صفحات الثقافة

ثمرات أيروتيكية

 

 

 

استحدثنا ركنا شهرياً جديداً سنخصصه لمنتخبات نثرية وشعرية من نشيد الجسد الذي جربه الشعراء، والشاعرات بدرجة أقل، في مديح اللذة ومتاهاتها الخطيرة، حيث التناول الفني وحده ينْقذ الأيروتيكا من الپورنوغرافيا. سيقدم الركن نصوصاً من كل التراث الأدبي العالمي ومن المشهد المعاصر أيضاً، في شكل نص متوسط الطول أو شذرات، في لغتها العربية الأصلية أو منقولة إليها.

ترجمة وتحشية رشيد وحتي

شارل بودلير: نصف كرة في ضفيرة

دعيني أتنفّس طويلاً طويلاً عبق شعرك، أغمر فيه وجهي بكامله، كرجل ارتوى من عين ماء، أحرّكه بيدي كمنديل عطر، كي أزحزح ذكريات في الهواء. لو تستطيعين معرفة كل ما أراه! كل ما أحسّ به! كلّ ما أسمعه في شعرك! روحي تسافر عبر العطر كما روح الرجال الآخرين عبر الموسيقى.

 

شعرك يحتوي حلماً بكامله، مفعماً بالأشرعة والصّواري؛ يحتوي بحاراً شاسعة تحملها رياحها الموسميّة نحو مناخات ساحرة حيث الفضاء أكثر زرقة وأكثر عمقاً، حيث الجوّ معطّر بالفواكه، بالأوراق وبإهاب البشر. في أوقيانوس ضفيرتك، ألمح ميناء يزدحم بأنشاد سوداويّة، برجال أشدّاء من كلّ الأقوام وبسفن من كلّ الأشكال تجزّئ معماراتها الدّقيقة والمعقّدة على سماء فسيحة حيث تزهو الحرارة الأبديّة.

 

في مداعبات جديلتك، أعود لارتخاءات الساعات الطويلة المقضّاة فوق أريكة، في غرفة سفينة بديعة، لارتخاءات يهدهدها الترنّح اللاّ محسوس للميناء، بين أصيص الزهور وأباريق الفخّار المرطّبة. في البؤرة المضطرمة لضفيرتك، أتنفّس عبق التّبغ ممزوجاً بالأفيون والسكّر، وفي ليل ضفيرتك أرى لا منتهى اللاّزورد الاستوائي يلمع، على الشطآن المخمليّة لضفيرتك، أنتشي بالروائح المختلطة من قار، ومسك وزيت جوز هندي. دعيني أقرض طويلاً جدائلك الثقيلة والسوداء. أعضعض شعرك المطاّط والحرون كأني ألتهم ذكريات.

بودلير، شاعر حداثي بامتياز، هذا إن لم يكن أب الحداثة الأوروبيّة بلا جدال. بديوانه الأوّل «أزهار الشر» (1857)، يكون قد أسّس لثورة كوبيرنيكية في الشعر بتأسيسه لما أسمي فيما بعد بجماليّة البشاعة. فالموضوعة الأثيرة لهذه المجموعة هي وصف الجثث والمجتمعات السفليّة والشوارع الخلفيّة لباريس، في قصائد وجيزة الطوّل، إذ أنّ بودلير، أسوة بإدغـار ألان پوّ الذي ترجمه وتأثّر بنظرياته في الكتابة، لم يكن يؤمن بشعر يستند للحكي من أجل الحكي، فالطاغي عنده وصف أو سرد مكثّف في لغة إيحائيّة شفيفة. ربط بودلير بشكل تلازميّ الحداثة بتوسّع المدن في القرن 19. ولمواكبة هذا التحوّل الجديد في العالم المرجعيّ، كان لا بدّ من خلق شكل شعْري جديد، فالواقع المحدث لا يستوطن إلاّ شكلاً محدثاً: قصيدة النّثر. هذا الشكل الذي كرّس له ديوانه الثاني والأخير، الذي بقي مشروعاً وجمع بعد وفاته «سأم باريس: قصائد نثر صغيرة» (1862)، وقد اجتزءنا منه النصّ أعلاه.

 

يوجِينْيو دِي أَندرَادِي: ثلاث قصائد

 

 

فتيّة هي اليد فوق الورقة أو فوق الأرض! فتيّة ومتمهّلة: حينما تكتب وعندما، تحت الشّمس، تستحيل مداعبة.

 

■ ■ ■

مثل هذه النّظرة التي تغطس اليد، الأشياء التي تصنع بهجتنا لألأة تحت شمس جسدها غضّ دوماً.

 

■ ■ ■

الأصابع تلْهو بضوء آذار — لا سطوة للموت على الجسد عندما نحضن الشّمس نائمة بين ذرعانيْنا.

 

يعتبر يوجينيو دِي أَندرادي، رفقة فرناندو بيسوا، أهم صوتين في المشهد الشعري البرتغالي الحديث، مع توفق خاص لأندرادي، وطنياً وعالمياً، بلغة حِسِّيَّة وموضوعات تتمحور في غالبيتها حول نشيد الجسد. القصيدتان مجتزأتان من ديوانه «ثِقْلُ الظِّلّ» [1982].

 

هربرت زبكنييف: أُذن ورديّة

 

كنْت أفكّر، أعْرفها جيداً مع ذلك: لسنوات عديدة نعيش معاً. أعرف رأْس الطّيْر، الْكتفيْن الْأبْلقين والبطن.

وذات مرّة، مساء شتاء، جلست قربي؛ وعلى ضوء قنديل، آتياً من خلف، رأيت أذناً ورديّة، بتلة من إهاب في غاية الغرابة، محّارة تنضح بالدّماء في داخلها، لم أنْبسْ ساعتها ببنْت شفة — سيكون من الْجيّد كتابة قصيدة عن الأذن الورديّة، لكن لا لكي يقولوا: ما هذا الموضوع الشّعريّ، يريد أن يبدو أصيلاً؟ فلا يتبسّمْن أحد، وليعلموا أنّي هنا أفْشي سراً.

 

 

لم أنبس ساعتها ببنت شفة، لكن ليلاً، عندما كنّا مضطجعين معاً، تلّذّذت برقّة الْمذاق المستجلب للأذن الورديّة.

 

هربرت زبكنييف [1924-1998]: من أهم الأسماء في المشهد الشعري الپولوني الحديث. إلى جانب الشعر، مارَس النقد الفني. ذو نظرة ثاقبة للحديقة المحرَّمة في الثقافة الأوروپية، مع لمسة ساخرة لموضوعاته، التي يطغى عليها وصف سقْط المتاع اليومي والأيروتيكا. القصيدة مجتزأة من ديوانه «حَبْلٌ من ضَوْءٍ» [1956].

 

مارسيل بيالي: أسطورة

 

صار عاشقان شجرتَين، إذ أدارا ظهريهما للزمان. نَمت أرجلهما في الأرض. صارت أذرعهما أغصاناً. كلّ هذه البـزرات التتطاير، إنْ هي إلاّ أفكارهما متشابكة. لا المطر ولا الريح ولا الجليد يستطيع فصلهما. لا يشكّلان إلاّ جذعاً واحداً، صلباً ومعرّقاً كالرّخام. وعلى فاهيهما منطبقيْن بنى له زهر العسل عشاً.

 

عاش الكاتب الفرنسي مارسيل بيالي [1908-1993] على هامش كل التيارات والمدارس الأدبية، لكنَّ لشعره نفحةً سريالية جعلته مُقَرَّباً من الحركة السريالية وشعراء على هامشها مثل ماكس جاكوب وجون فولان. القصيدة مجتزأة من ديوانه «الحبّ يواريني» [1962].

 

كلمات

العدد ٣٢٩٨ السبت ١٤ تشرين الأول ٢٠١٧

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى