صفحات العالم

سوريا: حالة لعدم التدخل


جدعون راشمان

«ان أحداً هنا لا يستطيع ان يفهم لماذا يترك المجتمع الدولي حصول ذلك». هكذا عبّرت ماري كولفين، في مقابلة لها من حمص، قبل يوم واحد فقط، من مقتلها في قصف سوري.

كولفين، وهي مراسلة حرب شجاعة، وضعت اصبعها على معضلة متكررة في السياسات الدولية:؛ هل من الواجب على العالم الخارجي ان يتدخل لمنع القتل الجماعي للمدنيين؟

أولئك الذين يعاينون دائرة القسوة عن قرب، يميلون إلى التصرف مثل كولفين. فالناشطون في مجال حقوق الإنسان والصحافيون الذين يخاطرون بحياتهم لنقل قصص الأعمال الوحشية يلعبون دوراً حيوياً ونبيلاً. وكذلك يفعل البيروقراطيون الأقل بريقاً، والسياسيون الذي يجلسون بأمان في مكاتبهم على بعد آلاف الأميال، الذين يتوجب عليهم وضع جواب في الميزان، إذ يتوجب عليهم الموازنة ما بين الدافع الإنساني إلى التدخل، وواجبهم العام في التفكير بالتداعيات. فعليهم ان يطرحوا ليس فقط سؤال «هل بمقدورنا إيقاف القتل»، بل أيضاً «ما الذي سيحصل بعد ذلك؟». وعليهم كذلك ان يسألوا السؤال التالي «هل من المحتمل أن يؤدي تدخلنا لإيقاف شرّ ما، إلى استيلاد شرّ أكبر في المستقبل؟» وهو سؤال غير مألوف بطبيعة الحال. ففي حين يتعامل مؤيدو التدخل بناء على مطلقات أخلاقية، فان المتخلفين عنهم يتعاملون مع القضية بناء على نسبية أخلاقية، حيث يزنون الشرّ في ناحية بشرّ في الناحية الأخرى.

السؤال الرئيسي المتمحور حول التدخل الخارجي يدور حول ما إذا كان بمقدوره ترجيح كفة الميزان لمصلحة حلّ سياسي سلمي ومستدام، ولا يقتصر على ما اذا كان هذا التدخل كافيا لوقف القتل. ففي حال لم يرسُ هذا الحل، فان التدخل الأجنبي سيؤدي ببساطة إلى تأجيج الصراع.

في بعض الاحيان، نجح التدخل بصورة جلية. ذاك أنه بعد سنوات من الاستنكاف، نجح تدخل الناتو في إيقاف الحرب البوسنية. كما حقّق المجهود المحدود في تيمور الشرقية أهدافه. هذا وساهمت الحملة الأخيرة في ليبيا بصورة مؤكدة في منع وقوع مجزرة فظيعة في بنغازي.

وبرغم ذلك، يتبدى أمامنا، فور إلقائنا نظرة موجزة على الأخبار، أمثلة وافرة حول حالات تدخل أقل نجاحاً. اذ بعد انقضاء اكثر من عقد على تواجد قوات الناتو في أفغانستان، لا تزال هذه القوات تواجه حركة تمرد ملتهبة. الصومال، التي شكلت ساحة لفشل التدخل الأميركي في 1993، تشكل اليوم النموذج الأصلي للدولة الفاشلة. العراق غرق في بحر من الدماء.

ومن المحزن ان سوريا تبدو كبلد، حيث للتدخل الخارجي فرصة قوية كي يتجه نحو وجهة خاطئة. فنظام الأسد يتمتع بجيش قوي مشفوع بدعم محلي ودولي يفوق ما كان لدى القذافي في ليبيا. فإذا تصاعد الاقتتال في سوريا، يضحي احتمال الحرب الأهلية الطويلة أمراً لا يستهان به.

وثمة حقيقة أخرى غير سارة أيضاً، ففي خلفية عقولهم يجب على صناع السياسات الأجانب أن يزنوا السؤال التالي: «ما هو الوضع الذي لا يمكن احتماله؟»، فلو ان ما يحصل في سوريا شبيه بالهولوكست أو بحرب الإبادة الجماعية في رواندا (حيث زعم سقوط 800 ألف ضحية) فان حتمية التدخل ستتغلب في الحالة هذه، عن حق، على المخاوف من التداعيات. بيد ان عدد القتلى في سوريا حتى اليوم يبلغ حوالى الـ7 الاف قتيل ـ وهو رقم سيتزايد لا محالة. هذا الأمر مروّع. لكنه لا يبرّر حتى الساعة المجازفة بتحمل مخاطر جمة من خلال الانخراط في تدخل عسكري خارجي في سوريا.

رد الفعل العاطفي لا يشكل دوماً الجواب الصائب.

جدعون راشمان

ترجمة: حسن الحاف

financial times

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى