صفحات الثقافة

ســـوريا: مــزاج جديــد فــي الشــعر


ديمة الشكر

لأمرٍ ما، لم تُكنّى سوريّا بالحداثة الشعريّة التي بدأتْ في النصف الثاني من القرن العشرين، وقتها أرخى القصيد شطريّه، كما ترخي الأنثى جديلتيها، فانبثقتْ القصيدة الحديثة من تلازم تيّارين: الشّعر الموزون (التفعيلة) وغير الموزون (قصيدة النثر). وكلّما «خرج» شاعرٌ من هذا البلد الواقِع بين سِحر العراق وغواية لبنان، تنوّعت اقتراحات الحداثة -الغضّة وقتها-: كذا خرجتْ غزليّات نزار قبّاني وأشعاره السياسيّة من «أسوار» دمشق واتجهتْ معه صوب بيروت، وخرج أدونيس من السّجن صوبها (1955)، وفيها أيضاً بزغ محمّد الماغوط بعدما أمضى نصيبه في السجن السوريّ (1955 و1961). لكأنّ البلد يضيق على شعرائه أو يضيّق عليهم، ولعلّ هذا ما يفسّر ولو جزئياً حدّة المزاج الشعريّ الذي تميّز به هؤلاء الشعراء، فـ «الثورة» حاضرة في ثنايا أصواتهم العالية: نزار يقرّع النظام العربيّ برمّته، وأدونيس «يثور» على ما يكرهه من ماضي العرب وحاضرهم، عبر إثارة جدلٍ لمّا يكلّ أو يفتر. أمّا الماغوط فقد ارتدى منذ بداياته ثوب الضحية التي لا تكفّ عن الصراخ، واستراح فيه طويلاً. وبالرغم من الاختلاف القويّ بين هؤلاء الشعراء، لجهة اقتراحاتهم المتنوعة في الحداثة الشعريّة وتفاوت حضورهم في الداخل السوريّ، إلا أن هذا المزاج الحاد لم يخفّ مع سليم بركات الذي سَلِم من السجن، لكنّه لم يسلم من غواية بيروت. أكثر من هذا، ظهر اقتراح سليم بركات منبتّاً وقويّاً وأكثر تأثيراً، تحفّ به تلك اللغة المدهشة في طيرانها نحو ذرى بلاغيّة لا حدّ لها، تُبطن من الخيال الآسر ما يجعل الشمال السوريّ كلّه واقفاً على حافّة هاوية تجمع الفردوس إلى الجحيم. وفي الجمع بين هذين المتناقضين ما يكفي لوصف المكان: سوريّا.

وعلى مدى ثلاثين عامّاً تقريباً، راح الشّعر السوري، يعكس بـ«أمانة» إن جاز التعبير، ما اتفق عليه من منجزات الحداثة الشعريّة، لكأنه مرآة لخارج الأسوار من دون داخلها إلا لماماً، ففي السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم ـ داخل الأسوار ـ كان الالتزام طاغيّاً «بشكلٍ رسميّ» إن صحّ التعبير، عبر المواضيع الكبرى التي تناسب المزاج السوريّ أصلاً وتبقي الصوت عاليّاً. وعلى مقربة منه بدتْ شعريّة التفاصيل بالتسرّب إلى الشّعر السوريّ، كذا خفت الصوت قليلاً وانكفأتْ حدّة المزاج قليلاً. ولعلّ الجهود النقديّة المؤثِرة لمحمّد جمال باروت، تبدو اليوم وكأنّها محصلة التجاذب بين الصوتين: العالي والخافت، وهو ما ظهر في انتصار الناقد السوريّ لمفهوم القصيدة الشفويّة، التي تميل نحو اليوميّ والبسيط، أو نحو الصوت الخافت الخفيض، حيث تحضر الهموم الشخصيّة والهامشية والمتروكة، كجوابٍ مبرّر لقصيدة الصوت العالي المسلحّة بمواضيعها الكبرى، سواءٌ أكانتْ سياسيّة أم رؤيوية. من الصحيح أن تلك المرحلة، أفرزت أصواتاً شعريّة مهمّة، إلا أنها لم تنجح عمليّاً في اختراق «الأسوار»، إن صحّ التعبير، والخروج باقتراحٍ جماليّ يُشار إليه بالبنان. إذ إن قلةً من شعرائها عرفتْ نجاحاً يؤهلّها لريادة المشهد السوري. ولعلّ ذلك يعود في الدرجة الأولى إلى أن اختلاف تجارب السوريين وقتها، بدتْ إلى حدّ كبير مثل مرآة تعكس إلى هذا القدر أو ذاك، ما كان يحصل في الشعر العربي عامّة: فطغيان قصيدة النثر عربيّاً، انعكس ولو متأخراً في المرآة السورية، كذا بدت المواضيع «المتفق عليها» حاضرة فيها أيضاً.

رياض الصالح الحسين

أمّا التسعينيات فقد رفدتْ المشهد السوري بأصوات جديدة، تحاول قدر الإمكان التفلّت من آباء مكرّسين عربيّاً وسوريّاً، ومن قصيدة عربيّة مكرّسة ومتشابهة إلى حدّ كبير. الأمرُ الذي انعكس مثلاً في البحث عن «رواد» سوريين مهمّشين، كذا وجد السوريون ضالّتهم في شاعرٍ سبعيني خافتِ الصوت مجرّحه: رياض الصالح الحسين، الذي سيغدو أيقونة لطائفة كبيرة منهم، وهو الأمرُ الذي انتبه إلى مفارقاته الشاعر السوريّ علي سفر: «لماذا يجد الجيل الثقافي الشاب في سوريا، وفي نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة نفسه متورّطاً، وبحب شديد يصل إلى درجة المبالغة، في تقديس تجربة شاعر أصمّ، مات قبل ما يقارب الثلاثين عاماً، تاركاً وراءه أربع مجموعات، لم تُطبع سوى مرّة واحدة، في وقت بلغ فيه عدد شعراء الجيل التسعيني – الأقرب إليه من ناحية المزاج – إلى ما يزيد عن ثمانين شاعراً؟». ربما ظهر هذا الانتباه المتأخر إلى رياض منبتّاً، بيد أن تدقيقاً جزئيّاً في ما يناسب المزاج السوريّ المحاصر على مدى ثلاثين عاماً، يكشف قليلاً سبب الاحتفاء بالشاعر الذي حنّ على البلد: «يا سورية الجميلة السعيدة / كمدفأة في كانون/ يا سورية التعيسة / كعظمةٍ بين أسنان كلب/ يا سورية القاسية / كمشرطٍ في يد الجراح/ نحن أبناؤك الطيبون الذين أكلنا خبزَك وزيتونَك وسياطَك/ أبداً سنقودك إلى الينابيع/ أبداً سنجفف دمك بأصابعنا الخضراء/ ودموعَك بشفاهنا اليابسة/ أبداً سنشقّ أمامك الدروب/ ولن نتركَك تضيعين يا سورية/ كأغنية في الصحراء». ففي المقطع السابق يبدو الحسين شبيهاً بالماغوط من دون الصوت العالي، ولم تعد الضحية شعراً تلك التي لا تكفّ عن الصراخ، بل تلك التي لا صوت لها، وتحتاج من ينوب عنها في الكلام. وليس من غير ذي دلالة، أن يُمدح المكان ويظهرُ كضحية، إذ إن الذكي ممدوح عدوان الحاضر في وجدان السوريين أكثر، سبق رياض في التعفّف عن واحدة من أكثر سمات الحداثة الشعريّة إثارةً للجدل: هجاء العواصم باعتبارها قرينة الشرّ، ونقيضة البراءة التي تمثّلها القرية بامتياز، فقد استطاع رسم صورة أقرب إلى الواقعية لدمشق التي تختفي تحت الصوت العالي، أي صوت الالتزام الجهوريّ المتماهي إلى هذا الحد أو ذاك مع الصورة الرسميّة التي تقول إن هذا المكان قلب العروبة النابض: «حين دقّت بابه الحربُ/ وكانت ترتدي أقنعةً من وطنه/ فتح الباب وماشاها،/ فجسم الوطن المرجوّ يدمى خارجَ/ البيت…ضاقت الأرض التي يلبسها في الفقر/ ثوباً وعزاء/ ودمشق اتّسعتْ حتّى احتوت كلّ/ البكاء». فالشعور الوطني في الدفاع عن المكان يخالطه شعور آخر، يبطن القهر والفقر ليوّحد بين المدينة وأهلها، ويرسم الصورة اللاذعة والجريئة: كيف تدافع الضحيّة عن الضحيّة؟.رويداً رويداً، على مهلٍ وفي الخفاء، تغيّر المزاج السوريّ، خفّت حدّته، وغدا صوته مكسوراً، يعكس بصورة أجدى داخل «الأسوار»، بدلاً من التماهي مع قصيدة مكرّسةٍ عربياً مثلاً، أو الانضواء تحت تيار الالتزام في الشّعر الذي أهرق كثيرٌ من الحبر «الرسمي» في مدحه وجرّه نحو يافطة: قلب العروبة النابض. أخفتْ اليافطة واهمةً صورة البلد الذي يجمع الفردوس إلى الجحيم، فالتعفّف عن هجائه صوّره فردوساً أسيراً (لدى الشعراء المنفيين السوريين كذلك)، بيد أن زجّ شاعر هو فرج بيرقدار في السجن لمدة أربعة عشر عاماً، أظهر الجحيم على الملأ، فاهتزّت صورة قلب العروبة النابض، وأظهرت من تحتها صورةً أخرى، لدمشق أو سوريّا لا فرق فهما صنوان في الشعر السوريّ والعربيّ كذلك، كما لو أنّ واحدة تُكنّى بالأخرى وتنوب عنها، ويصهرهما لفظٌ محبّبٌ إلى القلوب: الشام.

المزاج الجديد

خلال الأشهر الإحدى عشر الماضية، طفح الموقع الاجتماعي الفيس بوك، بقصائد ومقطّعات ومقاطع شعرٍ سوريّة، ولعلّها تُفصح أكثر من غيرها، عن التغيير في المزاج السوريّ الشعريّ. وحيال قصائد تمتحُ مباشرةً من الحدث التاريخي، يبدو الانتقاء عسيراً، لكنّ تعاون الشعراء أسلس القياد لهذا المقال.

في قصيدتها (فراشةٌ من جسر الشغور)، تصف هالا محمّد، عبر حوارٍ متخيّلٍ بين طفلة وفراشة، ما آل إليه السوريّ، فصورته الجديدة ـ للمفارقة ـ تشبه واحدة من أشهر صور الضحيّة العربيّة: الفلسطيني لاجئاً، حيث تكتب: «لغة ُاللاجئ الضيفِ الصَّمتْ /لا صوتَ للاجئ ِ ../ يُقفلُ البابَ على صوتِهِ في البيتِ/ وَيخرج ُ/ مِن بوابةِ التاريخِ بلا ذرّة ِ جُغرافياً». لذا لا مفاجأة أن تأتي المفارقة صريحةً جارحةً في القصيدة: «الطفلُ الفلسطينيُّ الضليعُ في فقهِ الخيامِ/استدارَ صوبَها/ وبكى». بساطة أسلوب هالة، قوامه ألفاظ صريحة، ومباشرة في تناول الموضوع، واستناد ـ قليلاً ـ إلى المزج بين سردٍ خفيف على حافّة النثريّة، وصورٍ شعريّة شفّافة عفويّة. ويبدو من قصائد شعراء آخرين، أن الاستدارة نحو الفلسطينيّ ـ صورةً وأساليبَ درويشيّة الوقع ـ طعمّت الشعر الجديد، فها جبران سعد يخاطب دمشق وفي البال ربما أثر درويش: «أيقونةٌ من قمرين/عُدنا بها إلى زمن المسيح وأمّه/رايات حبّ/من قاسيونَ بخورها/ …المطرُ من أجل الغريبة/عاد في فضّة الأجراس/عيداً/-تأخّر في الغيم-/يا شام قلبي/في كنائس عينيك/ يعتصمُ»، وكذا يتسرّب أسلوب درويش إلى آرام: «أنتم شجر هذه البلاد/..ولدمشق وأخواتها/ سماواتٌ لا تنتهي نجومها/ وملائكةٌ يسهرون في لياليها المكتوبة بالضوء/ ضوء عين الشهيد/ المحدّقة/ في ضوء عين الحريّة». صحيح أن المقاطع الآنفة تمتاز ببساطتها وتأثّرها الواضح بدرويش، وبإيرادها الألفاظ الصريحة الدالة على المكان، إلا أنها تبطن فكرة أن السوريّ إذ ينظر في مرآته الجديدة يرى نفسه فلسطينيّاً. يحضر اللفظ الصريح، الحاضر أكثر من أي وقت مضى، في قصيدة للقمان ديركي: «لا عنوان لك/ لا أعرف كيف إليكِ أهتدي/..أركض لاهثاً نحو شعاعك /ألمسه ويفلت/ونركض معاً /أنتِ بعيدة قريبة/… تغمرينني ببياضكِ أيتها الحرية/ أتنعمُ بكِ/ كم هو جميل ملمسك/ِ وكم هو رائع جواركِ/ تمتعتُ باللحظة التي استفردتُ فيها بكِ/ رغم لهاث الجميعِ إليكِ/ تزوجتكِ/ وأفلتكِ طليقة/ كما يليق باسمكِ». مع ذلك، لا يمكننا القول إن الشعر الجديد بسيطٌ غنائيّ، ولو أنه بدا كذلك، فما يميّزه طزاجة القول والتقاط المفردات والمشاهد التي أضحتْ متواترة في الإعلام، أي إن الجديد هنا، يتمثّل في تفاعلٍ السوريين المباشر مع المخاض العظيم الذي تمرّ فيه البلد، كما لو أن الخروج من «الأسوار» واقعاً ومجازاً، يبدّل المزاج الذي ارتاح حدّ الركود في جماليّات مستهلكة. إزاء الجديد ـ كانكسار حاجز الخوف – يقول فارس البحرة مثلاً: «وعندما أقول أراني واقفاً قبالة البندقية لا أهاب الموت/سيوصف كلامي بالمبالغة/لكنني أعرف أنني أفقد الخوف أحياناً تماماً، وأكون صادقاً كمعنى الكلام الذي أقوله آنذاك/وأني الآن أعني ما أقول». لكنّه يجيد أيضاً أن يؤنّب جيلاً ينتمي إليه: «قد لا تجد ضالتك عندي/ فقد بدّد جيلي أوقاته/محنيّ الظهر/يذرع الأرض الجدباء/ خائفاً على حياة/لا يحبّها». أمّا علي جازو فيقترب أكثر من مفردات المشهد الجديد، متأنيّاً يبني الجمل في قصيدة عن الجنود: «بلا رأفةٍ، سُحِبْنا في الظلام/ أطيافٌ هزيلةٌ مدّت مرافقَها إلى أكتافنا/.. فُصِلَتْ أرواحُنا عن أقدامنا،/ كما تُنزَعُ الخواتمُ من أصابع القتلى/ فقراءٌ مثلنا جبناءُ صفعوا أفواهنَا وخدودنا،/وإلى ساحات العذاب جُرَّتْ أطرافُنا الميتة/ أغلَقْنا عيوناً لا تشبه نظراتنا». تفصح هذه القصيدة أكثر من غيرها عن قوّة النثر الإيحائية المتسرّبة من خلال سردٍ «متقطّع» -إن جازت الاستعارة هنا من أمجد ناصر-، فالجمل الثلاث الأولى مرتاحة في سردها ونثرها وإغفالها لضمير الفاعل، بيد أن الصورة الشعريّة التي تليها، تشحنها مجدّداً بمعانٍ خفيّة، وتزاوجها بالجمل التي تليها ويرد الفاعل فيها، على نحوٍ تبدو فيه الجملة الأخيرة إيجازاً لوصفِ حال «بعض الجنود» في بلد «الأسوار». أسلوب جازو في رصف القول الشعريّ يستند كذلك إلى المباغتة، ففي قصيدة أخرى يكتب: «انفصلْنا إلى الأبد،/وصارتِ العزلةُ خبزَ حياتنا/لكنّه الموتُ، فاتناً ومدوخاً،/يجذبُ واحدَنا إلى الآخر». فالموت الجاذب ليس إلا صورة للقتل بين الموَّحدين في «نا» الجماعة، المفترقين حتماً إلى واحد وآخره بعد الموت. ولعلّ هذا التمزّق / الانفصال، يبدو بصورة أكثر تلقائية في قصائد عارف حمزة، الذي يشكّل المعاني قصيدة قصيرة فأخرى، إذ إنه شاطرٌ في إخفاء استعارات كبرى، تتسرّب إلى القارئ عبر «أنا» الشاعر الفردية، لكنها تنعطف بغتةً في داخل القارئ لتغدو أقرب إلى «أنا» الجماعة، الأمرُ الذي يضمن لعارف قرب مأخذ قصائده التي لا ينقصها عمق أو جمال: «قبل أن تقتلني الرصاصة/قبل أن تنفجر القذيفة في وسط بيتي/أريد لمَن أطلقها أن يقول لأطفاله: صباح الخير/عشرات المرات في اليوم/كما كنت أفعل مع أطفالي/وما عادوا يسمعونها بعد اليوم» .أو «لا تخف/لا تخف مني على الأقل/إذا طاوعك قلبك بتمزيق جسدي هكذا/فلماذا ارتعدتَ/ عندما لمحت قطرة من دمي/ على إصبع طفلك؟». ففي المقطعين السابقين، لا يصف عارف من يخاطبه، لكنه يصف فعله، وإذ بدا متوقعاً أن يصف أثر ذلك في نفسه هو، التفت فجأةً إلى أثر ذلك في مخاطبه ذاته. على نحوٍ تبدو فيه اللغة البسيطة التي يكتب بها، محمّلة بإشارات وعلامات، يعرفها السوريّ، وتدلّ عليه بدقّة آن يقرأها الآخرون، تميّزها المباغتة والنثر البسيط: «نجلس كتماثيل من الدموع/نراقب الحياة/وهي تلاحق الناس بالسياط». تظهر هذه المقاطع لا خفوت الصوت بل انكساره، وللنبيه أن يرى في قصائد عارف أبداً مفردات دالّة على العنف، تتجاور مع حياة كانت هانئة، مفردات عنيفة تشيرُ من طرفٍ خفّي إلى أثرها المباشر على صوت الشاعر المكسور، خِلافاً لذاك الصوت العالي الذي بدأ الشعراء السوريون حداثتهم الشعريّة به. ولا يحتاج الأمرُ ذكاءً ما ليجس أثر سليم بركات في قصائد أخرى تأتينا من الشمال، يكتب نارت عبد الكريم: «مُذْ ذاكَ فسختْ الأرضُ كل جبالها وابتلعتْ ثلوجها البيضاء، حيثُ كان النسرُ يولِمُ لأفراخه حيتاناً زرقاء وأكباد القنائصِ ذات الدم البارد وعيون الآيائلِ مطبوخةً بأرحام الأفاعي». وربما تكمن ميزة التأثّر ببركات في تشذيب بناء القصيدة، فالصور المتراصة والجحيمية تتكئ على جملٍ طويلةٍ تميل نحو السرد من دون الغوص فيه. هذا التدريب على البناء، تظهر نتائجه أوضح في قصائد أخفّ صوراً لا جحيماً بالطبع: «في درعا/نساءٌ بلا أطفال/وأطفالٌ بلا نساء/وثمةَ قبورٌ بلا شواهد/ وشواهد بلا قبور/وثمةَ ما يشبه الميعاد/يركض بلا توقف/ يدور حول سياجٍ من جماجم/ كيف ذلك؟/ صرخَ بي جدولٌ من دم/أيجمعُ كرياتي كعقد لؤلؤٍ/أمْ يضم العيون كمسبَحةٍ/ ذلك السجان؟». وتظهر نتائج التدريب أيضاً في انتباه نارت لتوزيع سطور قصائده: «لا أجنحة لي ولا دروبَ سالكة/ فخذيني يا ابنة الأزهار/… ها أنا أكيلُ الماءَ بالماء/وأزيدُ على النغمات صوتاً لم تألفه الأغصان/مذْ جاء الخريف هذا العام مرتوياً بالدماء قبل المطر». وإن كان ممكناً جس نبض سليم بركات لدى غير ما شاعر سوريّ، يبدو جولان حاجي أكثر اتقاناً لإخفاء مصادر إلهامه، فهذا الشاعر يتفرّد في طريقة بناء قصيدته، قِوامه مزجٌ رهيفٌ بين صور شعريّة لا ينقصها خيالٌ واسع، وسرد خفيفٌ يتكئ على مشاهد شبه صامتة، على نحوٍ يبدو فيه صوت «أنا» الشاعر، متواريّاً وراء مشهد قياميّ، يتكشّف جملةً جملةً، يشدّ البناء المكين الذي لا يُمكّن النقد ـ ولو من سبيل التمثيل ـ حذف أي سطرٍ منه، فجولان ينتبه أيضاً إلى دور توزيع السطور في ضخّ قصيدته بإيقاعٍ شبه ملحميّ: «لم تكنْ هناك، هذا الفجر،/حين أطلَّ المرضى والركابُ والجنود/برؤوسٍ صلعاء وحليقة/مثل أكواخٍ معتمة في نوافذ بعيدة/ ضبابٌ خفيف لم يمكثْ طويلاً/عبَرهُ الصبيُّ أمام بوّابةِ المستشفى/حيث وجدَ مسدساً ملقى على العشب/ لم تكن هناك/الآن، أنت قصةٌ تُروى في مكانٍ لستَ فيه/ حلقك، صندوقُ الألم،/مليءٌ بالعظامِ والريش/وفي بياضِ عينك/بقعةُ دمٍ صغيرةٌ وصدئة/كشمسٍ تغربُ في البعيد/فوق حقلٍ من الثلج/داسَتْهُ أرتالٌ طويلةٌ من الجنودِ الجوعى». يتميّز جولان كذلك في قدرته على رفد قصيدته بلغة إشارية، فإن كان المقطع السابق، ينسجم مع جوّ المقال، ويشيرُ إلى بلد «الأسوار» من دون أي لفظٍ صريحٍ، ولا أي كناية شهيرة تدلّ عليه، فإن قصيدة أخرى تُظهر شغله اللغويّ في ما يخصّ انزياح المعنى العامّ من قصّة شخصيّة وهموم فرديّة صوب قصّة يستطيع القارئ التماهي مع صوتها المضمخّ بنفسٍ ملحميّ كسير الصوت: «إن عدتَ إلى أمّك حيّاً/سترى قطرةَ الوشم زرقاءَ كالعطر،/سترى الفم/شقوقَهُ الدامية/الأسماءَ متقشِّرةً عن شفتيهِ المملَّحتين،/ستسمعُ اللسانَ الذي أنزلَ الله/ليشمَّ بقايا الأرق في زوايا الغرف/ستعود/جائعاً كفكرةٍ تخشى أن تموت/وإذا فتحتَ أيَّ باب،/لتطمئنّ أو تغادر،/فتحتَ الحيرة/ستدنو المرآة وتعلو/كعدوّين قديمين/ستحدّقُ عيناك في عينيك». فالمخاطبُ في القصيدة هو البعيد عن أمّه، يحلم بالعودة إليها، لكنّه يتأنّى في التعرّف على مشاعره المختلطة إزاء بابٍ ينفتح لا على الشخصيّ فحسب، بل على ما هو أعمق، إذ إن ملمحاً فلسفيّاً يمتدّ عند كل سطر ويطلّ عند نهايتها. ومع ذلك، لا يسعنا القول إن هذه القصيدة ذهنية باردة مثلاً، فالعمق فيها مغلّف بصور زاهية ومبتكرة، ونَفَسها الملحميّ يُسلس القياد لقارئ يتماهى معها بعد قراءة متأنيّة غير عجلى، قراءة تنتبه إلى قوّة بناء القصيدة في إنشاء لغةٍ إشارية، فقد يقول سوريّ ما أنا المخاطب المقصود فأنا جنديّ أشتاق إلى أمّي، وقد يقول سوريّ آخر أنا المقصود فالشمال البهيّ الطالع من أثر بركات يشبه مكاني بجهاته كلّها، فهو الذي يجمع الفردوس إلى الجحيم، وإذ اقترن المتناقضان ثانيةً، سُمع الصوت المكسور المجرّح في الشعرِ السوريّ الجديد.

(كاتبة سورية)

السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى