صفحات الرأي

الهوية الوطنية المرذولة/ سمير الزبن

 

 

ولدت الهوية الوطنية في المشرق العربي هشة ومرذولة، فقد جاءت الكيانات الوطنية نتاج الإدارة الاستعمارية للمنطقة. ولد التشكيل الأساسي لهذه الأوطان من اتفاق سايكس – بيكو بين القوى الاستعمارية لتقاسم المنطقة قبل سيطرتها عليها، ولم يكن لسكان المنطقة أي دور في صناعة هذه الأقطار. لذلك، ولدت هذه الأوطان مرذولة من أصحابها بوصفها مؤامرة الاستعمار على وحدة المنطقة التي كانت تعيش في ظل الإمبراطورية العثمانية.

مع الاستقلال الوطني، لم يولد مسار جدي للرد على الحدود التي صنعها الاستعمار. المحاولة الوحيدة جاءت عبر الوحدة السورية – المصرية التي كانت معيبة وخيبت الآمال بالوحدة ذاتها. فقد تمت إدارتها من جانب السلطات المصرية باعتبار سورية ملحقاً وليست شريكاً في الوحدة. ولم تختلف إدارتها عن الإدارة الاستعمارية، بل كانت أسوأ، لأنها كانت إدارة أمنية بحتة، ولا نجانب الصواب بالقول أن سلطة جمال عبدالناصر هي التي أسست الدولة الأمنية في سورية في عهد الوحدة، وهي الأساس الذي بنى عليه حكام البعث أخطبوطهم الأمني الذي بطش بالمجتمع السوري وصولاً إلى تحطيمه.

ولأن الدولة الوطنية مرذولة، تشكلت الهويات الأساسية في المنطقة إما أقل من وطنية، هوية طائفية ومناطقية وجهوية وعشائرية، أو فوق وطنية، قومية وإسلامية ومسيحية ودرزية. أما الوطن فلم يتم الاعتراف به لأنه حدود استعمارية مصطنعة. ومن المفارقات أن الحدود القطرية المصطنعة تعززت بعد الاستقلال، ومن جانب الأنظمة الأكثر ادعاء للقومية في كل من العراق وسورية. أيام الحكم الاستعماري، وعلى رغم خضوع المشرق العربي لسلطة دولتين استعماريتين، كان التنقل فيه في غاية اليسر. ومع الاستقلال، تم رفع الحدود الوطنية وتعقيد التنقل، وفي الدول المدعية القومية، رفعت الحدود القطرية إلى درجة التقديس.

هذا الضعف في الهوية الوطنية لم يكن على مستوى السلطة فحسب، بل كان في قلب التشكيلات الاجتماعية للدولة القطرية. هناك مثلان يستحقان التأمل:

المثل الأول فلسطيني: في حرب 1948، سقطت المدن الفلسطينية في الأيام الأولى من الحرب. القرى الفلسطينية لم تعترف بهذا السقوط فقاومت، حتى أن بعض القرى قاوم لأكثر من ستة أشهر. المفارقة كانت أن مقاتلي القرى التي تسقط كانوا يبيعون سلاحهم وذخيرتهم للقرى المجاورة. فبالنسبة إلى الفلاح الفلسطيني كانت القرية هي الوطن النهائي، سقوط القرية يعني سقوط الوطن، والقرى الأخرى أوطان الآخرين، لذلك تحول الفلسطينيون إلى لاجئين حتى في بلادهم، الضفة الغربية وقطاع غزة.

المثل الثاني سوري: ولدت التشكيلات العسكرية للجيش الحر في سورية، كتشكيلات مناطقية، حتى الضباط الذين انشقوا عادوا إلى مناطقهم لبناء هذه التشكيلات. وعندما كانت منطقة تساند أخرى، كان يذهب عدد من المتطوعين إلى تلك المنطقة موقتاً، وعندما ينتهي الخطر يعودون إلى أماكنهم الأهلية، من دون صوغ أي خطط دفاعية مشتركة. وحدهم الإسلاميون الإرهابيون على شاكلة «داعش» و «النصرة» أصحاب الهويات فوق الوطنية، امتلكوا تشكيلات عسكرية متجاوزة المناطقية، بحكم عدم اعترافهم بالحدود الوطنية أولاً، وبحكم خارجيتهم عن المجتمع السوري ثانياً. ولا شك في أن النقص في تبلور الهوية الوطنية، واحد من الأسباب التي منعت أي عمل سوري موحد في مواجهة النظام المجرم.

لا يمكن بناء وطن بهوية وطنية مرذولة، لذلك تحتاج هذه الهوية إلى إعادة نظر، فهي الوعاء الذي يجب أن يحتوي كل الهويات الأخرى فوقها وتحتها، وهي الأساس المكون شراكةً في الوطن وفي عقد اجتماعي بين مواطنين، أما وطن الهويات الائتلافية فعرضة للتفكك والانقسام الدموي.

* كاتب فلسطيني

الحياة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى