صفحات الحوار

جورج صبرا: التغيير في سوريا حتميّ


 القيادي في حزب «الشعب الديموقراطي» السوري جورج صبرا غادر سوريا قبل أيّام متسلّلاً عبر الحدود الأردنيّة بعد نحو عشرة أشهر قضاها، إمّا معتقلاً او مُختبئاً، بسبب نشاطه السياسيّ و»الثوري» الداعي إلى إسقاط النظام.

صبرا روى لـملحق «حدث الجمهورية» مشاهداته للداخل السوري، مؤكّداً «أنّ المعارضة موحّدة في الداخل والخارج»، وإذ شدّد على «أنّ الثورة كانت وستبقى سلميّة»، أشار إلى «أنّ سلاح الجيش السوري الحرّ يُستخدم للدفاع فقط. وهنا وقائع الحوار:

السبت 28 كانون ثاني 2012

• لقد غادرتَ سوريا قبل أيّام، وقد تمّ اعتقالك قبل أشهر، ولكنّ ذلك لم يثنيك عن الاستمرار في الحَضّ على الثورة وتغيير النظام، بدايةً كيف استطعتَ الخروج من سوريا؟ وهل تمّ ذلك بعيداً عن عيون السلطات؟

ـ خرجت من سوريا سيراً عبر الحدود السورية ـ الأردنية، لأنّني لا أملك وثائق سفر رسمية. فأنا ممنوع من مغادرة البلاد منذ عام 1979. تمّ ذلك عقب عودتي من الولايات المتحدة الأميركية، حيث كنت في منحة دراسية في جامعة انديانا لمصلحة وزارة التربية. وفور عودتي رفضَت السلطات طلبي تجديد جواز السفر. ومنذ ذلك الوقت لم أتمكّن من السفر خارج سوريا حتى إلى لبنان. ومن الطبيعي أن تتمّ مغادرتي بعيداً عن عيون السلطات.

• ما هي الأسباب التي دفعتك لمغادرة سوريا الى باريس؟

ـ خلال الأشهر السبعة الأولى من عمر الثورة اعتُقِلتُ مرّتين. الأولى لمدّة شهر من 10 / 4 إلى 10 / 5 / 2011، أمضيتها في سجن عدرا المدني. والثانية لمدة شهرين من 19 / 7 / إلى 19 / 9 / 2011، أمضيتها في أقبية الأمن العسكري في دمشق. وبعد خروجي من السجن، بدأت تحوم حول نشطاء المعارضة معالم أخطار تتجاوز الاعتقال والسجن، وخصوصاً بعد اغتيال المعارض مشعل تمّو. ممّا دفع كثيرا من المعارضين ـ وكنت بينهم ـ الى التواري عن الأنظار والعودة إلى العمل السرّي مجدّداً. في هذه الأثناء برزت حاجة لخروج بعض المعارضين من الداخل لرَفد عمل المجلس الوطني في الخارج، وقد وقع الاختيار عليّ للسفر إلى فرنسا لمباشرة مهمّة سياسية جديدة في إطار المجلس الوطني السوري. كان القرار مشتركاً بين قيادة المجلس وقيادة الحزب الذي أنتمي إليه “حزب الشعب الديموقراطي السوري” والأمانة العامّة لـ”إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي”، وهو الائتلاف السياسي الذي نشترك عبره في المجلس الوطني.

 مطارح خطرة

• كيف تصف الوضع داخل سوريا وأنت شاركت في الثورة منذ بدايتها، ما هو وضع الأهالي والحال الأمنية والاقتصادية والاجتماعية ؟

ـ بعد عشرة أشهر من عمر الثورة، تجري في سوريا عملية استقطاب حادّة بين قوى الاستبداد والقمع من جهة وقوى الثورة والديموقراطية من جهة أخرى. يترافق ذلك مع حالة فرز بين الفريقين على مختلف المستويات في كلّ من الدولة والمجتمع. طالت هذه الحالة مختلف الطبقات الاجتماعية والفئات السكّانية والتيّارات الفكرية والثقافية والسياسية. ومن الواضح للجميع تصميم ثورة الحرّية والكرامة القاطع على بلوغ الأهداف في إسقاط النظام وإقامة النظام الوطني الديموقراطي البديل، وتقدّم البراهين الساطعة على استعدادها لتقديم أثمان النصر، وهي أثمان باهظة. وفي الوقت نفسه، يبدو النظام في أشدّ حالاته ارتباكاً وتوحُّشاً وتكالُباً على السلطة، مهما كلّف البلاد والعباد من آلام ومرارة، وبروح متحلّلة من المسؤولية الوطنية والإنسانية يجرّ سوريا إلى مطارح خطرة، تعرّض السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية للخطر. ونتيجة للعنف الأعمى المنفلت من أيّ عقلانية أو قيد، والذي واجه به النظام الشعب منذ الأيّام الأولى للثورة، أصِيب عدد من المناطق والمحافظات بكوارث اقتصادية واجتماعية وحياتية، بحيث أصبحت مناطق منكوبة، ليس بسبب أعمال القتل والتنكيل والتدمير الممنهج لإرادة الناس وبيوتهم وممتلكاتهم فحسب، إنّما نتيجة لحالة الحصار المتنوّع الأشكال وأعمال الانتقام البربري من الشباب الثائر وأسرِهم وأقاربَهم. ناهيك عن أعمال الاضطهاد والتعذيب التي يتعرّض لها يوميّاً آلاف المواطنين السوريّين من مختلف الأعمار ومختلف المناطق الثائرة، التي أورثت آلاف المنشقّين عن الجيش والفارّين من ملاحقة أجهزة الأمن، ويعيشون في العراء في أوضاع صعبة وبالغة القسوة. وأخيراً جاءت الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تخيّم على البلاد بعد تنفيذ العقوبات العربية والدولية، وانهيار القيمة الفعليّة للّيرة السورية، وتفاقم مشاكل الاقتصاد السوري، والتي هي سيّئة في الأصل. في اختصار، الموت وحده هو المزدهر في جمهورية بشّار الأسد. موت بالرصاص وموت من القهر وموت من الجوع . كانت سوريا في ظلّ الأسد الأب مملكة للخوف، وهي اليوم على يد الإبن مملكة للموت.

 فكرة فاسدة وملغومة

• ما هو وضع معارضة الداخل؟ هل هناك تنسيق بين أطيافها أم هي مشتّتة؟

ـ هناك معارضة في سوريا. والحديث عن معارضة الداخل ومعارضة الخارج فكرة فاسدة وملغومة. فليس المجلس الوطني معارضة خارج وليس الآخرون معارضة داخل. جميع أطراف المعارضة لهم هيئات ومؤسّسات في الداخل وأخرى في الخارج. والمجلس الوطني بالذات يستند إلى قواه الداخلية الممثلة بإعلان دمشق وقوى الحراك الثوري الميداني من لجان التنسيق المحلّية والمنظمات الأخرى على الأرض. وهي تشكّل العمود الفقري للنشاط الثوري على الأرض والتي رفعت شعار “المجلس الوطني يمثّلنا” في مختلف المناطق السورية وفي قلب التظاهرات السلميّة. وما بينها أكثر بكثير من التنسيق. ما بينها ائتلاف وعمل مشترك وحركة موحّدة في اتّجاه استمرار الثورة وإسقاط النظام.

أمّا المعارضة الأخرى المنتمية الى “هيئة التنسيق” فتعمل وحيدة في إطارها الخاص. ولم تنجح الحوارات والمبادرات الكثيرة التي جرت لإقامة حالة من التنسيق والتعاون بين المجلس والهيئة.

 هوّة وترَف في التباطؤ

• كيف تنظر “معارضة الداخل” إلى المجلس الوطني السوري برئاسة برهان غليون؟ وهل هناك هوّة بين الداخل والخارج ؟

ـ تأسيساً على جواب السؤال السابق، فإنّ المجلس الوطني برئاسة الدكتور برهان غليون هو معارضة في الداخل بمقدار ما هو معارضة في الخارج. وكثير من أعضاء المجلس الوطني يعملون بين المتظاهرين في شوارع المدن السوريّة، وبينهم أعضاء في الهيئات القيادية للمجلس. وإذا كان الغرض معرفة العلاقة بين الداخل والخارج في إطار المجلس، فيمكن القول إنّ الترابط على المستوى السياسي قائم في شكل طيّب ومتين. أمّا في شأن المستويات الأخرى، فملاحظات الداخل على مجلسه الوطني كبيرة وجادّة وتتمتّع بالصدق والموضوعية. فأداء عدد من مؤسّسات المجلس وإيقاع تحرّكاته لا يستجيب لحاجة الثوّار في الداخل، ولا يلبّي التكافؤ المطلوب مع الثقة وحقّ التمثيل الذي ناله المجلس في الخارج من قواه في الداخل. بهذا المعنى نعم هناك هوّة نعم، وعلى المجلس معالجة هذا الأمر على النحو المطلوب والسرعة الممكنة. والوضع داخل البلاد لا يسمح بترَف التباطؤ أو هدر الوقت والطاقة. فمعركة الحرّية لدى السوريّين مفتوحة على شلّالات يوميّة من الدم.

 رأس جبل الجليد

• كنتم تتابعون التغطيات الإعلاميّة للثورة السوريّة وهي تأخذ حيّزاً كبيراً في الفضائيّات العربية، هل تعكس حقيقة ما يجري؟ أم أنّ هناك جوانب مخفيّة لا تظهر في الإعلام؟

ـ لا بدّ من الاعتراف بالدور الخطير والحسّاس الذي تلعبه وسائل الإعلام الحرّة التي تدعم الثورة. وهو دور مشكور لدى الثوّار والشعب السوري عموماً. حتى إنّ البعض يضع هذا الإعلام كأحد عناصر الثورة وأسلحتها الفائقة الجودة والعظيمة الدور. ولولاها لما تمكّنت الثورة من تقديم نفسها للسوريّين وللعرب وللعالم أجمع. ولما استطاعت نقل ما يجري من فظاعات النظام بالصوت والصورة والكلمة المسؤولة إلى كلّ أنحاء المعمورة. من هنا يمكن فهم إصرار النظام وتصميمه على منع الدخول الشرعي والطبيعي لوسائل الإعلام الحرّة هذه من أجل أن تبقى الحقيقة غائبة أو مزيّفة. لكنّ السوريّين يعرفون جيّداً أنّ ما تمّ نقله عبر الشاشات والميكروفونات وصفحات الجرائد والمجلّات، ليس أكثر من نماذج فقط ممّا يحصل فعلاً على الأرض السوريّة. فأمثلة كثيرة للعظمة والنبالة والشجاعة الفائقة لقوى الثورة لا زالت خبيئة الصدور والألسنة الدافئة، ونماذج كثيرة أيضاً من القسوة والبربرية لقوى القهر لا زالت تسكن الذاكرة وتطلّ من العيون المشدوهة. ما شاهده العالم حتى اليوم ما هو إلّا رأس جبل الجليد. أمّا حجم المصيبة السوريّة بنظامها الدموي القاتل فسيكون مُرعباً عندما يظهر كاملاً.

 بروتوكول قاصر وعاجز

• كيف تلقّيت تقرير المراقبين العرب؟ وما هي العوامل التي أدّت برأيكم لصدور تقرير كهذا؟

ـ شيء يدعو إلى الأسف، أن يأتي التقرير حاملاً العصا من منتصفها. ويبدو أنّ رئيس المراقبين كان بالفعل مراقب “ماشافش حاجة”. فإذا كانت الصورة واضحة في أقاصي الأرض، فكيف لمن عايَن شوارع درعا وحمص وحماة وإدلب ودير الزور وبقيّة المواقع أن يرى الصورة مشوّشة بهذا المقدار؟ لكنّ التقرير الحقيقي قدّمه المراقب الشجاع صاحب الضمير الحيّ أنور مالك، الذي أنصف الشعب السوري ومهمّةَ المراقبين وأنصف نفسه. نعتقد أنّ التدخّلات السياسية لبعض الدول خلف بعض مراقبيها أنتجت تقريراً يحتاج للجنة جديدة للتثبُّت من صدقيته. إضافة إلى ما يمكن أن يتركه رئيس البعثة من ظلال على مهمّة له رأي خاص فيها. وعلى رغم الاحترام الكبير لجهود الجامعة العربية والدول العربية فرادى ومجتمعين، إلّا أنّ البروتوكول وطريقة تنفيذه كان قاصراً منذ البداية، وجاء عاجزاً في النهاية.

مَن له أذنان فليسمع

• كيف تقيّم مقرّرات وزراء الخارجيّة العرب الأخيرة؟ هل نزعت الشرعيّة العربية عن الرئيس بشّار الأسد نهائيّاً؟ وهل تعتبر أنّ هناك أيّ إمكانيّة لتنفيذ بنودها؟

ـ تتمتّع المبادرة العربية الصادرة في 22 / 1 / 2012 بعناصر إيجابيّة أهمّها: إعتراف العرب للمرّة الأولى بأنّ أيّ خطة عملية لمعالجة الوضع السوري تفترض حتماً رحيل رأس النظام، وإجراء تغييرات جوهرية قبل المباشرة بها. والقرار السعودي والخليجي تالياً بسحب مراقبي تلك الدول من سوريا، يشير إلى إدانة واضحة للنظام وتحمّله المسؤولية عمّا يجري، ويقول إنّ الحقيقة بانت وجاء وقت المواقف الحاسمة والقرارات المسؤولة. وكذلك دفع المبادرة إلى مجلس الأمن الدولي لتأمين قوّة دفع لها وآليّات عملية محدّدة لتنفيذها، يشكّل نقلة نوعيّة في الجهود العربية مطلوبة سوريّاً ولقيت الترحيب دوليّاً.

بالتأكيد إنّ المبادرة بطلبها تسليم الرئيس صلاحيّاته لنائبه، تقول من دون أن تصرّح بأنّ شرعيته انتهت ولم يعد مؤهّلاً للتعامل معه كجزء من الحلّ لأنّه أساساً جزء من المشكلة، وليس مقبولاً للمشاركة في بناء سوريا الجديدة. الأمر يتعلّق الآن بمجلس الأمن والمجتمع الدولي وقدرتهما على تجاوز عقبة الفيتو الروسي. لم تنتهِ المسؤولية العربية، ولم تبدأ مسؤولية المجتمع الدولي بعد. والسوريّون وحدهم يمارسون مسؤوليّاتهم على أعلى مستوى، ويقولون للعالم أجمع إنّ النظام راحل لا محالة، ولن يقبل الشعب السوري بأقلّ من النصر الواضح، فمَن له أذنان للسمع فليسمع.

 الشرع والنهاية البائسة

• هل كان هناك تواصل مع شخصيّات سياسية من داخل النظام؟ وهل تعتبرون أنّ نائب الرئيس السوري فاروق الشرع يشكّل حلّاً توافقيّاً ومرحليّاً لإنهاء الأزمة؟

ـ التواصل قائم مع المستويات الوسطى والبينيّة. أمّا المستويات العليا في النظام فهي تشكّل عصبة مربوطة إلى النظام بوشائج القربى والمصلحة والخوف بعد ارتكابات عمرها عقود من الزمن، ولا يمكن لها أن تحصل على سوية مقبولة من الثقة من فئات الشعب المختلفة. والأرجح أنّها الآن في وارد البحث عن النجاة الشخصيّة. ليس لنائب الرئيس السوري أيّ حضور ذي معنى في النظام ومؤسّساته السلطوية، ولا يشكّل شيئاً يمكن الركون إليه في أيّ حلّ. ظهر ذلك جليّاً في مهمّة “الحوار الوطني” التي أوكلت إليه ووصلت إلى نهاية بائسة، كأنّها لم تكن. لأنّ النُخب الثقافية والسياسية المعارضة لم تلبِّ الدعوة نتيجةً لانعدام الثقة وفقدان الاعتقاد بالجدوى.

المعلّم والحلّ الأمني

• وزير الخارجيّة وليد المعلّم أكّد أنّ الحلّ الأمني هو مطلب مُلحّ، فهل تعتبر أنّ النظام قادر على الحسم الأمني؟ وبأيّ كلفة؟

ـ ما يقدر عليه النظام شيء واحد هو الولوغ أكثر فأكثر في دم الشعب، وتحميل سوريا والسوريّين أثماناً باهظة بلا طائل. أمّا الحسم فهو من نصيب الشعب وثورته، وتباشيره بادية في الأفق. السوريّون لا يلتفتون إلى الوراء ولن يقبلوا بأقلّ من اقتلاع النظام. وإذا كان الحلّ الأمني يعتمده اليوم وليد المعلّم، فما الذي كان يفعله خلال عشرة أشهر مضت؟ وهل سبعة آلاف شهيد ومثلهم من المفقودين وعشرات الآلاف من الجرحى ومثلهم من المعتقلين ومثلهم من المهجّرين من نتاج حلوله السياسيّة؟ الكلفة حتى اليوم باهظة، وستكون أثقل كلّما مرّ يوم من أيّام محنة الشعب السوري مع النظام القاتل الذي يتحمّل وحده  المسؤولية الكاملة عمّا يترتّب على حلوله الأمنية من أخطار على سوريا الوطن والشعب.

مجازر انتقاميّة؟

• كونكم من ضواحي دمشق، توالت تقارير صحافيّة في الأيّام المنصرمة عن خروج مناطق واسعة من ريف دمشق، كالزبداني ومضايا ودوما عن سيطرة النظام، هل هذا صحيح؟ وإلى ماذا قد تؤشّر سيطرة الثوّار على مناطق متاخمة للعاصمة؟

ـ نعم حدث ذلك تحت سمع العالم وبصره. فقد نجح الجيش الحرّ في حماية نفسه وتوفير الحماية للتظاهرات السلمية، وأخيراً يحرز نجاحات بارزة في حماية مناطق وجوده من الاختراق. ومنها ما حصل في غير منطقة من ريف دمشق. يؤشر ذلك إلى ضعف الروح المعنوية للقوّات التي يزجّها النظام في مواجهة الشعب، واستمرار الانشقاقات عن هذه القوّات ممّا أدّى إلى ضعفها. بينما تزداد قوّة الجيش الحرّ عسكريّاً ولوجستيّاً ومعنويّاً. لكنّ القرب من العاصمة يضفي على الواقعة خطورة خاصة بالنسبة للنظام، قد تدفعه الى ارتكاب مجازر انتقاميّة كبيرة بحقّ هذه المناطق.

 سلميّة وتبقى سلميّة

• هل برأيكم تمّت عسكَرة “الثورة السورية” وأنّ البلاد دخلت، أو أنّها في طور الانزلاق إلى نزاع مسلّح قد يأخذ أبعاداً مذهبيّة بَغيضة؟

ـ أبداً ، الثورة سلميّة وتبقى سلميّة. والتظاهرات السلميّة لم تتوقّف يوماً واحداً منذ أشهر عدّة. وسلاح الجيش الحرّ يستخدم للدفاع فقط، وهو حقّ مشروع لا يستطيع أحد أن يجادل فيه. والسلاح بيَد الثورة لم يكن خياراً، بل جاء نتيجة وصول أعمال التنكيل والقتل والعنف إلى أمداء غير مسبوقة، مثلما جاء بسبب وضع الجيش في غير موضعه الصحيح، وبالتالي فالنظام مسؤول عن ذلك.

عشرة أشهر سوريّة دامية أثبتت أنّ السوريّين أبعد ما يكونون عن الطائفية والمذهبية البغيضة. وهم يضعون في الاعتبار نتائج الحروب الأهليّة والطائفية في كلّ من لبنان والعراق، ويأخذون العبر. لن تحصل حرب أهليّة في سوريا لأنّ السوريّين لا يريدون ذلك على الرغم من أنّ جهود النظام ومساعيه تبدو محمومة للإيقاع بين السوريّين وتحويل النزاع من نزاع مع النظام إلى نزاع بين فئات المجتمع. وهذا أمله الوحيد في تشويه سمعة الثورة وكبح جماحها على طريق الانتصار. على السوريّين أن يحموا ثورتهم ويحولوا دونه ودون تحقيق أهدافه.

اليأس والتواكل

• هل تعتبر أنّ التوجّه العربي إلى الأمم المتّحدة ومجلس الأمن قد يأتي بجديد؟

ـ يبدو مجلس الأمن مغلقاً بالفيتو الروسي، وبالتالي تبدو العطالة ظاهرة في قدرة المجتمع الدولي على الفعل. لكنّنا لا ننظر إلى هذا الواقع من خلال افتراض ثباته. فمهمّة السياسة أن لا تقف أمام الأبواب الموصدة بيأس وتواكل. لا بدّ من المحاولة وإجراء اختراق ما. وعلى المعارضة السوريّة والجامعة العربية والمجتمع الدولي أن يبذلوا جهوداً لتحريك المواقع والمواقف. فحرّية سوريا وكرامة شعبها يستحقّان ذلك.

 الموقف التركي

• كيف تابعت المعارضة في الداخل الموقف التركي؟ وإلى ماذا تعيد التقلّب في هذا الموقف أو بالأحرى التصعيد الكلامي من دون أيّ تنفيذ على الأرض؟

ـ تقدّم تركيا رعاية للمهجّرين السوريّين على أراضيها وتقدّم في هذا السبيل جهوداً مشكورة، مثلما تقدّم تسهيلات للمعارضة ومواقف دعم سياسيّ للشعب السوري وثورته تستحقّ الشكر. ونعتقد أنّ تركيا بلد مهمّ في المنطقة، وتمارس دورها بمسؤوليّة وفق منظومة المصالح والعلاقات التي ترتبط بها. ومن الواضح أنّها تعمل بالترابط والتنسيق مع الدوائر الأوروبّية والدولية بسبب ارتباطاتها الاستراتيجية السياسية والعسكرية.

 نعم أنا حَي

• بعد خروجك من الأراضي السوريّة بلحظات بماذا شعرت؟

ـ عندما سقطتُ على الأرض مُلقياً نفسي بسرعة وبلا حذر في حفرة تقيني من رصاص جنود بلادي الذي يمكن أن ينهمر في أيّ لحظة، لم أسمع كلمات الجنديّ الأردني التي قالها ترحيباً بي. كنت أفكّر بذلك الرجل الذي أمضى أربعة عقود باحثاً عن الحرّية، وصارفاً جهده في تربية أطفال سوريا والكتابة لهم. وطوال هذه المدّة استمرّ يحلم بحكم رشيد وحاكم شرعيّ وقانون عادل. ها هو يعبر حدود بلاده سيراً حاملاً خوفه، يعبرها بعد ثلاثة وثلاثين عاماً من المنع مثل المهرّبين. شكراً للجندي الأردني الذي سمح لي أن أقول لأولادي الذين كانوا على الخطّ: “نعم أنا حَي”.

• هل تعتبر أنّ إحداث التغيير في سوريا أمر محتمَل؟ ومتى وبأيّ كلفة؟

ـ هو ليس من قبيل الاحتمال أبداً. إنّه في حكم المؤكّد. قالت لي هذه الحقيقة عيون الثوّار والمتظاهرين في السجون، وصدحت بها حناجرهم وهم يتلقّون الرصاص بصدورهم العارية. ومن قبل قالها التاريخ لنا جميعاً: “إنّ الحرّية لا تنام، وإن فعلت يكون ثمن إيقاظها غالياً”.

صحيفة “الجمهورية” اللبنانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى