صفحات الثقافة

حين يصبح مستقبل دريد لحام وراءه

 

راشد عيسى

 تبدو حادثة القلمون، حيث طُرد الفنان السوري دريد لحام وفريقه، ومُنعوا من متابعة تصوير مسلسلهم هناك، وكأنها التطبيق العملي لما سمي بـ”قوائم العار”. تلك القوائم التي جرى فرزها مع بدايات الثورة السورية، وضمت عدداً من الفنانين السوريين، ربما آن الأوان لوضعها موضع التنفيذ.

ومع أن الحادثة في تلك البلدة الشمالية اللبنانية لم تحتو على أعمال عنف أو تحطيم أو حتى ضربة كف، كما يقال في هذه البلاد، إلا أنها أثارت الكثير من الهرج والمرج، ربما لأنها تتعلق باسم من وزن “غوار الطوشة”، كما يحب اللبنانيون أن يسموه. لقد حدث كل الذي حدث رغم ما للفنان السوري من رصيد في قلوب اللبنانيين.

وبالمناسبة؛ يحظى غوار الطوشة، ومعه ذلك الجيل من الممثلين السوريين الذي اجتمعوا في “صح النوم”، و”حمام الهنا”، وغيرها من مسلسلات الأبيض والأسود الكوميدية، بحضور لافت في وجدان اللبنانيين، الشباب منهم قبل الكهول، الذين حين يستعيدون لهجة أهل الشام يستعيدونها بلغة غوار، أبو عنتر، وياسينو..

في العمق، نحن أيضاً لا يعني لنا دريد لحام سوى أنه غوار الطوشة، الشخصية الشامية النمطية في قالب كوميدي. الطربوش، الشروال العريض، القبقاب (وهذا وحده استقر في الوجدان الشعبي على أنه قبقاب غوار)، وذلك الجسد النحيل، الفقير، الذي لا حول له، سوى ذكائه، مرحه، ومقالبه. كان يمكن له أن يكون نوعاً من شارلي شابلن محليّ، ولكن على بساطة ذلك النمط، كان مبدعاً وأخاذاً، ولا شك أن دريد أيضاً قضى كل العقود السابقة في محاولة لاستعادته، لاستعادة غوار.

لكن غوار كلما سعى إليه صاحبه غار بعيداً واستعصى، إلى حد أن مسلسلاً بحاله وُظف من أجل ذلك، وسمي بـ”عودة غوار”، لكنه لم يفلح إلا في زيادة الشفقة على موهبة فنان الستينيات.

قد تكون المشكلة كلها في لوثة السياسة التي أراد الفنان أن يلعب على أوتارها. كان غوار، الأبيض والأسود، بريئاً وخالياً من الهموم الكبرى، وفجأة أراد أن يبكي هموم الأمة ويستصرخ ضمير التاريخ وأبطاله ليبكي حاضر الأمة. كثيرون اكتشفوا كذب وادعاء هذه المحاولات منذ ذلك الوقت. نعرف جميعاً ما مصير من ينتقد المخابرات في عهد الثمانينيات المظلم، فكيف حدث أن ألمح دريد في مسرحياته إلى ظلم المخابرات؟ كان البعض يسمي ذلك نوعاً من “التنفيس”، ولكن ما يعتبره البعض انتقاداً لاذعاً لم يكن سوى دعابة، فعندما حان وقت الجد رأينا جميعاً أين وقف الفنان.

كذلك، من الواضح أن تجربته المشتركة مع الشاعر الراحل محمد الماغوط في عدد من المسرحيات لم تفلح في إنقاذ غوار الطوشة الذي أحبه الناس، وهي كذلك أفضت إلى خلاف مع الماغوط استمر حتى رحيله، لعله جاء في ضوء استقواء دريد على نصوص الماغوط. كان غوار “غربة”، و”كاسك يا وطن”، وفيلمي “التقرير”، و”الحدود” شديد الادعاء، بل كانت تلك الأعمال نوعاً من الإنشاء والوجدانيات التي تنتهي جرعتها قبل الخروج من المسرح أو السينما.

منذ زمن بعيد راح دريد لحام يستثمر نجوميته في الشأن العام، وقد بلغ منصب “سفير النوايا الحسنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” لليونيسيف. لكنه استقال من منصبه بسبب حرب تموز العام 2006. لم يرد على ما يبدو أن يكون واقفاً على الحياد في ظلم يقع على بلده. كذلك اندفع لمناصرة أهل غزة بزيارتها مع لفيف من الفنانين، في محاولة لرفع الحصار عنها. لكن دريد هناك غيره مع أبناء شعبه الذين هبوا في تظاهرات سلمية تنادي بالحرية. دريد وقف كلياً مع النظام، مدافعاً شرساً عنه، ولعله أوجد له الذرائع قبل أن يعثر عليها هو نفسه.

ذات مرة، قال لحام في حديث تلفزيوني: “من يهاجموننا يقولون لنا إن الجيش يروح يحارب بإسرائيل. لا. الجيش مهمته سلامة الوطن، في الداخل والخارج، مهمته ينتشر في كل شوارع سوريا ليحافظ على السلم الأهلي، والناس هم من طالب بأن يتحرك الجيش”. أما المتظاهرون فهم بالنسبة إليه في أفضل الأحوال “مغرر بهم”، ويقبضون أموالاً من الخارج.

لا ندري ماذا فعل الناس لدريد لحام، الذين حملوه بقلوبهم، ولم يكن ليعيش كل هذا العمر لولاهم. لا ندري ما فعل الناس كي يستحقوا هذا الجحود، بل هذا التنكيل بهم من قبل الفنانين. لكن من الواضح أنهم قرروا أن ينتزعوه من قلوبهم. هذا ما قالته حادثة القلمون، التي تؤشر إلى أن الناس لن ترحم هؤلاء غداً، وأن عمر بعض النجوم، مثل الطغاة، قصير.

غوار مرّ مثل لمح البصر في حياة السوريين، بل في حياة دريد نفسه. خسره الرجل منذ زمن بعيد. لكنه الآن يخسر نفسه بجدارة، حين يمضي بهذا العزم إلى هذه النهاية الهازلة.

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى