صفحات الثقافة

رسامو كاريكاتور عرب: كلنا “شارلي إيبدو”/ دجى داود، ليال حداد

 

لم يحتج رسّامو الكاريكاتور العرب إلى الكثير. بعد دقائق من وقوع اعتداء باريس الدامي، امتلأت صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل بالرسومات والتعليقات المتضامنة مع صحيفة “شارلي إيبدو” الفرنسية الساخرة. أغلبهم شعر باستهداف شخصي، وبانحسار رقعة الحرية في العالم، فيما اعتبر آخرون أنّ هذه الجريمة ستؤدي إلى “انفجار” ملف حرية التعبير… وهو ما ظهر ربما في الساعات الأخيرة، إذ أعاد كثيرون نشر رسومات “شارلي إيبدو” مؤكدين: “قد لا نوافق على مضمونها، لكننا اليوم كلنا متضامنون مع شارلي إيبدو، ومتضامنون مع أنفسنا، ومع حرية التعبير بعيداً عن سطوة وقوة السلاح العنف”.

“العربي الجديد” حاولت استطلاع ردود فعل بعض رسامي الكاريكانور العرب من سورية، ومصر، ولبنان والأردن على الجريمة الدامية.

طعم الاعتداء

يعرف علي فرزات جيداً معنى التهديد بالقتل بسبب موقفه ورسوماته. وهو الذي تعرّض عام 2011 لاعتداء وحشي بسبب رسوماته التي تهاجم النظام السوري، وبسبب موقفه المؤيّد للثورة السورية. “لم أفاجأ بهذا الاعتداء على (شارلي إيبدو)، بل كنا نحذّر منه منذ سنوات”. يقول في حديثه مع “العربي الجديد” ويؤكّد أن الحركات المتشدّدة ليست معزولة عن كل الأحداث في العالم:”الشرّ له مؤسساته على الأرض، مؤسسات تكره الفن، تكره الحياة، وتكره كل ما له علاقة بالجمال”. يعلن بصراحة أنه ضد تقييد حرية التعبير، ويقول: “أنا لست ضد الكتب السماوية، لكني ضدّ هؤلاء الذين أنزلت عليهم هذه الكتب… علماً بأنّ ما حصل يحمل مسؤوليته مسلمون وليس الإسلام، فكلّ الأديان تدعو للمحبة وللتسامح”. لكنّه يعود ليؤكّد أن الإرهاب ليس مرتبطاً بالدين فقط: “الأنظمة الشمولية والمتطرفون الدينيون يستفيدون من بعضهم بعضاً لمحاربة كل ما هو جميل… الاعتداء ليس بالسذاجة التي يظنها البعض، هناك دائرة محكمة الإقفال لأطراف تستفيد من كل ما يحصل”.

الكلمة والرسم والحرية

يتحدّث رسام الكاريكاتور المصري، محمد أنور، بشغف كبير عن الصحيفة الفرنسية الساخرة، “شارلي إيبدو لم تكن صحيفة ساخرة عادية، لأنّها دليل إرشادي لما يجب أن يكون عليه الكاريكاتور”. ويضيف: “هو فن جامح ونزق ومتهوّر من دون أية حسابات طالما أنه يدافع عن وجهة نظر حامله”.

ويؤكد أنور أنّه “مهما كانت اختلافات وجهات النظر مع الجمهور، إلا أن ضحايا الحادث، وخصوصاً رسامي الكاريكاتور الأربعة، هم بالنسبة إليّ مثال حي لفروسية الكلمة وتحمل ما قد يجلبه عليك رأيك من متاعب، وهذا هو ما يجب أن يكون عليه رسام الكاريكاتور الحقيقي”. ويضيف: “قتل هؤلاء يؤكد أننا في حرب كرسامي كاريكاتور ضد كل الأفكار الرجعية سواء كانت هذه الأفكار في فرنسا أو الوطن العربي… لأن الكاريكاتور بتعريفه هو فن تقدمي، وبالتالي انا كرسام كاريكاتور عربي، يستفزّني الحادث ويمسّني شخصياً”.

ويذكّر أنور بما قاله “شارب”، وهو أحد ضحايا اعتداء أول من أمس، إذ قال يوماً: “انا لا أدعو المسلمين المتشددين للاقتناع بالجريدة وشرائها… تماماً كما لا أذهب أنا إلى المسجد لأستمع الى خطاب يحمل أفكاراً مضادة لي ولما اقتنع به”. ويضيف أنور لـ”العربي الجديد”: “هذه هي الفكرة الأساسية في حرية الرأي. ليس شرطاً ان نوافق ما لا يُعجبنا. يُمكننا أن نقاطعه، لكن يجب ألا ندعو لقتل أو اعتداء لأنّ الرسامين لم يعتدوا جسدياً على أحد”.

ويوافق الرسام المصري المعروف بـ”مخلوف” على ذلك. ويقول: “بعيداً عن أن الأربعة كانوا من أكثر الرسامين الذين أحبهم وملهمين بالنسبة إلي، فهم أربعة فرسان كاريكاتور من أقوى الرسامين في العالم وأشهرهم… الهجوم كان مستفزاً بالنسبة إلي لأننا كرسامين مصريين أو عرب نعاني من نبرة الهجوم نفسها ضدنا”. ويضيف: “نحن متهمون دائماً بالكفر والإساءة للأديان او حتى للأفراد عندما نرسم عن السياسة ورأس المال”. ويقول: “عانينا من هذا الأمر في فترة حكم (الإخوان)”. ويؤكد أن الرسامين العرب يُشتمون ويُهدّدون طوال الوقت.

لكنّ رسام الكاريكاتور المصري، أحمد سعد، لا يعتبر أنّ الهجوم بحدّ ذاته تهديد للرسامين العرب. ويقول لـ”العربي الجديد”: “لا أعتقد أنه تهديد لنا لأنّ حدود الرسامين في العالم العربي كبيرة ولا نستطيع تجاوزها. كموضوع الأديان مثلاً، فلا أعلم أنّ أي رسام كاريكاتور عربي سبق وأن انتقد الأديان”. ويضيف: “هنا القيود سياسية أكثر… رسامون كثر تمّت أذيّتهم بسبب مهاجمتهم نظاماً أو رئيساً”.

من جهته، يؤكّد رسام الكاريكاتور المصري، أنديل أنّ الاستهداف يمسّه. ويرى أنّ ما تنشره الصحيفة من رسوم يندرج في إطار “حرية تعبير على المستوي المحلي، وهو شيء عظيم من حق المجتمع الفرنسي أن يفخر به”. ويضيف: “هناك أسباب كثيرة تجعل المواطن الفرنسي يفخر بحرية التعبير في بلاده، لكن عواقبه على العالم في ظل انعدام عدالة توزيع الحرية، وهو للأسف ماحدث”.

ما هكذا يكون الاعتراض

بشكل واضح يؤكد رسّام الكاريكاتور اللبناني، حسن بليبل (والذي ينشر أغلب رسوماته في الصحف والمجلات الغربية) أنه ضدّ ما كانت ترسمه “شارلي إيبدو” لأن في ذلك استفزازاً لشريحة كبيرة من القراء، “لكن ما هكذا يكون الاعتراض، هذا اعتداء صارخ على حرية التعبير وحرية الرأي”. يتحدّث بليبل عن هامش الحرية الكبير الموجود في الغرب، أوروبا تحديداً، وعن سقوط كل المحرمات في النقد والسخرية، ويعتبر أن ما كانت تقدّمه “شارلي إيبدو” طبيعي في فرنسا “بسبب عدم وجود خطوط حمراء”. ويعيد بليبل تذكّر ما حصل قبل سنوات عند نشر الرسوم الدنماركية: “يومها اتصلت بي إحدى الصحف الفرنسية وكانت تعدّ ملفاً عن الموضوع، وكان كابو ـ أحد الرسامين الذي سقطوا أول من أمس في الاعتداء على الصحيفة ـ هو من يشارك في إعداد هذا الملفّ”، مؤكداً أن كل هذه الذكريات وكونه رسام كاريكاتور تجعله معنياً بشكل كبير بهذا الاعتداء.

أما في العالم العربي، فيبدو المشهد أوضح بالنسبة إليه: “هنا حدود حرية التعبير واضحة، لا يمكن التطرّق إلى الدين، إلى رجال الدين، ولا حتى إلى شخصيات سياسية محددة”، معتبراً أنّ اعتداء باريس لن يغيّر هذا الواقع.

الانحياز البديهي للحق

“ما حصل هو اعتداء صارخ على رسامي الكاريكاتور وعلى حرية التعبير والحق في السخرية”، يقول رسام الكاريكاتور الأدرني عماد حجاج. ويضيف: “بهذا المعنى هو تهديد حقيقي لكل ساخر، لا نتفق كرسامين عرب مسلمين مع رسومات شارلي إيبدو المسيئة، ولكننا بكل تأكيد ضد العمل الإرهابي الشنيع الذي مورس ضدهم، وننحاز إلى الحق البديهي لأي مبدع بحرية التعبير عن رأيه، والحق للآخرين بالرد السلمي عليه”. أما كيف يبدو المشهد في الأيام المقبلة، وهل ستزداد الخطوط الحمراء والرقابة الذاتية لدى الرسامين أم أنها ستكسر القيود وتخلق هامش حرية أكبر؟ يبدو جواب حجاج بديهياً: “تضامن رسامي الكاريكاتور حول العالم بعد جريمة باريس في موقف واحد منحاز لحرية التعبير ومدين للإرهاب، يعزز نزوع الرسامين إلى جرأة أعلى وكسر كل الخطوط الحمراء”. ويعود ليؤكد أن “الاعتداء هو أولاً وقبل كل شيء اعتداء على حرية التعبير والهدف منه ليس الرسامين الضحايا فقط، وإنما تكميم الأفواه ووضع خطوط حمراء للسخرية ولهذا الفن، أي الرسم الكاريكاتوري”.

رسامو الكاريكاتير حول العالم يرثون زملاءهم الفرنسيين

إختار عشرات رسامي الكاريكاتير حول العالم، رسوماً كاريكاتيرية لرثاء زملائهم الفرنسيين في مجلة “شارلي ايبدو” الذي قتلوا أمس الأربعاء، في الهجوم الذي استهدف إجتماع تحرير فريق عمل المجلة في باريس، وأسفر عن مقتل 12 شخصاً بينهم شرطيان.

وشارك الرسامون حول العالم الذين اتحدوا لرثاء زملائهم، رسومات فنية تعبر عن صدمتهم من المجزرة، وتضمنت رسائل سياسية مفادها أن “القلم لن يُكسر”، و”البندقية بمواجهة الريشة”، فضلاً عن تصوير “التشدد الإسلامي” في أوروبا بطريقة فنية، والإيحاء بأن العملية تشبه الى حد كبير الهجوم على برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 سبتمبر 2001.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى