صفحات العالم

دمشق – واشنطن: بين الإخفاق الإعلامي والتبرؤ الثقافي/ حسن منيمنة

على رغم مضي عامين ونصف العام من القمع والقهر والمجازر، لم تتمكن الثورة السورية من إيجاد مكان ملائم في الوجدان الأميركي، إذ ما زالت مواقف عامة الأميركيين تجاهها تتراوح بين الجهل بالواقعة وعدم الاكتراث لتفاصيلها وعدم تصديق أهوالها وإلقاء التبعة في شأنها على الطبيعة الوحشية المفترضة للعرب والمسلمين أو غير الغربيين عموماً، أو تحميل مسؤولية القبائح للطرفين معاً، بل إلقاء اللوم على الثوار باعتبارهم متشددين إرهابيين متعاونين مع تنظيم القاعدة، وصولاً إلى اعتبار أن في ما يجري مصلحة للولايات المتحدة وحلفائها، أو حتى الشماتة المبطنة والظاهرة بمن يعادي الولايات المتحدة أساساً. لا تخلو الساحة الأميركية طبعاً من الأصوات المبدئية التي ترفض ما يجري وتدين النظام القاتل وتدعو حكومة الرئيس باراك أوباما إلى تحرك صادق في هذا الصدد، إلا أن هذه الأصوات، وإن جرى استدعاؤها مراراً في الإعلام العربي، تبقى خافتة في ضوضاء اللامبالاة والتهميش للقضية السورية وغيرها من القضايا لدى الرأي العام الأميركي.

ويبدو بالفعل أن نظام دمشق، أو من يدعمه، يبذل جهداً متواصلاً للمحافظة على الوضع القائم، فتشهد مواقع التواصل الاجتماعي، عند بروز كل خبر يتعلق بالحالة السورية، إغراقاً متكرراً بالآراء والتفاصيل المؤيدة لتوجهات الإهمال أو التهكم أو اتهام المعارضة بالإجرام. فكلما وقعت مجزرة توالت الأصوات التي تؤكد أنها لم تقع، وإن وقعت فمبالغٌ بها، وإلا فالمعارضة هي من قتل الأهل لاستغلال مقتلهم، أو أنهم جميعاً يستحقون ما أصابهم. ولا بد من اعتبار هذه المداخلات الموجهة في سياق أن فضاءات التواصل مليئة بالمواقف الحادة حول كل شأن كما تطعن بكل فئة، فهي أقرب ما تكون إلى الصدى المتردي للحالة الثقافية في الولايات المتحدة. فالتفاعل مع الواقع الأميركي ووجدانه لا يكون من خلال هذه المواقع وما شابهها بل من خلال الحالة الثقافية، والتي تشكل معياراً فكرياً وأخلاقياً لعموم المجتمع، وفي هذه ليس لمن يؤيد بقاء نظام دمشق إلا أضيق الهوامش للتحرك، انطلاقاً من الوضوح الظاهر عند أي تمحيص فعلي بأن من يدافع عن النظام يبرر القتل والإجرام.

يمكن إذاً، الآلة الإعلامية للنظام ومحوره أن توهم نفسها بأنها تحقق نجاحاً ما في ضعضعة الموقف الأميركي، أما الواقع فإنها من دون تأثير، إنما ما يؤطر الموقف الأميركي فهو افتقاد الرئيس أوباما للحزم في مسألة لا يجد نفسه مضطراً للحزم فيها، وذلك تحديداً لأن الجمهور الأميركي لا يطالبه بذلك. وإذا كان هذا الجمهور أساساً لا يدري ولا يكترث، فإن من إخفاقات المؤيدين للثورة السورية أنهم لم ينجحوا في دعوة هذا الجمهور إلى الإصغاء.

إلا أن المسألة قد لا تكون عرضية. فمضمون الثورة السورية من دون شك قد تبدل من الصيغة التي يمكن أن تستنهض الرأي العام الإنساني، إلى صيغ متعددة يجاهر عديدها بازدراء هذا الرأي العام لتخلفه عن نصرتها، ويعلن افتراقه المبدئي عنه. ويتحمل نظام دمشق مسؤولية مثلثة في هذا التراجع لخطاب الثورة السورية وصورتها. فالجانب الأول في إجرامه المتصاعد والذي يستدعي العصبيات ورد الفعل الداعي إلى التشفي، والجانب الثاني في إدارته المجموعات المتشددة، حتى المعادية له، من خلال إطلاق سراح أعضائها للالتحاق بفصائلها بما يتناسب مع مساعيه وإرسال المندسين إليها وإلى غيرها، وفي هذا الإطار من دون شك مساهمات مباشرة للنظام وأنصاره في رفع حدة الخطاب المنفر. أما الجانب الثالث، وهو الأخطر، فهو أن هذا النظام الذي ساد على سورية لأكثر من أربعة عقود قد عمّق آفات المجتمع السوري ودك الثقة التي تشكل الأساس للميثاق الضمني الذي تبنى عليه اللحمة الاجتماعية، بل اعتمد سياسة تجهيل وتسطيح أخرجت أوساطاً منقطعة عن العالم والواقع. فالكثير من الأقوال والممارسات الصادرة عن بعض أطراف المعارضة تبدو استنساخاً لأساليب النظام، ومنها تحديداً استغباء الجمهور من خلال التلاعب بالتفاصيل في الجهود الإعلامية.

لكن، في حين أن للنظام مسؤولية على أكثر من صعيد في الطعن بمضمون الثورة، فإن الجزء الأكبر من المسؤولية يقع من دون شك على مؤيدي الثورة أنفسهم، شكلاً وصيغة. وفي ما يتعلق بالصيغة، لا بد من الإقرار بأن مسألة التوفيق، ولو المرحلي، بين من يتصدى للنظام من منطلق حقوقي ومن يعارضه من وجهة نظر دينية تحف بالصعوبات، والتباعد كبير بين من يقاتل على الأرض ويدفع ضريبة الدم وبين المقيم في الخارج والقادر أن يتجنب مشقة القتال، ولا بد للآخر من مراعاة مواقف الأول مهما كانت قاسية. ولا شك أيضاً في أن الريبة المتبادلة مما قد يتمخض عنه المستقبل، كما دسائس النظام، تزيد من التصدع في إمكانيات التوصل إلى صيغة موحدة لجهود إسقاط النظام.

إلا أنه إذا كان ثمة تبرير على مستوى الصيغة، فإن الإخفاق في الشكل يبقى مسألة تحتاج إلى مراجعة وتصحيح. فعلى مدى الأشهر الثلاثين الماضية، لم تشهد الولايات المتحدة أي جهد واسع النطاق لإظهار البعد الإنساني للثورة السورية، بل جاءت الجهود خجولة لا تكاد تتجاوز البعد الفردي.

فالحالة الثقافية الأميركية تعيش حالة تبرؤ من القضية السورية، ليس لاستتباب قناعات بصواب التبرؤ، بل لغياب ما يُلزم هذه الثقافة أن توازن بين مواقفها ومبادئها. ومجازر الغوطة الأخيرة، والتي لم تنل ما تستوجبه من الاهتمام، نموذج فقط في هذا الصدد. فالريبة التي تحيط بصدقية المعارضة تسمح للثقافة الأميركية بأن تتابع إهمالها لما يتعارض قطعاً مع التزاماتها الأخلاقية. والريبة لا تُزال بتصريح، بل بجهد متواصل، مكلف مادياً، لإرغام الوجدان الأميركي على رؤية ما يسعه إلى اليوم أن يبرر إغلاق عينيه إزاءه. وإلى أن تشعر الثقافة الأميركية بالحرج، فإنها لن تطالب. وإلى أن تطالب، سيتابع الرئيس المتابع بدقة لصورته لدى الرأي العام برسم خطوط حمر متحركة تبقي المجال مفتوحاً لإطالة جديدة في عمر النظام ولمزيد من المآسي للسوريين.

الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى