صفحات سورية

عنوان المادة: أين هي الطائفية حقا؟!

 


نور سامي

إن شبح الطائفية يطاردنا عند كل منعطف ومعشش في وعينا ولا وعينا منذ نزاعات لبنان وأحداث الإخوان وانقسام العراق.. وربما في حقب تاريخية أقدم عند فترات التوتر السياسي والإقتصادي التي تتجلى في عنف بين الطبقات تارة وبين الجماعات الدينية تارة أخرى. نخاف من الطائفية.. ونخاف من مفاهيم تتعلق بها كاستبداد حكومة دينية تفرض هيمنتها على نمط حياتنا. نخاف من أننا سننجرف إلى دوامة عنف بين الجماعات الدينية والثقافية، ومثل العراق ما يزال حاضراً.

هذا الخوف المقيم في أرواحنا.. وعندما أقول “نخاف”.. من يخاف فعلاً؟ ولماذا؟ ومالذي يؤدي لهذا الخوف؟ ومن المسؤول عن ذلك؟.. هل هي تركيبة المنطقة؟.. هل هم الإخوان؟.. هل هم الجماعات السلفية التي تلقى دعماً من كل طرف نربطه بالشر، كإسرائيل وأمريكا ووهابية السعودية وساستها (ممثلين ببندر) والإخوان وحركة فتح وعملاء المعارضة الذين “باعوا وطنهم”؟.. من وماذا تحديداً؟.. إننا نادراً ما نسأل هذه الأسئلة، ونفترض أن الطائفية واقع مفروض وقائم، وكأننا لا نصنعه بأنفسنا، وكأنه ليس ناتج عن عقليتنا وتصرفاتنا.. وكأننا مشلولون وليس لنا القدرة على المساهمة في تغييره!.. إن نقطة انطلاقي الأساسية التي أعتمد عليها في نقاشي هي أن الطائفية ليست واقعاً منحوتاً في الصخر وليست مسألة خارجية عنا، بل هي مفهوم متغير مرن ننشئه بأنفسنا ونغيره، وهو متوضع في عقليتنا وشعورنا.. إنه ليس خارجياً، بل هو داخلي في كل منا ويتبدى من خلال تعاملاتنا.

إن ما أريد المحاججة له هو التالي:

1- إن واقع المنطقة لا يعني ضرورة انجرافنا إلى عنف طائفي في حال تغيب نظامنا الحالي

2- إن الأمثلة الحاصلة في تاريخنا المعاصر لا تعني أننا طائفيون بطبعنا

3-  لعل حكومتنا استطاعت كبح مظاهر العنف والتطرف، ولكنها لم تساهم أبداً بإيجابية في حل جذور المسألة التطرفية والإختلاف، بل غذتها وفاقمتها وساهمت في التفرقة الطائفية

أبدأ من النقطة الأولى. فنحن محاطون بأمثلة تدل على تخلخل وانفصال وعنف طائفي، ولبنان والعراق أقربها وأهمها. ولكننا نتناسى دائماً أن مسببات ذلك لا تقتصر على النزاع الديني، بل يتضمن أيضاً تنازعات سياسي وسلطوية واختلافات اجتماعية ناتجة عن امتيازات تُعطى لجماعات على حساب أخرى لدعم الصراع. ففي العراق تجلى (وفي مراحل مختلفة) صراع الحكومات الإيرانية الأمريكية، والعراقية الإيرانية، والسورية الأمريكية، والخليجية الإيرانية.. وإن تبدى ذلك على شكل صراع طوائف دينية فهو تسطيح للمسألة، فهو أولاً صراع سلطوي سياسي، ويأخذ طابعاً دينياً لإضفاء الشرعية عليه وتجييش القاعدة الشعبية. هذا المثال يبين أن المسألة أعمق من مجرد صراع ديني مبني على الإختلاف الفكري بين الجماعات، وأننا نتجاهل العوامل الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي تلعب دوراً هو الأكبر في نظري.

الشق الآخر هو أننا ننسى أمثلة عن التسامح الديني والتآخي والتي كانت حاضرة في المنطقة في العديد من المناسبات.. ننسى أن المنطقة متعددة دينياً منذ ألفيات عديدة.. نسى لجوء الأرمن في القرن الرابع عشر وبداية القرن العشرين وتعايشنا المشترك.. ننسى أن الكنائس والجوامع جنب إلى جنب.. وكل ذلك لم يحصل في ظل قيادتنا الحكيمة، فهي لم تخترع التعددية ولا هي أوجدت تنوعنا.. لكننا متنوعون ومتعايشون منذ وعينا المبكر. ومجرد زوال أباطرتنا الحاليين لا يعني انجرافنا في دوامة العنف الطائفي، فإن كان بإمكاننا العيش سوية سابقاً فيمكننا العيش سوية الآن.

آتي هنا إلى النقطة الثانية، وهي معاينة بعبعنا الأكبر، وهو خطر الإسلام السياسي والسلفية والإخوان وما نذكره عن أحداث الثمانينات. أريد أن أدعو هنا للتمييز بين التطرف العنفي والطائفية. فالطائفية تدل على انقسام عميق ضمن المجتمع بناء على الانتماء الديني أو المذهبي أو الثقافي (أو كلها مجتمعة)، أما التطرف فهو مرتبط بالمبالغة ضمن جماعة معينة نحو رفض الآخر وهو غالباً يمثل أقلية ضمن تلك الجماعة. إني أرى العنف الذي قامت به جماعة الإخوان في الثمانينات ينتمي للتطرف. فليس كل المسلمون سنة، وليست كل السنة تدعو إلى مساهمة الدين في السياسة، وليس كل الذين يريدون رؤية دور الدين في السياسة يؤيدون الشكل الكلي الشامل للإسلام السياسي الذي يرفض الآخر، وليس لك أولئك يدعمون العنف ضد الآخر. إن وجود جماعة متطرفة عنفية صغيرة وأقلية لا يعني أن المجتمع منقسم… مجتمعنا بأغلبيته الساحقة لا يؤيد العنف، ويريد العيش مع الآخر، ويدعم مبدأ أن كل على دينه الله بعينه، ويريد حرية الآخر في العيش والممارسة الدينية والثقافي. فلا معنى للتركيز على خطر التطرف (وإن وجد) ورسم الصورة على أنه انقسام داخلي في مجتمعنا، فغننا بذلك لا نعمل إلا على اختلاق هذا الإنقسام وصنعه وتجذيره في وعينا وفي لا وعينا ليتحول إلى رعب يشل اطرافنا.

هذا بالإضافة إلى أن التعامل مع خطر التطرف والعنف الناتج عنه لا يُحل بالقمع والتطرف المعاكس، وآتي هنا إلى النقطة الثالثة، وهي فشل قيادتنا في التعامل مع هذه المسألة. إن ما فعلته حكومتنا هو حل سطحي للمشكلة ولا يعالج أسبابها ويفاقمها. كل ما قام به نظامنا هو منع وقتل وسجن وتعذيب كل إسم له علاقة بالإخوان أو التطرف من قريب أو بعيد، وما أسهل هذا الحل. ولكن هل يحل ذلك المسألة فعلاً؟ أم أن ذلك التطرف ستتم تغذيته بسبب جور الدولة وستتم تقويته وربطه بقضية تحررية ونضالية.. إن كان التطرف ردة فعل على القمع والتنكيل، وينطلق من مبادئ النضال والتحرر من قبضة الإستبداد بعد وضعها في إطار ديني شرعي، فنحن لا نعمل إلا على زيادته إن نحن بالغنا في المنع والقتل والتنكيل.. هنا أشدد على أنني لا أدافع عن التطرف والعنف، بل أنقد طريقة التعامل معه. أقر ضرورة إزالة العنف بالقوة أولاً (وهي أولوية لأن أرواح الناس لا يمكن التهاون بها)، ولكن بعد ذلك يتوجب معالجة جذور المشكلة وهي القمع ومنع الحريات، وذلك بالإنفتاح والسماح للناس بالإختلاط والحوار والمشاركة في الحياة السياسية والإجتماعية، وممارسة حقهم في تقرير مصائرهم فلا يحتاجون إلى التطرف والعنف.

لم تقتصر قيادتنا البعثية الأسدية على الفشل في التعامل مع التطرف، بل أيضاً عزلت الجماعات الدينية والثقافية عن بعضها عن طريق عزل المجتمع ككل، حافظت على التوازنات السياسية عن طريق مبدأ إرضاء الأطراف ومنح الإمتيازات بدلاً من الحوار الوطني الفعلي. وهنا مثال بسيط من نظامنا التعليمي: هل نتعلم في مناهجنا أفكار ومبادئ الأديان الأخرى؟.. كيف لنا أن نتفهم الآخر ونتعاطف معه إذا كنا ومن طفولتنا معزولين ضمن من يدرس منهاج التربية الإسلامية، وآخرون يدرسون منهاج التربية المسيحية والذين لا يساهمون في حوار مشترك؟.. إن تغاضينا وتغاضي قيادتنا ومنع ذكر نقاط اتفاقنا واختلافنا ومناقشتها لا يساهم إلا ببناء صورة مظلمة عن الآخر.. ذلك الآخر الذي لا نعرف عنه شيئاً ونخاف منه ونعتبره تهديداً لنمط حياتنا ومعتقدنا وقيمنا… وتصبح الطائفية مفهوماً أكبر منا ونتصورها واقعاً أبدياً مستديماً.

إن مسألة الطائفية هي في عقولنا وناتجة عن جهلنا بالآخر، فإننا إن جلسنا وتحدثنا لأدركنا أن الآخر إنسان له طموح وأفكار وأحزان، وأن بيننا ماهو مشترك أكثر مما نتصور، وأننا نسعى كلنا للعيش واحترام حريات بعضنا و تحسين واقعنا. إن نظامنا لم يعالج مسألة الطائفية إلا بما يضمن بقاءه لاستخدامها كورقة ذهبية تدعم شرعيته داخلياً ورسمه على أنه يحفظ استقرار بلد يعج بالمتطرفين الذين لا يريدون إلا قتل الآخرين وإقامة خلافة إسلامية. علينا أن نخرج من هذه الدوامة وندرك أننا أصحاب القرار في مسألة التعايش.. نحن بأفكارنا وتساندنا من نساهم لبناء مجتمع متآخ ونحن من نقرر إن كنا نريد الإنعزال مع الآخر أم حواره، وإن مسألة ترك ذلك للدولة لتقرره نيابة عنا ماهو إلا تكريس لاستبدادها وتعميق لخطر الطائفية. علينا أن نفهم أن دولتنا تريد التفرقة الطائفية لتبرر وجودها كحافظ للأمن.

إن نظرنا إلى أمثلة التعايش الديمقراطي والحوار الديني نجد العديد منها في جنوب آسيا وفي تركيا، وربما في مصر وتونس قريباً إن لم تلعب السياسات الخارجية لعبتها القذرة كما حصل في العراق. نحن الآن لدينا فرصة للخروج من أوهامنا الطائفية، وإدراك أننا نحن من نصنع الطائفية بالخوف منها.. لدينا فرصة لأخذ قرارنا والقول “لا” لسياسة نظامنا المبنية على التشتيت والتفرقة، والوقوف معاً والإقرار بأننا قادرون على العمل معاً لبناء مجتمع تعددي دينياً واجتماعياً وسياسياً بالحوار والاشتراك مع الآخر لا بقمعه واستبعاده.

خاص – صفحات سورية –

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى