صفحات الناس

كرم المصري نجا من تعذيب النظام السوري واحتجاز “داعش”.. حكاية تروي شجاعة مصور من حلب

 

 

أتلانتا، الولايات المتحدة الأمريكية (CNN)– كرم المصري يشهد على موت مدينته، أو بالأحرى يرى روحها وهي تسلب منها ببطء كل يوم.

المصري هو مصر من حلب يبلغ من العمر 25 عاماً، وعمل على توثيق الرعب والخوف والتحدي والمواجهة التي تحملها حرب سوريا المجعّدة بين طياتها، وبالأخص في مدينة لا تزال تحوي عشرات الآلاف من المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية، وهي الآن محاطة من كل الاتجاهات تقريباً من القوات المؤيدة للنظام السوري وحلفائه.

ورغم عمره اليافع إلا أن ما شهده كرم يمكن أن تشيب له الرؤوس، فقد احتجز وتعرض للتعذيب على أيدي كل من عناصر تنظيم “داعش” والنظام السوري، رأى أناساً يعدمون أمام ناظريه واعتقد بأنه التالي، فقد العديد من الأقارب والأصدقاء وشهد على تحول مدينته المحبوبة إلى ساحة معركة.

لكنه بقي بين أصوات القصف التي تمطر بها مروحيات بشار الأسد، بقي وسط القناصة ووسط القصف العشوائي، ليلتقط وجوه الناس وروحهم التي لمسها حزن لا يمكن مواساته.

النجاة من الموت جزء من المهمات اليومية

في مقابلة متقطّعة عبر سكايب لعدة أيام، قام كرم بوصف الطريقة التي يحاول فيها سكّان حلب مواصلة حياتهم وسط عمليات القصف، ورغم أن ما تشهد المدينة اليوم ليس قليلاً إلا أنه أقل عشوائية من البراميل المتفجرة التي أسقطت على المدينة خلال السنوات الثلاث الماضية.

وكأنه يقدّم خبراً ساراً يقول المصري إن نصف عمليات القصف الجوي التي تشهدها المدينة اليوم تسببت بمقتل مدنيين.

التجار ما زالوا في الأسواق ليعرضوا منتجاتهم التي قل عددها وزاد ثمنها، بعض السلع تضاعف سعرها خلال أسبوع واحد، الأطفال يرتادون المدرسة، رغم أنهم في بعض الأوقات يتوجهون للدراسة في غرف صفية تحت الأرض وعمال خدمة الدفاع المدني يتنقلون من خراب مبنى إلى آخر رغم أنهم يعودون بجثث في معظم الأحيان.

ووفقاً لمنظمات الإغاثة الدولية فإن أكثر من 40 ألف شخص غادروا المناطق التي سيطر عليها المعارضون، ويتوقع المصري بأن المزيد سيستلمون في النهاية وسيهربون إن شعروا بأن الحصار الذي تفرضه القوات السورية والميليشيات الإيرانية زاد ضيقاً على المدينة، لكن وفي الوقت ذاته فإن الكثيرين لن يغادروا حتى لو شهد هذا السيناريو أرض الواقع.

قد يبدو خيار مغادرة المدينة سهلاً لمن يعيش خارج الوضع، لكن بالنسبة لعشرات الألوف من سكان المدينة فإنهم لا يملكون المال الكافي ليسكنوا في موقع آخر أو حتى أقارب يمكنهم أن يوفروا حلاً ولو مؤقتاً، ومع إغلاق الحدود التركية فإنهم يفضّلون البقاء بمنازلهم عوضاً عن التشرد وسط الوحل والأمطار وبرد الشتاء، ويقول المصري إن الكثير من الشباب اليافعين يخشون من أن يجبروا على الالتحاق للقتال ضمن النظام أو الميليشيات إن غادروا.. لذا فالحل الوحيد يتمثل بالبقاء والانتظار.

بداية الحكاية

كان المصري يدرس القانون في جامعة حلب قبل بداية الثورة السورية، وكان ناشطاً عبر فيسبوك مطالباً حينها بثورة لإسقاط النظام كما حصل في تونس ومصر، وفي ليلة من شهر أبريل/نيسان عام 2011 أتى طرق على الباب ليغير من كل شيء، وتم احتجازه وضربه وتعذيبه على مدى شهر.

أطلق سراحه ضمن عفو عام، لكن لستة أشهر ظل خائفاً من اعتقاله مجدداً، ولم يجرؤ حينها على الخروج من المناطق التي سيطرت عليها المعارضة، ليعود إلى الدراسة الجامعية على أمل الحصول على شهادته.

وفي إحدى الأيام قرر أن يأخذ الكاميرا وبدأ ولا يزال حتى اليوم يعمل مع وكالة الأنباء الفرنسية “AFP” ليوثق صوراً ومقاطع فيديو تظهر القصف الذي تتعرض له حلب، لكن وظيفته الجديدة لم تخلو من المخاطر.

ففي 13 نوفمبر/تشرين ثاني عام 2013 تعرض حي الميسر لقصف بالبراميل المتفجّرة، قفز المصري إلى سيارة إسعاف برفقة اثنين من أصدقائه لكن اعترضهم حاجز طريق غير متوقع، إذ أوقفهم عناصر مقنّعون من تنظم “داعش” وقاموا بتقييدهم وتغطية أعينهم، خلال ساعات كانوا في سجن موقت بمنطقة صناعية تدعي باسم شيخ نجار.

يقول: “فتحوا باباً حديدياً، وأزالوا الغطاء عن رأسي ووضعوني في زنزانة فردية بمثل حجم تلك التي أبقيت فيها خلال فترة احتجازي من قبل النظام السوري،” أمضى كرم 45 يوماً بزنزانة تحت الأرض، طعامه اليومي كان قطعة خبز مع ثلاث حبات زيتون، في بعض الأيام لم يكن هنالك طعام على الإطلاق، فقد 20 كيلوغراماً من وزنه وشعر بأنه سيموت جوعاً، لم يتم تعذيبه لكنه يقول إنه يظن بأن من احتجزه أراد قتله، لأنه وبنهاية المطاف كان مصوّراً وبنظرهم كانت هنالك العديد من الخطايا الأكبر التي تستحق إخضاعها تحت التعذيب.

ويعتقد كرم بأن السجن تحت الأرض كان يحوي حوالي 30 زنزانة، عدد من السجناء كانوا من الجيش السوري الحر وناشطين وصحفيين آخرين، ومع فقدان “داعش” السيطرة على المدينة كان عناصره ينقلون السجناء من موقع لآخر، لكن في كل مرة كانوا يقتلون جزءاً منهم وينقلون من تبقى بالباصات، يقول المصري إنه ظل مكانه وأنه رأى جثة صديقه نور، الذي كان سائق سيارة الإسعاف عندما تم احتجازه.

البعض أطلق سراحه لكن الأمل بدأ يخفت لدى كرم بخروجه من ذلك السجن، يقول إن المزيد من السجناء كانوا يأتون ويخرجون، ويقول “توقفت في لحظة عن عد الأيام،” لكن في 2 مايو/أيار تم إطلاق سراح كرم بشكل غير متوقع مع عدد من الرجال، وذلك وفق أوامر من أحد قادة “داعش” الملقّب باسم أبو لقمان.

ما الذي تبقى؟

يقول كرم إن القليل من الناس يخرجون في مظاهرات صغيرة ليطالبوا الجماعات المعارضة المشتتة بتوحيد قواتها وتشكيل ما أسموه بـ جيش حلب.”

ويضيف بأنه لا يتخيل مغادرة حلب، إلا إن أجبره الجيش السوري على ذلك، ويقول: “عائلتي مدفونة هنا، لا يمكنني المغادرة وترك قبورهم، سأعتبر ذلك خيانة لهم، كان بإمكان أمي المغادرة والنجاة لكنها بقيت وانتظرتني، ماتت وهي تنتظر عودتي للمنزل.”

خلال تجوله بين أطلال مدينته هنالك مكان واحد لم يتمكن كرم من زيارته بعد إطلاق “داعش” سراحه، وهي الشقة التي قتلت فيها والدته قبل عامين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى