صبحي حديديصفحات الثقافة

داريو فو: رحيل «مهرّج» كبير/ صبحي حديدي

 

 

كانت مصادفة محضة، بالطبع، أن يتزامن حدثان أدبيان هامّان، لا تفصل بينهما إلا ساعات قليلة: رحيل المسرحي الإيطالي الكبير داريو فو (1926ـ2016)، نوبل الآداب للعام 1997؛ ومنح بوب ديلان الجائزة إياها، للعام الجاري. والمصادفة اكتسبت دلالة فورية، ليس على صعيد نوبل وحدها، بل بالنظر إلى الصلة الفورية التي توجّب أن تنشأ في مستوى نزوع الأكاديمية السويدية إلى الخروج، مجدداً، عن التصنيف التقليدي لمفهوم «الأدب»، والذهاب نحو مرجعيات أوسع لمفهوم «الأدبية» ربما، ذات طبائع ثقافية عريضة.

والحال أنّ فو، نفسه، كان أوّل من تلمّس هذا التوجه، ولكنه شاء أن يستحثّ الجانب السياسي فيه، وليس الأدبي الأنواعي أو النقدي التنظيري؛ حين اعتبر، في أوّل تعليق على فوزه بالجائزة، أنّ قرار الأكاديمية السويدية فضيحة كبرى لإيطاليا الرسمية، ولمؤسساتها السياسية والدينية والأدبية. وكان مبهجاً، على حدّ تعبيره، أن تنعي صحيفة «كورييرا ديلا سيرا» جائزة نوبل، التي «هبطت إلى مستوى ممثل انشقاقي»، وابتذلت نفسها حين احتفت بأخلاقيات «مهرّج» فاضح وفضّاح! كان مبهجاً كذلك، في رأي فو دائماً، أنّ الأكاديمية اتخذت القرار «الثوري» بتتويج رجل لم يكتب لغرض الكتابة الأدبية، بل كتب لكي يلعب، أو لأنه كان قد بدأ باللعب أساساً؛ ولكي يضحك أوّلاً، ثمّ يُضحك الآخرين ويَضحك معهم، على المؤسسة: مستخدماً خشبة المسرح، والجسد، والصوت، والرقصة، و»القفشة» الساخرة، والنكتة اللاذعة، والحكمة الفطرية لرجل الشارع المضطهَد سياسياً واقتصادياً وجمالياً، والذي لا يرى في الفرجة مجرد تنفيس عن همومه، بل مناسبة لتنظيم مقاومة من نوع ما، لقهر تلك الهموم عن طريق هزيمة المتسببين فيها.

وإذ كان فو قد استحقّ جائزة نوبل، بكلّ ما ينطوي عليه ذلك الاستحقاق من معانٍ، فإن صياغة حيثيات القرار لم تكن أقلّ انطواءً على ما يدهش، بل ويدهش كثيراً في الواقع. فالأكاديمية اعتبرت أنه «اقتفى خطى مهرّجي الملوك في القرون الوسطى، وألهب السلطة بسوط النقد، مسترداً بذلك كرامة المهانين والضعفاء». وأيضاً: «إذا كان من شخص يستحقّ صفة المهرّج بالمعنى الحقيقي لهذا التعبير، فإنه داريو فو. وبمزيج من الضحك والرصانة فتح أعيننا على مفاسد ومظالم المجتمع، وكذلك على المنظور التاريخي العريض الذي يمكن أن تُوضع فيه. وأعمال فو المتعددة الأوجه تبرهن على أنه فنّان ساخر، ولكنه بالغ الجدّية في الآن ذاته. واستقلال رؤيته وصفاؤها دفعاه إلى مجازفات خطيرة، عانى مباشرة من عواقبها، ولكنها في الوقت ذاته كفلت له استجابات هائلة في أوساط عريضة مختلفة».

تلك كانت قراءة عادلة منصفة، ولكنها تظلّ استثنائية تماماً إذ تصدر ـ بمفرداتها الساخنة تلك، بادئ ذي بدء ـ عن أكاديمية عُرف عنها التحفّظ والجمود والمزاج اليمينيّ؛ إجمالاً، غنيّ عن القول، إذْ توفّرت استثناءات مفاجئة، وذات مغزى. هذا، في نهاية الأمر، كان داريو فو! المسرحيّ الذي لم تجد المافيا الإيطالية من وسيلة ناجعة للضغط عليه سوى اختطاف زوجته وشريكته في العمل المسرحي، فرانكا رامي، وتعذيبها جسدياً. وهو الذي أنزلته الشرطة الإيطالية من خشبة المسرح أثناء العرض، لكي تقتاده إلى السجن بتهمة… الخروج عن النصّ المسرحي! وهذا هو المسرحي الذي انخرط في لجان يسارية متعددة للدفاع عن السجناء السياسيين، وسخر بشدّة من المؤسسة البابوية، ومن الأحزاب السياسية الإيطالية بيمينها ويسارها، ومن أوروبا الإمبريالية، ومن الولايات المتحدة (التي ظلّ ممنوعاً من دخول أراضيها طيلة عقود).

وأخيراً، هذا هو الفنان الملتزم الذي تضامن، في الحياة كما على خشبة المسرح، مع المقاومة الفلسطينية حين كانت في مطلع السبعينات بمثابة التجسيد الأقصى لـ»الإرهاب المطلق» في أنظار أوروبا والغرب إجمالاً، حكومات وشعوباً ربما!

وفي ما يخصّ اعتبارات الفنّ والإبداع، كان فو الاسم الثاني الأكثر موهبة وعبقرية في تاريخ المسرح الإيطالي الحديث، بعد لويجي بيرانديللو. وكان، قبل ذلك، خير من حفظ، وتابع حفظ، تقاليد قرون بأكملها من التراث المسرحي؛ في إيطاليا أولاً، وفي الجوار الأوروبي بأكمله، وعلى غرار كبار من أمثال أريستوفانيس وشكسبير وغولدوني وموليير.

ومنذ سنواته الأولى في الأداء التمثيلي ضمن البرامج الإذاعية، التصق فو بروح إيطاليا الشعبية حين تقمّص دور الأهبل نانو، الذي يقرأ حكايات التوراة على هواه، فيتعاطف مع قابيل ضد هابيل. آنذاك، في الخمسينيات، كان الحزب الديمقراطي المسيحي يحكم قبضته على وسائل الإعلام، ويفرض رقابة شديدة على نصوص السينما والمسرح والإذاعة. ومع ذلك فقد تمكّن فو من «تمرير» عشرات الرسائل اللاذعة ضد فاشية جديدة تتخفّى بأقنعة ديمقراطية، واستخدم في ذلك مواهب أدائية فذّة، وطرائق بارعة في الخروج عن النصّ على الخشبة؛ إلى حدّ أن السلطات كانت ترسل شرطياً يراقب النصّ الأصلي بمصباح، لكي يتدخّل كلما خرج فو عن النصّ!

رحل «المهرّج» الكبير، إذن، وشاءت المصادفة أن يتكرّم حتى آخر برهة في حياته؛ وذلك من خلال فنّان آخر، بوب ديلان، أثرى مفهوم «الأدبية» بعدّة أخرى، وطرائق مختلفة.

صبحي حديدي

القدس العربي

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى