صفحات المستقبل

براعم الروح… حين تختبر مرارة الفقدان/ نور مارتيني

 

 

لم تعد حدود حياتنا تتعدى تلك المساحة المسطحة، الماثلة أماماً، خيطاً واهياً بين الحقيقة والوهم، بين الموجود وغير الموجود، تلك الشاشات التي تؤرجحنا بين الحياة والموت. فحين يغيب الوطن، يصبح أي شيء محسوس، أو أي فكرة، قابلين للتطور، والتحول إلى وطن يبنى على أنقاض ذلك الذي بات صرحاً تتعبد في محرابه الأفكار.

في بلدي الصغير الذي تحول إلى مساحة من الحلم، مليئة بالمدافن والدماء، لم تعد أغنية موطني تحرك فينا تلك القشعريرة، وذلك الشعور بقداسة الوطن، بل باتت تفتح سواقي من الأنهار تجري على الوجنات، ونظرة ساهمة تحدّق نحو المجهول، وغالباً ما تبحث العيون خلف الجبال، فالوطن بات حلماً بعيد المنال.

نساء سوريا كلهن اللواتي كن يمقتن التكنولوجيا، ويمتعضن من جلوس رجالهن لساعات طويلة أمام شاشات الكومبيوتر أو تحديقهم في أجهزتهم الذكية، بتن اليوم مضطرات إلى التعامل مع هذه الأجهزة التي لطالما كرهنها، فالابن أمسى خلف البحار، والابنة التي كانت زيارتها لا تستغرق أكثر من ساعتين، أصبح الحصول على قبلة من ابنها، يحتاج هوية، وعبور عشرة حواجز، والخوض في بحر من الخوف، تصطادك فيه آلاف القناصات، لتغتال حلمك بالحصول على تلك القبلة..

أطفالنا الصغار اكتشفوا مرارة الفقدان باكراً، منهم من فقد ملاذه الآمن وتلك الذراع الحانية التي كان يتوسّدها، وآخرون فقدوا الجدران التي احتضنت ضحكاتهم، والتي لطالما غضب أهلهم لأنهم أفسدوها بذكرياتهم التي أرّخوها هناك، حيث لم تعد ثمة جدران .. أو ذكريات.

أما الفقد الأكثر إيلاماً فهو مرارة اكتشاف أنهم مختلفون، وأنهم يمتلكون عضواً في أجسادهم، يستطيعون التخلي عنه واستعادته متى يشاؤون، اكتشاف أنهم مختلفون عن رفاقهم، ذلك الاختلاف الذي يجعلهم ينظرون بانكسار، فيما يتأملون في ذلك الجزء الذي أجبروا على جعله ينتمي إليهم..

طفلي الصغير الذي غادر سوريا قبل أن يتمكن من تمريغ قدميه الصغيرتين بترابها الطاهر، هو الآخر، من بين أولئك الأطفال الذين اكتشفوا مرارة الفقدان، الذي وإن كان مؤقتاً، ولكنه في كل يوم يحفر المزيد من الندوب في روحه ووجدانه، لم يعد طفلي يشعر بالوخز حين يتلمس وجوه كلّ من يقابلهم، فكلها ملساء ناعمة، لا تشبه وجوه أبيه، وجدّه، وأخواله وأعمامه، التي كانت تخزه بملمسها الشائك..

ينهض صغيري كلّ يوم من فراشه، ليتفقّد أفراد البيت، خوفاً من أن يكون أحد منا قد طواه قمر الليلة الفائتة، كما طوت الليالي السابقة صور كثيرين ممن أحبّهم وألفهم، بات العالم كلّه بالنسبة له مختصراً في شاشة مسطحة بلا مشاعر ولا أحاسيس، تنقل له صورة أبيه ولكنه لم يعد يشعر بحرارة يديه وهما تتلمسان جبهته حين يكون مريضاً، ولا هو قادر على أن يشاهد وجهه دون أن يستأنس بمداعبته له، إلا أنه يعي بسنيّ عمره الثلاث، أن ما يراه إنما هو صورة، وأن الأصل موجود في مكان ما من هذا العالم!

ابن صديقتي، الذي خبر معنى أن تشرق شمس دون أن يشرق فيها وجه أبيه، لم يع بعد بسنواته التي لم تبلغ الاثنتين، أن تلك الشاشة المسطحة لا تنقل إليه إلا سراباً، وأن وجه أبيه غائب في فضاء افتراضي، فيضم شاشة جهاز “الآيباد” يحاول خدشها بأظافره لعلّ الدم ينساب من وجه والده، ليذكره أن من يرى صورته هو ذاته الذي كان يداعبه، يحاول سحبه من يده ليخرجا معاً إلى حديقة المنزل، يعضّ الشاشة عساه يحسّ بألم أسنانه فيستجيب لطلباته، ثم يكتشف أن كلّ جهوده تذهب هباء وأن يديه الصغيرتين عاجزتان عن التقاط كرات الدمع التي تتدحرج من مقلتي تلك الشاشة!

زميلتي المعلمة تقف حيرى أمام وجوه طلابها المتعبة، تحدّثني عن سماء الوطن التي تبحث عنها في عيونهم، ولكنها لا تجد إلا البراميل والموت، وصور البيت الذي تركوه ركاماً.

أولئك ممن أسرفت الدنيا في ظلمهم، أفرطوا في تجاهلها.. يحكون عن ذكرياتهم مع أبيهم الذي أصبح سراباً، أو حلماً قيد الانتظار، وكأنه كائن فضائي، دونما دمعة تنساب على الوجنتين، أو آه محترقة، ولكن الشرر المتطاير من عيونهم هو وحده من يؤكد أنهم ليسوا منفصلين عن الواقع، ولكنه عبء الحياة الذي حولهم إلى رجال صغار!

تلك الطفلة الصغيرة.. شقراء الجدائل، لا تكف عن الصراخ، فلبرميل الطاغية أفقدها سمعها، قبل أن تتعلم نطق الحروف، واليوم هي عاجزة عن قراءة الشفاه، قدرها الوحيد أن تصرخ علّها تستطيع أن تنقل إحساسها بالسخط على عالم يتعمد أن يصمّ أذنيه عن صوت صراخها..

(سورية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى