صفحات الثقافة

تحية إجلال لصديقي الشاعر حبيب بن أوس الطَّائي/صــلاح بوســريف

 

 

آسف صديقي الشاعر حبيب بن جاسم بن أوس الطَّائي المعروف بأبي تمام، لِما جرى لتمثالك بالموصل. فأنتَ أيها الصديق الشَّاعر، كُنْتَ من كبار الشُّعراء الذين نهضوا بالعربية، وبالخيال العربي.

كُنْتَ مُجَدِّداً في اللغة، ليس لأنَّك خلَقْتَ لغةً أخرى، بل لأنَّك فتحْتَ العربية على مجهولاتِ بَيانٍ لا أحد قبلك فعل ما فَعَلْتَه، بالبيان العربي، الذي نقلْتَه من لغة الإفهام والوضوح المباشِريْن، إلى لغة الشِّعر التي هي لغة خرجَتْ من قلب اللغة نفسها، وسَمَتْ بالكلام، إلى ما لم يكن لِلِّسان العربي عهداً به. ثمَّة من الشُّعراء العرب، من السَّابقين عليك من فتح طُرُقاً أخرى، غير الطريق الذي فَتَحْتَه أنتَ، مثل امريء القيس، الذي كان بادئاً، وفاتحاً، ومؤسِّساً لطريقة في الخطاب، لم نعرف قبلها طريقةً أخرى، كونه الشاعر الذي وَصَلَنا شعره بالصورة التي نعرفه عليها اليوم، لكنَّك، أيها الصديق الشاعر، كُنْتَ، في ما أقْدَمْتَ عليه، أكثر جرأةً من سابقيك، لأنَّك خَلْخَلْتَ العربية، ليس بالمعنى الذي يمكنه أن يجعلك جاهلاً بها، أو مُخَرِّباً لها، دون معرفةٍ بها. فأنتَ أحَيَيْتَ العربيةَ، ولم تُمِتْها، وأعَدْتَ لها دمَها الذي كانتْ فقدَتْه بحكم التكرار والاجترار والاستعادة. الذين حاكموك، في زمنك، وفي غير زمنك، اتَّهَمُوك بإفساد العربية، ولم يُدْرِكُوا أنَّ مُفْسِدَ الشيء، هو من يُبْقِيه على حاله، يُرَسِّخُه، كما لو أنَّه لا حياةَ فيه، ولا ماءَ يجري في عُشْبِه. فأنتَ شاعر مُجَدِّد، وشاعر عرفْتَ كيف تُعيد للزهرة حياتَها، بما وضَعْتَه فيها من ضوء وماء وهواء، وهذا كان هو ما أزعج السلفيين، الذين لا يقبلون الحركة والصيرورة والاستمرار، أو لا يستطيعون تغيير الثوابت والمُسَلَّمات التي تصبح عندهُم هي النظَّارة التي بها يرون، وبها يقرأون ويفهمون، وهي نظَّارة سوداء، مُعْتِمَة، قاتِمَة.

صديقي الشاعر، في ما كَتَبْتُه عنكَ في كتابي «نداء الشعر»، وفي قراءتي لديوانك الشعري، ولِما كُتِبَ عنك من دراسات، قديمة وحديثة، وَجَدْتُ نفسي، دائماً، أمام شاعر كان حريصاً على فتح تغرة في جدار سميك، هو جدار التقليد والتبعية، وعماء السير في طُرُق الآخرين، دون مُساءلتها، وفضح ما يمكن أن يكون فيها من هشاشةٍ وضَيْق وضُعْف. وبهذا المعنى، فأنت شاعر جدير بهذه الصفة التي يلبسها الجميع اليوم، حتى دون معرفةٍ بشعرك، ليس باعتباره ضرورة للِتَّعلُّم، بل لكونه اختراقاً عارفاً بأسرار اللغة، وبأسرار الشِّعر، وبأساليب الشُّعراء السابقين عليه. وهذا هو الفرقُ بين الشاعر المسكون بالشِّعر، و «الشاعر» الذي اسْتَكانَ الشِّعرُ في يده، لِما فيها من شَلَلٍ واختناق.

آسف صديقي، ليس لأنَّ «داعش» أسْقَطَتْ تمثالَك، فأنت أكبر من أن تكون حجراً واقفاً في الطريق، أو «وَثَناً» يعبده الناس، أنا آسف لأنَّ هذه الأمة التي خرجْتَ منها هي من تتهاوى وتسقط، لأنَّ الفكر الذي يخرج منها اليوم، هو فكر متحجِّر، أعمى، جاحد، كما جنى على الفكر والشِّعر والفن، جنى على الدين نفسه، بتحويله إلى ذريعةً للقتل والغزو والاغتيال.

قبلك في معرة النعمان بسوريا، جرى نفس الشيء مع المعري، ونفس الشيء جرى مع تماثيل لفنانين بمصر على عهد الإخوان، وسيجري هذا مع كثيرين مِنَّا غَداً، إذا لم نستدرك أعطابنا، ونُعيد للمدرسة دورَها في تثقيف الناس، وتنويرهم، والخروج بالإعلام من السطحية التي هو غارق فيها، وتحديث الخطاب الديني نفسه، بالخروج به من لغة الوعيد التي هي ترهيب أكثر منها حُجَّة وإقناع، وإعادة تأهيل الفقهاء، و «رجال الدين».

فداعش، صديقي الشاعر، هي فكر لا علاقةَ له لا بالدين، ولا بالإنسان نفسه، الذي هو عقل وفكر ووجدان. فالوحشية التي يتعامل بها هؤلاء، وغيرهم من السلفيات القاتلة، هي وحشية همجية تعود بنا لتاريخ سابق على العقل نفسه، وسابق على الإنسان نفسه، ولهذا فحين أقْدَمَتْ داعش على إسقاط تمثالك، فهي كانت تخاف الضوء المنبعث من رمزيته الشعرية والفكرية، وهو ما فَعَلَتْه مع ابن الأثير صاحب كتاب «الكامل» في التاريخ، الذي نبشتْ قبره، وأنا جازماً أقول إنهم لم يقرأوا جملةً واحدة من كتابه الذي هو بين ما نحتاج لقراءته في معرفة ماضينا، وفي معرفة ما يجري في حاضرنا من خلال هذا الماضي نفسه.

إنَّ الشِّعر تغيير، وإبداع، وتجديد، ولهذا فهو مُخيف، وسيظل بهذا المعنى، رغم ما يقوله اليوم عنه بعض الذي يحشرون أنوفهم في الشِّعر وفي الفكر وفي السرد، مُدَّعِين أنَّ الشِّعر بَارَ وزالَ، دون أن يُدْرِكُوا أنَّ الشِّعر يوجد خارج أيديهم التي لا ماء فيها، ولم يكن أبداً، ما داموا اكْتَفَوْا بالسلطة، التي أذْهَبَتْ عقولهم، ووضعتْ ما كتبوه وما قالوه على المحك.

أنتَ صديقي الطَّائي، حَيٍّ لم تَمُتْ، بفكرك، وشعرك، والنهر الذي فتحْتَ مجراه على سواقي الخيال والمعوفة، وهذا ما تخافه داعش، ويخافُه من يَسْتَبْطِنون فكر داعش في شيخوختهم التي جاءتْ إلى الدِّين كما لو أنَّها لم تعرفْه من قبل، سيبقى جارياً يَشُقُّ مجراه، ولا يمكن لأيٍّ كان أن يسبح فيه مرتين.

القدس العربي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى