صفحات الرأي

بين تطلّب الإصلاح وفرضه/ حسام عيتاني

 

 

تصدر الدعوات إلى «تجديد الخطاب الديني» في العالم العربي أو بصراحة أكبر «الإصلاح الديني» من ذات مصدر الدعوات إلى إقامة دولة المواطنة والعلمانية والحوكمة العادلة ونشر الديموقراطية.

ولا يبتعد المصدر هذا عن منبع دعوات مشابهة لإحياء الفكر اليساري العربي ونقد التجارب السابقة التي انتهت إلى فشل عميم. ثمة شعور حاد بارتباط التدهور الحالي للمشهد السياسي العربي بعد إخفاق الثورات العربية وانتكاساتها بضرورة قراءة أعمق للواقع من جهة، وإنتاج طروحات نظرية تفسر الواقع هذا والعلل التي أفضت إلى المآلات الحزينة للثورات العربية.

هذه الدعوات التي يقف وراءها كتاب وباحثون وناشطون منفردون أو منخرطون في أطر منظمة، تتشارك مع نظيراتها من الدعوات التي تطلقها الحكومات، مثل الدعوة الشهيرة للحكومة المصرية إلى تجديد الخطاب الديني، بسمات عدة لعل أبرزها الإرادوية، أو الاعتقاد بالقدرة على «إنتاج» فكر أو نظرية سياسية أو فقهية، بالاستناد إلى عصف ذهني لعدد من المتخصصين اللامعين في مجالات العلوم الإنسانية أو الشرعية، وأن كل ما يتبقى بعد تدوين هذه الأفكار الحاذقة على الورق هو تعميمها وإلزام المجتمعات والدول بها، ليعيش بعدها الجميع سعداء مطمئنين.

المأساة تكمن في أن هذا التصور لكيفية إصلاح السياسات والحكومات، واسع الانتشار بين صنّاع الرأي في بلادنا، حيث تسري مقولة تتحدث عن نقص في الأفكار السديدة والآراء الحكيمة ومنه يتسرب الفساد والإفساد إلى المجتمع والدولة والإدارات وإلى أخلاق العامة.

في الواقع أن الأمر غير ذلك. فلا تعاني المكتبة العربية من فراغ على الرفوف المخصصة للإصلاح الديني أو السياسي أو نقد الروايات التاريخية السائدة والمؤسسة لوعي إمبراطوري زائف ومضلل. لكن المشكلة تكمن في سمك الغبار الذي يغطي هذه الأعمال ويحول دون الاستفادة منها. يتزايد غبار الإهمال بفعل ضآلة الطلب على الإصلاح والتجديد والنقد.

تطلب الإصلاح مسألة تحددها حاجة المجتمع إليه وإلى تغيير آليات تسييره وحكمه وليس دعوات فوقية بغض النظر عمن يوجهها. والاعتقاد أن التجديد في الخطاب أو الفكر يجب أن يخدم حاجة سياسية آنية، لا يشير إلا إلى فهم ميكانيكي للعلاقة بين المجتمع ومحموله الثقافي. فليس من تجديد الخطاب الديني، على سبيل المثال، توفير الغطاء الفقهي لحرب الدولة على الإرهاب، ما دامت الدولة ترفض النظر إلى الأسباب العميقة التي انتجت ظاهرة الإرهاب وساهمت في انتشارها.

من جهة ثانية، ليس تفشي الفقر والحاجة بدافع كاف لإحياء الدعاوى اليسارية والعدالتية الأخرى ما دام أصحاب الحاجة الحقيقيون يبحثون عن خلاصهم الفردي والجماعي في غير أحزاب اليسار العربي التي فشلت على مدى أكثر من تسعين عاماً في تقديم بديل حقيقي ومقنع لإقامة العدالة الاجتماعية ومكافحة استغلال الإنسان للإنسان وكافة أشكال القهر.

لا يعني ذلك أن «الجماهير» مضللة أو مخدرة، بل يعني أن آليات التغيير التي يبحث عنها طالبو الحرية والعدالة والإصلاح لم تصل بعد إلى حالة من النضج تكفي لتحويلها برنامجاً سياسياً. وأن الإخفاقات التي أصابت الثورات العربية تتطلب مراجعة صريحة لم تكتمل بعد، لئلا تتكرر المآسي التي انتهت هذه الثورات إليها.

الحامل الاجتماعي للتغيير والتجديد والثورة، هو الغائب الدائم في دعاوى المفكرين والباحثين. الجموع المتضررة من أنماط السلطة السائدة هي التي تقرر شكل ومستوى ومضمون الحراك المقبل، في الشوارع والميادين وأعمال المؤلفين. المجال هنا لا يشبه برامج «ما يطلبه المستمعون».

الحياة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى