صبحي حديديصفحات مميزة

سنة على الانتفاضة السورية: أضاليل ‘أرباح’ النظام


صبحي حديدي

إذا جاز الاختلاف في الرأي حول ميزان الأرباح والخسائر بين الشعب والنظام، في حصيلة سنة من عمر الانتفاضة السورية، فإنّ الوقائع الملموسة على الأرض تتمتع باستقلالية عظمى في ترجيح كفّة الحقيقة، وهي تالياً لا تتيح رفاه السفسطة والجدال: بين ما فعلته وتفعله أدوات بطش النظام، في مدن ومناطق مثل درعا وريف دمشق وحماة وحمص ودير الزور واللاذقية، وما استخدمته من صنوف الأسلحة الثقيلة كافة؛ وما حصدته من نتائج هزيلة على صعيد وأد الحراك الشعبي، وإعادة زرع ثقافة الخوف في نفوس السوريين. ليس من اللائق، هنا، تفعيل سجال بين رأي ورأي آخر، حول الرابح والخاسر بين فرقة نظامية خاصة، لا تشبه في تسليحها وامتيازاتها وتركيبها، أية وحدة عسكرية على وجه الكون، وبين شارع شعبي، سلمي، لم يحمل أي سلاح، خفيف أو ثقيل، أبيض أو ناري، حتى هذه الساعة (إذْ أنّ كتائب ‘الجيش السوري الحرّ’ حكاية أخرى، ومعظمها لا يسلّح المتظاهرين بقدر ما يحاول حمايتهم، خاصة في التجمعات السكانية الواسعة).

كما يتوجب، عقلياً على الأقل، أن يُسقط المرء مبدأ النسبية من الميزان ذاته، لأنّ إقامة تناسب من أي نوع بين تعاظم التظاهرات يوماً بعد يوم، في خطّ متصاعد من حيث العدد والتنوّع والنطاق الجغرافي، لا يتناسب البتة مع اشتداد طرائق النظام الوحشية، والهمجية الصرفة، في محاولة كسر هذا الإيقاع. فليس من مقدار نسبي هنا، في توزيع حصص الانتصار أو الانكسار بين الشعب والنظام، لأنّ اتساع الحراك الشعبي، ضمن هذه السياقات الشاقة من القمع والترهيب والقتل والاعتقال والحصار والقصف العشوائي والأرض المحروقة، هو انتصار صرف للشعب، لا يُنازع. في المقابل، فإنّ عجز أجهزة النظام المختلفة، من الوحدة العسكرية إلى المفرزة الأمنية وقطعان الشبيحة والميليشيات، عن تضييق خرائط الاحتجاج، رغم كل ما اعتُمد من خيارات قصوى لم تحرّم جريمة ولا مذبحة ولا حصاراً، أياً كانت العواقب الإنسانية أو السياسية أو الوطنية، هو هزيمة صرفة للنظام.

فما الذي يتبقى في الميزان من ‘أرباح’ للنظام، إذْ لا مفرّ من أن يكون قد كسب في هذه الجولة أو تلك، واستغلّ ورقة هنا وأخرى هناك، وإلا ـ يقول قائل، بحقّ ـ فكيف تمتّع بدرجة عالية من التماسك الداخلي، ولم تتعرّض مؤسساته المختلفة لانهيارات من أي طراز؟ وإذا صحّت، وتتضح صحتها كلّ يوم، تلك الخلاصة البيّنة التي تشير إلى أنه لم يفلح في حسم المعركة ضدّ الشعب، ولم تنقلب خساراته إلى مكاسب، فما الذي جعل النظام يصمد طيلة عام كامل؟ وأخيراً، هل يجوز الحديث عن وصول الوضع في سورية إلى صيغة ‘لا غالب ولا مغلوب’، كما يعتبر الكثيرون، بحيث أنّ النظام لم يسقط، والانتفاضة لم تنكسر؛ وما هي آفاق المستقبل إذاً، وفي صالح مَنْ يسير الزمن، وما الذي سيتبدّل في موازين القوى الداخلية، أوّلاً، وتلك التي تتقاطع مصالحها حول الملف السوري عربياً وإقليمياً ودولياً؟

والحال أنّ ‘أرباح’ النظام ليست سوى تلك الثمار ذاتها التي توجّب أن تطرحها خياراته في مواجهة الانتفاضة، ولا سيما اعتماد الحلّ الأمني العنفي المباشر في المقام الأوّل، ثمّ رفده بسلسلة مخططات خبيثة لتفريق الصفّ الوطني، والترهيب من الحرب الأهلية والطائفية، ومحاولة افتعال الشرارات التي يمكن أن تؤدي إلى اندلاعها، وتهويل احتمالات عسكرة الانتفاضة، وتضخيم موقع المكونات الإسلامية المتشددة داخل صفوفها، وتدبير أعمال إرهابية تُنسب إلى ‘القاعدة’، وإثارة هواجس الأقليات… فضلاً عن تغطية هذا المناخ، كلّه، بأكاذيب ‘الإصلاحات’ السياسية التي تستهدف ذرّ الرماد في العيون. ‘أرباح’ النظام هي، في اختصار بسيط، مزيج من ارتكاب الجرائم وإشاعة الأضاليل، في غمرة يقين مركزي لم تتزحزح عنه الطغمة الحاكمة: إمّا نحن، أو الطوفان!

على سبيل المثال الأبرز، كان النظام قد أدرك منذ اليوم الأول أن اعتماد الحلّ الأمني العنفي المباشر، بما انطوى عليه من فظائع تقشعر لها الأبدان، خاصة في اغتصاب النساء والصبايا، وتعذيب الأطفال والتمثيل بجثثهم، سوف يفلح ذات يوم في جعل بعض السوريين يبحثون عن السلاح، أي سلاح، دفاعاً عن النفس. ولقد حدث مراراً أنّ صواب النظام طاش أكثر، حتى بلغ مستوى السعار والجنون، لأنّ هذا المخطط لا يتحقق بالسرعة التي ينتظرها، ولم تتلهف غالبية من السوريين على اقتناء السلاح، واستخدامه على أي نحو، سواء ضدّ عناصر أجهزة النظام، أو أهلياً بين مواطن معارض وآخر موالٍ. ومجموعة المجازر، التي ارتُكبت هنا وهناك، وفي حمص وجبل الزاوية بصفة خاصة، نفّذتها أجهزة النظام ـ وحرصت على تسريب أشرطتها، والإبقاء على جثث ضحاياها، بل وتعمّدت ترك شهود عيان يسردون أهوالها ـ لكي تنقلب إلى مادة تحريض موثقة، تُلهب النفوس وتدفع الناس إلى حمل السلاح وطلب الثأر.

المستوى الثاني، العجيب والمحزن، من هذا الطراز في ‘الأرباح’، هو ذاك الذي يكسبه النظام من طرف غير منتظَر، أو بالأحرى لا يُنتظَر منه ـ في المنطق البسيط، على الأقلّ ـ إلا أن يُلحق بالنظام الخسائر، لا أن يُكسبه المغانم. هذا الطرف هو بعض شرائح ‘المعارضة’ السورية، التي سرعان ما انقضت على حكاية تسلّح أفراد من المواطنين، فاعتبرت أنهم حرفوا الانتفاضة عن مسارها، بل خانوا مبدأ السلمية والنضال بالصدور العارية المفتوحة وحدها. هؤلاء انتظروا من المواطن السوري أن يبقى في حال ملائكية طهرانية مطلقة، مكتوف اليدين، نقيّ المشاعر، طيب القلب… وهو، مثلاً، يدخل إلى بيته فيبصر ابنته مغتصبة، وطفله قتيلاً مشوّه الجثة، وزوجته مصلوبة على نافذة، وجدران بيته كُتبت عليها عبارة ‘إما الأسد أو لا أحد’!

طراز ثانٍ من ‘الأرباح’ يدور حول احتمالات الحرب الطائفية، وخاصة بين غالبية السنّة في صفّ، وغالبية الأقليات المذهبية والدينية في صفّ آخر؛ بحيث يبدو النظام حامي الأقليات وضامن حقوقها وحافظ وجودها من الانقراض، وتبدو الانتفاضة في موقع الطرف النقيض الذي لن يستأثر بسورية ويلتهمها لقمة سائغة فحسب، بل سيمارس فيها صنوف ‘التطهير’ المذهبي والعرقي. ليس هنا المقام المناسب للخوض في تفاصيل هذه المسألة، الشائكة المعقدة التي لا يجوز اختزالها إلى صياغات تبسيطية شعبوية، ولكن لا مناص هنا أيضاً من العودة إلى ذلك المواطن السوري الذي يُراد منه أن يكون أقرب إلى الملاك في مشاعره، بصدد مسؤولية بعض أبناء الطائفة العلوية عن فظائع النظام. فإذا زلّ لسانه هنا، أو عبّر عن حسّ طائفي بالفعل ـ مرفوض ومدان لا ريب، ولكنه ليس بكثير على بشر من لحم ودمّ ـ فإنّ الطامة الكبرى تكون قد وقعت، وصارت الحرب الأهلية على الأبواب، قاب قوسين أو أدنى!

هنا أيضاً، أن يصدر هذا السلوك الغوغائي، الديماغوجي التضليلي بامتياز في الواقع، عن دوائر النظام وأجهزته وأشياعه، ليس داخل سورية فحسب، بل خارجها أيضاً؛ أمر لا يدعو إلى كبير استغراب، إذْ أنّ عدم صدوره هو الغريب العجيب. ولكن أن يصدر عن بعض أطراف ‘المعارضة’، بصرف النظر عن خلفيات القائل الطائفية أو الدينية، اتكاء على وقائع فردية معزولة، تلقائية أو غريزية تخصّ العلاقة بين الفعل وردّ الفعل، أمر يصبّ المياه في طواحين النظام، بل يُكسبه مغنماً من حيث لا يحتسب مهندسو إشعال الحرائق الطائفية! وليس جديداً التشديد على أنّ النظام طوّر طرائق عديدة في تنفيذ هذا الخيار الخبيث، وتعمّد وضعه ضمن سياسة أعرض ذات أغراض داخلية وخارجية، تمتزج فيها عناصر إخافة المواطنين من كوابيس حرب أهلية بين الطوائف والمدن والبلدات والقرى، وإخافة المواطنين من بعضهم البعض، وإخافة الخارج الإقليمي والدولي من مغبّة ما ينتظر سورية من أخطار التقسيم والتفتت. ولقد حدث أن تنطح لترهيبنا، نحن السوريين، أشقاء عرب ‘ممانعون’ و’مقاومون’ ذرفوا دموع التماسيح على استقرار سورية ووحدتها الوطنية، حتى كاد البعض منهم أن يطالبنا بتأجيل الانتفاضة بضع سنوات… حتى تنقضي الأخطار المحدقة ببلدنا وشعبنا! وبالطبع، لم نعدم ‘أخصائياً’ عبقرياً مثل الباحث الأمريكي جوشوا لانديس، المطبّل للنظام على نحو تعجز عنه أبواق السلطة ذاتها، يحذّر من أنّ سورية لم تكن موحّدة في أيّ يوم، وأنّ انقسامها إلى طوائف وإثنيات ناجم عن تشرذم حدودها بين الدول!

طراز ثالث من ‘الأرباح’ هو ذاك الذي يتساءل عن السبب في تماسك مؤسسات النظام حتى الساعة، وعدم وقوع انشقاقات دراماتيكية على مستوى عالٍ في مختلف أجهزة السلطة، المدنية أو الحزبية أو العسكرية أو السياسية. الجاهل بطبيعة النظام السوري يُعذَر جزئياً، حين تفوته حقيقة أنّ أي انشقاق لمسؤول كبير سوف يستتبع قيام الأجهزة بنشر غسيله القذر على الملأ، لأنّ الغالبية الساحقة من هؤلاء هم لصوص فاسدون، أجراء صغار أو كبار عند شبكة المافيا التي تنهب سورية منذ أربعة عقود ونيف. أمّا ابن البلد، السوري، سليل هذا الفريق أو ذاك في ‘المعارضة’، فكيف للمرء أن يعذره إذا اعتبر أنّ غياب الانشقاقات الكبرى هو الدليل على تماسك النظام؟ ومن ذا الذي يمكن أن ينشقّ، في نهاية المطاف، إذا كان أمره مستوراً وهو منضوٍ صامت تحت ‘خيمة’ النظام، في حين أنّ أولى نتائج انشقاقه سوف تكون افتضاح موبقاته جمعاء؟

طراز رابع يكسبه النظام من تلك الحماية الخاصة التي تمتّع بها على الدوام، ويتمتع بها اليوم أيضاً، المعلَنة بالنسبة إلى دول مثل إيران وروسيا والصين، والمبطنة بالنسبة إلى دول مثل إسرائيل والولايات المتحدة ومعظم دول الإتحاد الأوروبي. صحيح أنّ البعض من الحماة هؤلاء لا يتورّع عن رفع وتائر الضغط اللفظي على النظام، وتشديد العقوبات الاقتصادية على رجاله؛ إلا أنّ الثابت حتى الساعة هو اليقين بأنّ نظام بشار الأسد، بوصفه نسخة عن نظام أبيه حافظ الأسد، هو أهون الشرور التي يمكن أن يسفر عنها مستقبل سورية، بل هو الشرّ الأفضل كما برهنت تجربة 42 سنة. المصيبة ليست هنا، لأنّ السذّج أو الأتباع هم وحدهم الذين ينتظرون خير سورية من الجهات ذاتها التي ساندت نظام الاستبداد والفساد؛ بل في أنّ بعض أطراف ‘المعارضة’ يأخذ على أطراف أخرى أنها تنوي الدخول إلى دمشق، على ظهر دبابة أمريكية (الأمر الذي يوحي، ضمناً، أنه لا مشكلة في الدخول على ظهر دبابة إيرانية، مثلاً!).

هذه، وسواها، ‘أرباح’ لا تغادر نطاق الأضاليل، اقتات عليها النظام طيلة الأشهر الماضية، وسيفعل بعض الوقت أيضاً؛ إلى حين، قصير الأجل غنيّ عن القول، فالضلالة تذهب بريح المضلِّل، ما دامت لا تجد ضالتها في مضلَّل. ليست سورية في وضع عالق، وثمة حصيلة يومية لشعب غالب إزاء نظام مغلوب، والميزان للأبقى، الغالب. الكثير فات، ولم يتبقّ إلا القليل.

‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى