صفحات سورية

روح الفكاهة السورية

 


كاميران حوج

حين رفع ممثلو الشعب في مجلسهم شعار “الله، سوريا، بشار وبس” رد عليهم الأخير: “الله، سوريا، شعبي وبس”. ضمير الملكية ليس إلا دلالة بينة على نمط تفكير سيد الشعب. تصل الأمور “بكبار” الطغاة إلى حد يتوهمون فيه أنهم هم منبع الشعب، هم الشعلة والرعايا فراشات تحوم حولهم، إن شاءت ابتعدت وإن شاءت احترقت. ولا يبقى غير الطاغية شمعة مضيئة على درب النضال والتحرير من “الفتن” التي يغرق في هوجائها دهماء الرعية.

نظرا لضحالته فالخطاب بذاته ليس مهما بل طريقة المخاطبة. القائد يلهم مجلس شعبـ(ه) بضرورة فهم “كيف تفكر الدولة” وعدم “الانجرار إلى الفتنة”، “الفتنة أشد من القتل”، استغلال الموجة الثورية في العالم العربي لتوجيهها “لمصالحنا”. على الشعب أن يتفهم سيده وينتظره حتى يحقق مطامحه في الوقت الذي يراه مناسبا، لأن “التسرع” في تحقيق هذه المطالب سيؤذيه، بما أنه لم يعتد هذه السرعة، وبجميع الأحوال فهي تصب في “مصالحنا”. مرة أخرى ضمير الملكية يشي بأن المصلحة النهائية هي للقائد، فهو ذو الجبروت الذي لا يفوته شيء، القادر الذي لن يركع، “فإذا فرضت علينا المعركة فأهلا وسهلا بها”. كأن سموه ينزل ميدان المعركة لمواجهة عدو اقتحم عرشه، وفي فلك هذا العرش الناصع تدور الكائنات القميئة ليبتلعها ثقب أسود، لأنها غير جديرة بالبقاء أصلا. الثقب الأسود بكل سطوته هو الرئيس، الحاكم، المفدى، إما أن تفتديه الجماهير طوعا أو يقربها أضحية على مذبح حرميته الذي لا يمس.

هذا الحرمية تهربٌ من المحدَّد إلى العمومي، خشية احتراق اليد بنار الواقع المحض. الحرمية التي تتولد في نفس الطاغية تتأتى من كونه تغلب على أعدائه أو أصدقائه في مبارزات عديدة. كلما تراكمت لحظات الانتصار، كلما تقدست حرميته. والانتصارات لا تعني بالضرورة انتصارات ملموسة، فقد تنشأ هذه في رأس الطاغية وحده ويراها ماثلة لعينيه. في هوسه هذا ينحو لقطع رأس كل من تسول له نفسه الريبةَ في وحدانيته وقدرته. من استذاق هذه القدرة، يحاول الاستحواذ على المزيد منها ومن طرأ الشك على وحدانيته يبرهن عليها بالمزيد من القتل والدمار، النفي والفراغ، فحين ينتشر الخراب، يكون هو النظام، حين تسود الفتنة يمثل هو الائتلاف. هذا ما فعله الأسد الأب مع الإخوان، والشبل مع الأكراد، ويفعله اليوم “بشعبه”.

تذكر التواريخ أن سلطان دلهي في القرن الربع عشر محمد طوغلاق أفرغ مدينته من السكان، ليشعر أنه وحيد فرد. هتلر لم يبال لحظة باندحار الألمان مادام شخصه في مخبئ آمن، وفي النهاية انتحر، لا كما ينتحر البطل اليائس، بل كي لا يمثل العدو بجثته. ستالين قاد حملات التطهير ذعرا من أعداء موهومين قد يدنسونه. وأخيرا كرر القذافي “أنا” المرة تلو الأخرى مضاهيا بين أناه العظيمة والآخرين الجرذان، ليقول إن الشعب غذاء لجنون عظمة القائد. وهذا الأخير صرح ملء فمه أنا أو أنتم. أما بشار الأسد فلم يجرؤ حتى على هذا القول، بل سرد الفكاهة تلو الفكاهة على مجلس شعبـ(ه)، كأنه يصدق فعلا تلك الشعارات المكرورة من زمن أبيه الميمون. مقدما النصح، متألما تحت “ضغط المسؤولية والوعي الشعبي”، مفترضا “الفوضى” التي سينهيها. وكيف سينهيها إن لم يطهرها بدم “إخوته وأبنائه”! هل أصيب الطبيب الشاب أيضا بجنون عظمة أبيه وأخيه وصهره وابن خالته، الذين لن “يتسرع” بإيجاد الحلول لهم، بل يلتهمهم واحدا بعد الآخر في “سلم أولوياته”؟

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى