صفحات المستقبل

جردة “فايسبوك” السنوية.. شبه مستحيلة/ روجيه عوطة

 

 

يصعب علينا أن نُمسك بزمن “فايسبوك” كرونولوجياً. صحيح أنه يثبت بروفايلاتنا بحسب الروزنامة العامة، بسنواتها وأشهرها وأيامها وساعاتها، لكن حركته تعارض هذا التثبيت، وتغلب سؤال الـ”كم” على الـ”متى”. فالزمن يتألف داخله بحسب الـ”بوستات”، جُملاً وصوراً وفيديوات، التي تُنشر على مداره من دون أن تشي بوقتها سوى كإشارة ترقيمية تحتها.

فإذا كان “كتاب الوجه” مقسماً بين سابق وآني ولاحق، فالتنقل بين هذه الأجزاء يسير، ومن الممكن التحكم بها بالإسترجاع والمحو، بالإضافة إلى التحيين والإخفاء. واليُسر هذا يجعل الزمن الأزرق مفتوحاً أمام المستخدم، الذي يقدر على خلط أوقاته، الماضية والحاضرة والمقبلة، بلا أن تستوي على معانيها المعروفة، ذاك أنها معطوفة على فعل النشر والإستجابة له إعجاباً وتعليقاً.

على هذا النحو، يصبح جرد الوقائع التي شهدها الفضاء الفايسبوكي في العام 2014 إشكالياً، لا سيما حين يؤخذ زمنه الداخلي بعين الإعتبار، بمعنى أن التحدث عن سنة زرقاء فائتة يشترط ربطها بمعايير الإحصاء أو التسجيل الكرونولوجي. فزمن المستخدم مختلف عن زمن المرء خارج “فايسبوك”. الأول، يحركه التواصل، بوصفه علامة على الحضور الإفتراضي. والثاني، محركاته كثيرة، تتعلق بأفعال العيش اليومي وغيرها.

والحق، أن الواقعة الأساس في الفضاء الأزرق هي التفاعل، التي لا توفر أي خبر أو حادثة أو معلومة سوى وتتمكن منها، لتشكل زمناً بذاتها. وهكذا، لا يعود الزمن في “كتاب الوجه” خطاً يقطعه حدث ما، بل حشد أحداث تنتج زمنها المتقطع والزائل.

وقبل ذلك، من الضروري الإشارة إلى أن الجردة الفايسبوكية ترتبط مباشرةً بالـ”بروفايل” الشخصي، الذي تنطلق منه. فنافل القول أنها منظور ذاتي للغاية، لا يمكن الإرتكاز عليه لتحديد الوقائع أو إحصائها على أساس عام. مع العلم أن الجردة قد تحمل عموميةً ما في حال عطف الموقع الأزرق على بلد أو مهنة أو إهتمام، كالكلام عما حصل العام 2014 في “فايسبوك” اللبناني، أو “فايسبوك” الفوتوغرافي…

بيد أن الجرد هنا يتعلق بالمستخدم و”أصدقائه”، الذين قد يتناولون مسائل أو قضايا في “بوستاتهم”، وقد لا يكترثون بأخرى. وفي الحالتين، لا بد أن تتطرق الجردة للمذكور في المنشورات ولغير المذكور فيها على حد سواء.

على أن الجرد في “فايسبوك” يفقد من وطأته، ليس لأن الزمن الأزرق مغاير للتسجيل الكرونولوجي فحسب، بل لأن إحصاء الوقائع لا أثر لها في غيرها، الذي سيحل في المقبل من الـ”بوستات”. فالغاية من الجردة، على سبيل المثال لا الحصر، هو إحصاء الجدوى، والإنتباه إلى أحيان إخفاقها، من أجل تدارك أسبابها وعواملها لاحقاً، أو أنه الوقوف على أهم الوقائع وكيفية انتشارها.

لكن، بالنسبة إلى “كتاب الوجوه”، جدوى المنشورات، التي تشكل الوقائع بذاتها، هي نفسها، خصوصاً أنها تبغي فعلاً بعينه، أي التواصل الإفتراضي. وحين تُعطف الجدوى هذه على الزمن الأزرق الزائل، والمتجدد بزواله، يبدو الجرد كأنه سباق لتسجيل حدث واحد، يمكن تصنيفه استناداً إلى انتمائه إلى السابق أو الحاضر، إلا أنه لا يقع فيهما، ذاك، لأن وقوعه دائم، كأنه لا يقع البتة.

“الدولة الإسلامية تجتاز الحدود بين سوريا والعراق”، “وفاة الشاعر سعيد عقل”، من الممكن لهذه الأخبار أن تُنشر في كل حين على جدار أحدهم، كأنها حصلت للتو حتى بعد حصولها الفعلي. هذه اللخبطة الزمنية، التي يتيحها “كتاب الوجوه”، تدخل الإضطراب في الكرونولوجيا العامة، لكن من دون أن يكون ذلك مقصدها، بل أن النشر، وحصد التفاعل معه، هو هدفها، كما أنه محركها.

لنتخيل أن أحدهم أعلن على جداره الآن، وقبل انتهاء العام، أن “الفنان وديع الصافي رحل”، وأعجب عدد من “أصدقائه” بـ”بوسته”، وعلقوا بالرحمة عليه. سيستحيل موت المطرب، بذلك، واقعة حاضرة، على الرغم من حدوثها في الماضي، قبل فترة شهور. لكن، لا مناص من إحصائها، من تسجيلها، عند جرد “فايسبوك” خلال العام 2014.

فالزمن الأزرق واسع، يبتلع ويعيد ويستعيد الوقائع على سبيل آني، لدرجة أنه لا يمكن إرجاعها إلى روزنامة مستقرة، إذ أنها كلها تنتمي إلى الحالي ولا تنتمي إليه في الوقت نفسه. ما هو الجرد الأزرق سوى محاولة القبض على حادثة وقعت، وتقع، وستقع باستمرار، ولتبلغ هذه الأفعال، عليها أن تزول على الجدران؟ لنجرد “فايسبوك”، علينا أن نُجَرِّدَه من زمنه، أو نتجرد من كرونولوجيتنا، ونبحث عن روزنامة مختلفة.

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى