صفحات العالم

اوروبا سفينة تغرق… وتهدد سوريا !!


ليلى نقولا الرحباني

تستمر التهديدات الأوروبية بمزيد من العقوبات على سورية، خصوصاً في أعقاب الفيتو الروسي الصيني المزدوج في مجلس الأمن الذي أخرج القضية السورية من دوائر مجلس الأمن ليعيدها إلى الساحة السورية والعربية، وبالرغم من تأكيد الجميع على عدم قابلية تحقق “خيار عسكري” في سورية كما حصل في ليبيا، يبقى بعض الإعلام العربي وبعض السوريين “المعارضين” يمنّون النفس ويجوبون أوروبا للتسويق لأمر كهذا، متناسين أو متجاهلين أن أوروبا تبدو أشبه اليوم بـ”سفينة غارقة” تحاول أن تغيّر القبطان علّه يخرجها بسلام من جبل الجليد الذي وجدت نفسها فيه.أما سيناريو تدخل عسكري للناتو في سورية، والذي سيؤدي للإطاحة بالأسد ويقيم حكماً بديلاً من معارضي الخارج، الذين سيأتون على الدبابة الأطلسية، فيبدو ضرباً من ضروب الخيال، لأن الواقع الأوروبي المدعو للتدخل عسكرياً في سورية هو بعيد جداً عن هذه الإمكانية، لا بل إن الصورة الأوروبية الحقيقية لأوروبا قاتمة جداً، وهي كما يلي:

– أزمة اقتصادية كبرى تجتاح منطقة اليورو، تؤدي إلى تقشف في الموازنات، وخصوصاً في موازنات الدفاع، وتعلن كثير من الدول الأوروبية اليوم وبشكل واضح عن خشيتها من الذهاب إلى عمليات خارج الحدود لا تراها ضرورية، خصوصاً مع الشح الهائل بالموارد، واختلاف الاستراتيجيات والطموحات العالمية، واختلاف الآليات القانونية لتشريع التدخلات العسكرية، وبحسب تعبير أحد الخبراء الأوروبيين: البنوك وليس الدبابات هي الأهم بالنسبة لأمن أوروبا في الوقت الحاضر.

من هذا المنطلق، يكبح الأوروبيون اندفاعة ساركوزي تجاه سورية، والتي يحتاجها لكي يؤمن لنفسه انتصاراً ما في السياسة الخارجية على أبواب انتخابات فرنسية غير مضمونة النتائج، وفي ظل تدني نسب مؤيديه في استطلاعات الرأي.

– بانتظار قمة الناتو التي ستنعقد في شيكاغو في أيار من السنة الحالية، يعيش الأوروبيون قلقاً على مستقبل الناتو بعد الرغبة الأميركية المتزايدة بسحب الجنود من أوروبا، ودعوات تدعو الأوروبيين للاهتمام بأمنهم الخاص والأمن في حديقتهم الخلفية، وكما صرّح روبرت غيتس سابقاً: “بعد انتهاء الحرب الباردة، لا تستطيع الولايات المتحدة أن تصرف أموال دافعي الضرائب لحماية أوروبا، على أوروبا أن تقوم بذلك بنفسها”.

– ينظر الأوربيون بقلق إلى مستقبل الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بعد قيام الولايات المتحدة الأميركية بإعادة تقييم خياراتها الاستراتيجية، وإعادة ترتيب أولوياتها الجغرافية نحو آسيا والمحيط الهادي. وهنا، وبسبب العجز المالي والاقتصادي، والضعف الذي يبرز في الخيارات السياسية المتباينة، والتي ظهرت بشكل واضح في الأزمة الليبية، يجد الأوروبيون أنفسهم غير قادرين على لحاق ركب الولايات المتحدة لحجز مقعد لهم في السياسات العالمية الجديدة في القرن الحادي والعشرين، حيث انتقل المركز من المحيد الأطلسي إلى المحيط الهادي، كما أن ما يشاع عن إمكانية حرب باردة جديدة، وسباق تسلح بين الصين والولايات المتحدة، يؤدي إلى زيادة شعور الأوروبيين بالعجز، مما يفاقم قلقهم على مستقبل الاتحاد.

– في ظل توجه حثيث نحو حرب باردة جديدة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية، يشعر الأوروبيون بثقل حول المسؤولية الملقاة على عاتقهم أميركياً، لاعتبارات عدة متعلقة بعلاقتهم بروسيا، منها اعتمادهم على الغاز الروسي، وخشية من رد روسي قاسٍ في أوروبا بسبب بناء الدرع الصاروخي، الذي تعتبر موسكو أنه موجه ضدها، وفي حال استمرار الأميركيين بالتدخل بالشؤون الروسية من خلال تشجيع التظاهرات المناوئة لبوتين، ودعم دول أوروبا الشرقية الخارجة من كنف الاتحاد السوفياتي السابق.

– بعكس كل التاريخ الأوروبي السابق، يتطلع الأوروبيون اليوم إلى قيادة ألمانيا للاتحاد الأوروبي، ويخشى الأوروبيون أن تتخلى ألمانيا عن التزاماتها تجاههم، فعام 2012 هو عام مفصلي بالنسبة للاتحاد الأوروبي ومستقبله، وهم ينظرون بأمل أن يتم انقاذهم عبر ألمانيا، ويعوّل الأوروبيون على مصلحة ألمانيا في ذلك، فلطالما حلم الألمان بقيادة أوروبا سياسياً، كما أن ألمانيا لها مصلحة في استقرار الاقتصاد الأوروبي، لأن ما يقارب 60 في المئة من الصادرات الألمانية، هي مع الشركاء الأوروبين، وهكذا، إما أن تصبح ألمانيا قائدة أوروبا عام 2012 وتنقذ السفينة الأوروبية من الغرق، أو تتخاذل فيكرهونها.

في المحصلة، إن المشاكل الاقتصادية والسياسية والديمغرافية التي تعيشها أوروبا، واستراتيجية التقشف التي أعلنها أوباما، والتي تجعل من حلف الناتو اليوم أضعف من أي وقت في تاريخه، بالإضافة إلى ما ظهر من تحالف ثابت داعم للنظام السوري، وعدم رغبة أي من الدول بدفع تكاليف إشعال حرب إقليمية في منطقة عائمة على النفط، ستؤدي إلى إشعال لهيب يمتد إلى الجوار الأوروبي.. كل هذا وغيره، يجعل الحديث عن خيار تدخل عسكري أطلسي في سورية، أو تكرار سيناريو عراقي بقيام “تحالف الراغبين” أبعد ما يكون عن الواقع، هو تهويل أو وهم موجود في مخيلة مطلقيه.

الثبات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى