صفحات سورية

شطار الثورة السورية وتجار الشنطة السياسية


معن عاقل

منذ يومين سألتني صديقة من الداخل: هل تعتقد أن أوان انتقاد المعارضة بهذا الشكل حان؟ وذلك في إشارة منها للمادة المنشورة حول رسالة عبد الباسط سيدا إلى زورو.

وبعد تفكير وترو أجيبها الآن: نعم

أعتقد أننا انشغلنا جميعاً خلال المرحلة الماضية بإطلاق النعوت على نظام لا تحتاج ممارساته لا إلى نعوت ولا إلى تسميات ولا إلى توصيفات، هذا إذا لم يتحول هو نفسه إلى أقذع مذمة، ليتصور أي شخص نفسه يشتم بكلمة أسدي أو شبيح، ألا تتجاوز هاتان الكلمتان كل الشتائم الموجودة في أي قاموس، عدا أن تفسير المفسر هو اجترار لا معنى له.

هكذا، ركنا طوال الفترة الماضية النقد جانباً، وفي ظننا أننا نعطي الفرصة للقوى السياسية التقليدية والصاعدة للتبلور وتشكيل غطاء سياسي للثورة الشعبية، وللقيادات العسكرية أن تشكل غطاءً عسكرياً، وللحراك المدني أن يشكل صمام أمان لطابع الثورة ومستقبلها، لكن ما حدث هو أن الفساد بكل جوانبه أصبح جزءً من الحراك السياسي والعسكري والمدني، الفساد بشقيه المادي والمعنوي، ولم يستطع أحد أن يقدم ولو غطاءً لنفسه فما بالكم في تأمين غطاء لثورة، لم تستطع القوى السياسية أن تقدم برنامج عمل للحاضر والمستقبل مشفوعاً بآليات لتنفيذه، ولا أن ترسخ ممارسة سياسية أخلاقية ترتقي إلى مستوى الثورة، ولا سياسة عملية نفعية تحقق مكاسب للثورة، وتكاثر الأدعياء حول المائدة حتى قبل أن يوضع الطعام فوقها، وصارت المقدسات أكثر من أصنام قريش، وانتشر تجار الشنطة السياسيين في العواصم والبلدان، وأصبح التسول السياسي والانساني مهنة سورية بامتياز، وباسم الثورة بني هرم من التجار الجدد، تجار الحرب والأزمات، يجمعون الأموال في الخارج ويمررونها بالقطارة للداخل، وسادت ثقافة الشطارة الثورجية لتشكل أنماطاً جديدة من التفكير والسلوك.

هل حقاً أن تاريخ الاستبداد لمدة خمسة قرون أفرز كل هذا الزبد موضوعياً؟ أم أن هناك من يهمه أن يرسم صورة سوريا المستقبل على هذه الشاكلة ورغم أنف الثورة وثوارها؟

الإخوان المسلمون يعتقدون واهمين أنهم من فجر الثورة وأنهم ربان السفينة، دون أن يستطيعوا التخلص من عقلية مرجعية الجماعة لصالح مرجعية الوطن، وحزب الشعب يعيد تجربة التحالف معهم مستعيداً تجربة الثمانينات كما لو أن التاريخ يكرر ذاته، والنظام يستعيد سيناريو صراعه مع الإخوان، وهيئة التنسيق تتبنى الخطاب الوطني الممجوج في محاولة لتفعيل خطاب النخبة المهزوم في خضم الثورة الشعبية العارمة، لتبقى هذه الأخيرة سفينة شاردة، بلا ربان وبلا أشرعة، تتعرض للقرصنة من كل حدب وصوب.

لماذا لا ننتقد المعارضة؟ ألأن النظام يقتل ويدمر؟! أم لأنها استطاعت فعلاً أن تنجز شيئاً ما، أي شيء مهما كان ضئيلاً، على الأرض، يجعلنا نغض الطرف عنها؟ أليس الأجدر بنا من الآن فصاعداً محاولة وقف انحطاطها السياسي والأخلاقي أو دفع هذا الانحطاط إلى نهايته؟

منذ فترة قرأت النظام الأساسي للمجلس الوطني السوري، وتبين أن أعضاء الأمانة العامة والمكتب التنفيذي يختارون بالتوافق ولا أثر لشعار الديمقراطية والتعددية في هيكلية المجلس اللهم إلا فيما يتعلق بالإدارات واللجان ما دون الأمانة العامة والمكتب التنفيذي، أي” تتكون الأمانة العامة من تسعة وعشرين عضواً على الأقل تتم تسميتهم بالتوافق من بين أعضاء المجلس” و” يتكون المكتب التنفيذي من… تتم تسميتهم من بين أعضاء الأمانة العامة”، فكيف لمجلس لا أثر للديمقراطية في نظامه الأساسي أن يبني دولة تعددية ديمقراطية؟ كيف لمجلس تنخره الفضائح من داخله ولا يحرك ساكناً مستعيداً منطق النظام السياسي والإداري ذاته؟

هكذا يستقيل مطيع البطين من المكتب التنفيذي “بسبب بقاء عشرين مليون يورو لدى المجلس بينما الشعب على حد زعمه بحاجة للقمة العيش، وبسبب وجود أشخاص في المكتب التنفيذي لا يريدون العمل ولا يريدون لغيرهم العمل وخص بالذكر أحمد رمضان، ولأن الهيكلة المزعومة للمجلس ستعيد الوجوه ذاتها للمكتب التنفيذي، وبحسب تعبيره هيكلة وانتخابات بمقاييس تكرر الوجوه السابقة، وأخيراً بسبب تهميش المجلس لما يسمى الحراك الثوري الذي يدعي البطين أنه السبب في إعطاء المجلس شرعيته”، لكنه لا يلبث بعد أقل من يومين من تمسحه بالشعب الجائع والثورة المباركة أن يعود عن استقالته، ربما لأن العطار أصلح في يومين ما أفسده الدهر، أو لأن مساومة ما حصلت، وأعتقد كي لا أظلم البطين أن العطار كان ماهراً.

وكذلك حدث الأمر ذاته مع السيد أديب الشيشكلي الذي جمد عضويته في المجلس تمهيداً للاستقالة سارداً خمسة أسباب جوهرية كل واحدة تكفي إن صحت ليستقيل المجلس كله من العمل السياسي، إذ جمد عضويته ” بسبب فشل إمكانية إصلاح آلية عمل المجلس وإعادة هيكلته، واصطدام محاولات التغيير داخله بحائط مسدود بسبب هيمنة بعض الأطراف عليه… ومثلاً أن الأمانة العامة التي أجرت أخيراً انتخاباً في روما إنما كانت قد تشكلت بصورة توافقية وليس بانتخابها من الهيئة العامة للمجلس، وليس معروفاً كيف تضخمت عضويتها بحشر المؤيدين لهذا الاتجاه أو ذاك الشخص فيها، من دون أي انتخاب… إلخ، وبسبب عدم قدرة الإدارة الحالية على جعل المجلس مشروعاً مؤسساتياً يجمع مختلف أطياف المجتمع السوري ويمثلها، وبسبب تقاعس الإدارة الحالية عن إنشاء آليات للرقابة المالية والافتقار إلى المساءلة وانعدام الشفافية في تسيير أعمال المجلس، وبسبب عجز الإدارة الحالية عن القيام بأي تنسيق حقيقي مع الجيش السوري الحر، وبسبب العجز عن تقديم أي مساعدة تذكر للاجئين السوريين في الخارج، باستثناء زيارات الصور التذكارية…” لكن الشيشكلي ليعود عن تجميد عضويته اكتفى فقط، وفقط بتصريح من الدكتور برهان غليون أنه سيعيد المجلس إلى مسيرته الأصلية كنموذج للمشاركة السياسية والتمثيل الديموقراطي وتلبية تطلعات وآمال الثورة السورية.

المصيبة أن آلام وآمال الشعب السوري تحضر كلها في الاستقالات والعودة عنها، كما لو أنها مطية أعضاء المجلس الوطني الذي لم يبق طفل في سورية إلا ويعرف أنه أصبح مثار سخرية حتى ممن عملوا فيه، والمصيبة الأكبر أن أسباب الاستقالات إن دققنا فيها سنجد أنها هي ذاتها الأسباب التي دفعت الشعب السوري للثورة على نظامه، استبداد ومافيات وفساد تحت شعارات براقة الثورة والشعب والشهداء، وعندما تحدث فضيحة لأحد أفراد المافيا تجابه بالصمت المطبق لأن القوانين لم تصغ للمحاسبة وإنما لخرقها وتمرير أي شيء عبرها، ومن يدري ربما سيعيد هؤلاء بعد فترة تفعيل أجهزة استخبارات جديدة وقد يلجؤون إلى الاغتيال السياسي.

قائمة المستقيلين من المجلس ليست قصيرة وكلها تلف وتدور حول الأسباب ذاتها، وهنا أريد أن أسأل: إذا كان المجلس فشل في تشكيل ثقافة وممارسة سياسية نقيضة وفشل في صياغة إطار مؤسساتي وقانوني نقيض وفشل في إنجاز المهام التي طرحها هو على نفسه، وفوق ذلك يتبع أساليب النظام ذاتها في معظم ممارساته بما في ذلك الفساد، تماماً كما فشل النظام في إدارة البلد وفشل في مواجهة الثورة وفشل في الإصلاح، فلماذا يستمر في سياسة الانكار ذاتها التي يتبعها النظام، ولماذا لا يعلن إفلاسه مرسخاً على الأقل بادرة إيجابية واحدة، ألا وهي بادرة الاعتراف بالفشل؟!!!!!!

أجل يا عزيزتي آن أوان نشر الغسيل القذر لمعارضة سياسية تحولت من داعمة للثورة إلى متاجرة بها، من نواة للدولة القادمة النقيضة، إلى مولدة للدولة القائمة بلبوس جديد، وها هو حزب الشعب حليف الإخوان يكتب في بيان له: “يؤسفنا كثيراً أن نوجه ملاحظاتنا وانتقاداتنا لمعارضة الخارج المنحازة والداعمة للثورة, وخاصّة المجلس الوطني السوري, الغارقة في تناقضاتها والراكضة وراء مصالحها الضيقة, في الوقت الذي يحتدم الصراع مع سفاحي سوريا ومدمّري مدنها”

وأنا يؤسفني أن أقول لك يا عزيزتي أنني لن أركب أمواج الثورة، وإنما فقط، وفقط، سأمارس عملي المهني كصحفي، ولن أوفر نقداً لأحد يستحق النقد، لأن الثورة سائرة في طريقها، رضي من رضي، وأبى من أبى، ولن يزيدها وجود مجلس وطني، ولن يخمدها تحلله، ولن يزيدها نقد المتطفلين عليها إلا توهجاً.

كلنا شركاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى