحة في مواجهة الحصار الدولي، وهي تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والنفط واستمرار تماسك الجيش ووجود دعم داخلي من قطاعات شعبية، علاوة على الدعمين الروسي والصيني، ولكن الغرب الذي يتزعم الحملة لدعم المعارضة واسقاط النظام بتحريض عربي، يراهن على سياسة النفس الطويل، اي اغراق النظام في حرب استنزاف طويلة الامد، لانه يخشى من التدخل العسكري المباشر لكلفته العالية مادياً وبشرياً.

مبادرة الجامعة العربية قد تكون عجلة انقاذ للنظام والمعارضة معاً ولسورية نفسها في نهاية المطاف، اذا ما تم التعامل معها بجدية ومن قبل النظام على وجه الخصوص، فلا بد من وقف العنف، وسحب القوات المسلحة وتبييض السجون والبدء في خطوات اصلاحية فعلية، والترحيب بالحوار مع المعارضة، لان هؤلاء سوريون لا يقلون وطنية او حبا لسورية مثل النظام ان لم يكن اكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى